(أشكر سيادتكم على مقالاتكم العميقة التي تحفز على التفكير. إنني معجب جدًا بتنوع الموضوعات التي تتطرقون إليها وكيف يتم تناول هذه الموضوعات من زوايا لم يتم النظر إليها قبل ذلك.
يشير المقال إلى أسس التقدم والحضارة، وهي الاهتمام بجميع التفاصيل والعمل وفق معايير قياسية والسعي نحو الارتفاع بتلك المعايير. لقد ركبت القطار الطلقة في المسافة ما بين مدينتي أوزاكا وكيوتو، وكان ذلك في عام ١٩٩٨، حيث كنت أحضر مؤتمرا علميا باليابان. كان مبهرًا في حينه..
وقد كان لي قصه في هذه الرحلة أدركت فيها مدي نبل المستوي الأخلاقي في اليابان، وهو أيضا أحد أهم أسس التقدم، كما أنه يعطي ميزه للشرق على حضارة الغرب.
وموجز القصة؛ أنني جلست في القطار إلى جوار رجل ياباني، وقد لاحظ أن معي خريطة لمسار القطار وأتابع المحطات واحدة تلو أخرى حتى أعرف هل وصلنا أم لا؟. فتحدث معي وسألني عن محطتي، فأجبته "كيوتو"، ثم أردف أنه سوف يخبرني حينما نقترب المحطة. وعندما وصلنا فوجئت به يحمل شنطة سفري الثقيلة عني وينزل من القطار ويضعها علي الرصيف، ويعود إلى القطار مرة أخرى، ليستأنف رحلته.
خرجت من المحطة وكانت الساعة تقترب من منتصف الليل، ولا يوجد أحد تقريبا في الشارع، فقررت السير حتى الفندق الذي لا يبعد، وفقًا للخريطة، أكثر من ناصيتين إلا أنني شعرت بالخوف، ثم لمحت تاكسي بجوار المحطة فطلبت منه توصيلي للفندق، فأخبرني بأن الفندق على بعد خطوات، فطلبت منه توصيلي، فرفض وقال لي أن الأمر لا يحتاج. فأدركت أن شعبًا بهذا القدر من الأمانة وتقديم العون للغريب، لا يمكن أن يكون به مجرم أو سارق فسرت باطمئنان إلى الفندق.
من جانب آخر، وكما أشار المقال هناك سعي دائم للوصول إلى الكمال، وليس الرضاء الدائم عن النفس، الذي تعاني منه المجتمعات غير المتقدمة، أو التحجج بالإمكانيات فالسعي نحو الكمال هو ما يدفع لتوفير الإمكانيات.
أما المثال الثاني من المقال فبقدر ما يؤكد فكرة المقال عن الاهتمام بتطوير الأداء إلا أنه يمس جانبا إنسانيا آخر، فحينما يفقد الموهوب ثقته بنفسه لمشاكل في حياته، ولكن وجود عين خبيرة تستطيع أن تعطيه الفرصة مرة أخرى، يمكننا من الاستفادة من هذا الموهوب مرة أخرى، وقد تكون إضافاته أعظم من نظيرتها قبل التوقف.
وأعتقد ان في قصة حياة الموسيقار الروسي سيرجي رحمانينوف (1873-1943) مثالا مهما لذلك، فقد توقف عن التلحين وشعر أن موهبته قد نضبت لدرجة أنه ذهب لطبيب نفسي للعلاج ومع جهود الطبيب استعاد ثقته بنفسه، وأنتج واحدة من أعظم القطع الموسيقية الكلاسيكية، وهي الكونشرتو الثاني للبيانو، واعترافًا بفضل طبيبه، أهداه هذه المقطوعة.
وأعتقد أن نجيب محفوظ تعرض لموقف مشابه في الخمسينيات، صحيح لم يذهب لطبيب نفسي، ولكنه استغل ذلك في العمل علي كتابة سيناريوهات الأفلام والعمل الإداري، حتي عادت القريحة للتوهج مرة أخرى..
من هنا يجب التأكيد على ضرورة احتضان المواهب الحقيقية وتوفير سبل الحياة لها وهذا ما حرص عليه الأستاذ محمد حسنين هيكل، في مشروع تطوير جريدة الأهرام في الخمسينيات والستينيات، وأتاح لهذه المواهب المناخ ووفر الدعم المادي..)
الدكتور حافظ السلماوي، الرئيس الأسبق لمرفق الكهرباء والأستاذ بكلية هندسة الزقازيق، تعقيبًا على مقال "صناعة التاريخ والزمن" المنشور في نفس الزاوية.
---------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]