21 - 02 - 2026

نظرية الطاولة في صناعة القرار المصري

نظرية الطاولة في صناعة القرار المصري

في دهاليز الإدارة المصرية، حيث تتقاطع المصالح وتُحاك القرارات في غرف مغلقة، تبرز ما يمكن تسميته بـ"نظرية الطاولة" وهي ليست مصطلحًا رسميًا، بل توصيف ساخر لواقع يتكرر في مؤسسات الدولة، حيث تتحول الطاولة من مجرد قطعة أثاث إلى رمز للنفوذ والهيمنة وصناعة القرار.

في الاجتماع المصري النموذجي، لا يجلس الجميع على الطاولة بالمكان نفسه. فهناك من يجلس في "رأس الطاولة"، وهناك من يجلس على الهامش، وهناك من لا يُدعَى أصلًا. وهنا تبدأ المعادلة: من يجلس في المنتصف يقرر، ومن يجلس في الأطراف يستمع، ومن يقف ينتظر إذن الدخول.

الطاولة ليست مجرد مساحة للنقاش، بل خريطة للسلطة غير المعلنة. فالمكان الذي تشغله يحدد حجم صوتك، وقيمة رأيك، ومصير اقتراحك. بل قد يتحدد مصير مشروع كامل بمقدار قرب صاحبه من “رأس الطاولة”.

في الوزارات والهيئات والشركات الكبرى، تُدار الاجتماعات كما تُدار البلاد: بمنطق الكرسي الأقرب إلى القرار. والولاء هنا ليس لفكرة أو هدف، بل لزاوية الجلوس. فكلما اقتربت من صانع القرار، اقتربت من المكسب، مهما كانت كفاءتك محدودة أو أفكارك ضبابية.

أما أصحاب الكفاءات الذين يجلسون في الأطراف — أو لا يجدون لأنفسهم مقعدًا أصلًا — فهم أول من يُستدعى عند الأزمات، وآخر من يُكافأ عند الإنجاز. وهكذا، تُدار المؤسسات بعقلية المقاعد لا بعقلية العقول.

"نظرية الطاولة" لا تخص فقط الاجتماعات الرسمية، بل تمتد إلى الحياة العامة: في الإعلام، في الجامعات، وحتى في الفن. فكل مجال له طاولته الخاصة، وله رأسٌ يوزّع الكلام والفرص، وله أطراف تُهمّش ثم تُلام.

ولعل الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول الطاولة من رمز للتراتبية إلى مساحة للحوار، وعندما يصبح المقعد حقًا لا منّة، والرأي قيمة لا مجاملة. فالدولة التي تُحسِن توزيع الكراسي هي وحدها القادرة على إدارة عقولها قبل مؤسساتها.
-------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب