تابعت انتخابات الشورى فى مراحلها الأخيرة، حيث انتهت أمس جولة الإعادة فى العديد من الدوائر الانتخابية، وبما أنى أنتمى للصعيد، رصدت تفاعلات أبناء الأقصر وأرمنت، وإسنا لاختيار أحد المرشحين للولوج لمقعد الشيوخ فى البرلمان القادم، وخلصت رؤيتى أو رصدى لهذا الماراثون الشاق، أن من يدفع ملايين أكثر يستطيع الفوز فى أى انتخابات تجرى فى مصر ، وأننا نعيش فى أجواء مناخ سياسى عفن سواء على مستوى الشورى أو النواب، حيث تبدأ مراحل قبول المرشح ودخوله ضمن التحالف الوطنى، وفى الأحزاب الثلاثة الموالية للسلطة، بداية يطلب من المرشح التبرع، مش عارف لمين! بملايين الجنيهات، والتى تصل فى بعض الدوائر وحسب مستوى المرشح الاجتماعى والمادى إلى 300 مليون جنيه، ممكن أن تزيد أو تقل عن هذا الرقم، ثم يتم الاتفاق بعد ذلك مع المرشح المحتمل انه خلاص كده أصبح ضمن قائمة التحالف الوطنى، وأتوماتيك يأتى اسمه فى قائمة الحزب، التى تحظى برضا قيادات الأحزاب التلاتة أو أكثر، وكلكم تعرفون أسماءهم طبعا والموالين للسلطة، ويعلن بعدها المرشح المنتظر وسط مؤيديه، وعائلته أنه والحمد لله، تم اختياره ضمن قائمة الحزب والتحالف المزعوم.
وتبدأ التهانى والتبريكات، وذبح الذبائح هنا وهناك ابتهاجا بهذه المناسبة، بعد ذلك يبدأ المرشح جولاته فى المدن والقرى، والنجوع التابعة للدائرة المترامية الأطراف، مصطحبا معه بعض الأشخاص، أو العيون لرصد كل كبيرة وصغيرة عن الأماكن التى سيتم زيارتها، ولا مانع من حمل بعض الكراتين والشنط الممتلئة بالأموال، لزوم توزيعها على الناس الغلابة، على أن يتولى عملية توزيع هذه المبالغ على الناخبين البسطاء بعض الأشخاص المعروفين بالقرى، ويتم تسليم الأموال لهم تباعا وعلى مراحل، إذن العملية الانتخابية سواء فى الأقصر أو بقية المحافظات الأخرى من بدايتها حتى الفصل الأخير منها، لا تعتمد الشفافية ولا المصداقية، ولا الٱلية المعروفة التى تدار بها أى عملية انتخابية فى العالم.
لذا لا يصح أن يطلق عليها هذا المسمى، يجوز تسميتها حاجة تانى، مثلا "الجنازة حارة والميت كلب" وهكذا، يقينى أن مصر تضحك على نفسها، وتنفق مليارات الجنيهات على فعاليات همجية، تسىء لسمعتها كثيرا، رغم كونها دولة كبيرة ولها تاريخ عريق فى هذا الشأن، لكن للأسف فرطت فى ماضيها وحاضرها أيضا.
رصدت أيضا فى انتخابات الإعادة التى تمت بدائرة الأقصر، مقاطعة السواد الأعظم من أبناء الدائرة لهذه الانتخابات، لأنهم استشعروا أنها مطبوخة لصالح مرشح ما، وأشهد الله أن عمليات الفرز كانت تتم بحيادية وشفافية مطلقة، لكن الأفعال والسلوكيات والتحركات، التى سبقت العملية الانتخابية شابها الكذب والخداع والرشوة، حيث تم الدفع بملايين الجنيهات للضحك على الناس واستغلال حاجتهم، وكسب أصواتهم
حابب أذكر الجميع أننا كنا نردد فى فترة سابقة أن الإخوان هم من كانوا يقدمون الرشى للناخبين، والتى كانت عبارة عن قزازة زيت وكرتونة ممتلئة بالسكر والزيت وخلافه، نحن اليوم لا نختلف كثيرا عنهم، ولا أبالغ إذا قلت أننا تفوقنا عليهم، وبقينا نقدم رشاوى، وشنط ممتلئة بملايين الجنيهات لاسترضاء الناخبين البسطاء، وقد حدثنى بعض الأصدقاء أن أحد المرشحين كان يقدم شنط فلوس ، الشنطة الواحد تتجاوز المليون جنيه لقرية واحدة حتى قيل: إن تمن الصوت بدائرة الأقصر وصل 200، و 300 جنيه، وقد تزيد هذه القيمة فى بعض القرى الأخرى.
رصدت أيضا أن العصبيات القبلية تلعب دورا كبيرا فى الانحياز لأحد المرشحين على حساب الٱخر، وما لفت نظرى إقامة وحشد المؤتمرات لدعم مرشح التحالف الوطنى، وعادة ماتتم هذه المؤتمرات بتعليمات واضحة من الأجهزة الأمنية، رغم أن المنافس قد يكون ليس من الاخوان او المعارضة، ولكنه ابن الدولة، وكان مرشحها فى السابق.
كلمة أخيرة، إذا كانت السلطة جادة فعلا ولديها إرادة التغيير، فينبغى ألا تستمر فى هذا الاتجاه الخاطىء بكل المقاييس، والذى يشوه صورة بلدنا فى الخارج، كما أنه يخلق مناخا سياسيا سيئا و لا يبشر بالخير أبدا، و يتسبب فى حدوث تداعيات خطيرة على وحدة الصف والتلاحم الوطنى الذى نريده، مصر فى حاجة ماسة وملحة إلى تغيير كبير فى الأفكار والتوجهات والرؤى، وإلى ثورة تصحيح على المستوى السياسي والاجتماعى والاقتصادى، حتى نتلاشى أى أثار سلبية قد تحدث - لاقدر الله - فالإصلاح السياسى يبدأ من هنا.
---------------------------
بقلم: جمال قرين