يشير الوضع الأمني والإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى سبتمبر/أيلول 2025، إلى أن التدهور الأمني قد وصل إلى ذروة غير مسبوقة. الأدهى من ذلك، يكشف الوضع عن وجود استراتيجية إسرائيلية أمنية متكاملة تستغل الحرب المدمرة في غزة كغطاء لتنفيذ سياسات توسعية وقيود قسرية ممنهجة في الضفة الغربية، هدفها المعلن هو تحقيق "السيطرة الكاملة" وتغيير المشهد الفلسطيني بشكل دائم. مما يجعل الوضع في قطاع غزة بأنه يمثل "إبادة بنيوية"، تهدف إلى جعل الحياة مستحيلة للسكان، متماشياً مع تحذيرات سابقة من خبراء الأمم المتحدة بشأن وجود عناصر قد ترقى إلى الإبادة الجماعية.
فلقد تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 57,680 شخصًا والإصابات 137,409 حتى يوليو/تموز 2025. وتُظهر البيانات أن حوالي 80% من الشهداء هم من المدنيين، وأن 70% من شهداء المباني السكنية هم من النساء والأطفال. كما استشهد ما يقرب من 18,500 طفل، ما يشكل 31% من الإجمالي، وهي أرقام صادمة لا يمكن استيعابها. حيث شهد القطاع دماراً شبه كامل للبنية التحتية، مما أدى إلى نزوح قسري لحوالي 90% من السكان.
ويشير الاستهداف الممنهج للمرافق الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، والمساكن، إلى هدف استراتيجي لتقويض القدرة على البقاء في القطاع. نتيجة لذلك، سُجل انخفاض حاد في متوسط العمر المتوقع وتفاقمت أزمة سوء التغذية الحاد التي تهدد أكثر من 66,000 طفل.
أما في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، يتكشف لنا عن "استراتيجية السيطرة الكاملة" التي تُنفذ من خلال تصعيد غير مسبوق في العنف واستخدام أدوات القسر الإسرائيلية، تحت غطاء الأوضاع في غزة. حيث وصل عدد الشهداء الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى 994 شخصًا حتى سبتمبر/أيلول 2025، غالبيتهم العظمى على يد القوات الإسرائيلية. يمثل هذا التصعيد مستوى غير مسبوق من القتل خارج نطاق العمليات العسكرية المباشرة. وتم رصد تكامل واضح في أدوات السيطرة الإسرائيلية، شمل زيادة قياسية في الحواجز العسكرية، التي وصلت إلى 180 حاجزًا أسبوعيًا، ما يشل الحركة والاقتصاد، وارتفاع حاد في الاعتقالات، التي بلغت 18 ألفًا منذ أكتوبر 2023، وتحوّل عنف المستوطنين إلى "ذراع لفرض التهجير القسري" الممنهج للسكان الفلسطينيين في مناطق واسعة.
ويتضح الهدف الاستراتيجي وهو كسر النسيج الفلسطيني، حيث يشير هذا التزامن والانتشار الممنهج للعنف والتضييق إلى استراتيجية أمنية منسقة تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على مناطق واسعة، وكسر النسيج الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني. هذا المسعى يمثل تمهيدًا للضم الفعلي لهذه الأراضي وتوسيع رقعة الاستيطان.
الخلاصة هى تغيير ديموغرافي وجغرافي لا رجعة فيه، ففي ضوء كل ماحدث ويحدث، يظهر جلياً أن هذا التحول النوعي في الممارسات الأمنية الإسرائيلية يهدف إلى تعميق الاحتلال وتغيير المشهد الديموغرافي والجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة بشكل لا رجعة فيه. هذه الاستراتيجية تقوّض بشكل جذري أي أفق سياسي مستدام لحل الدولتين، وتدفع بالوضع نحو أفق مظلم من السيطرة الدائمة والتوسّع الاستيطاني. تعتمد هذه النتائج على بيانات موثقة من وكالات الأمم المتحدة الرئيسية (الأوتشا، الأونروا، المفوضية السامية لحقوق الإنسان) ووزارة الصحة في غزة.
(القاهرة، 1 أكتوبر 2025)
-------------------------------
بقلم: حاتم نظمي







