29 - 08 - 2025

كلام لبكرة | كيف نخرج من فخ الديون.. حتى نصبح مثل الصومال؟

كلام لبكرة | كيف نخرج من فخ الديون.. حتى نصبح مثل الصومال؟

هل فكر أحد من المسؤولين يومًا في كيفية خروج مصر من فخ الديون الذي أوقعونا فيه؟ لا أظن، لكن في الواقع، قد يبدو الخروج من فخ الديون مثل حلم مستحيل، خاصة إذا كنت تعيش في دولة تعاني من أزمات اقتصادية متراكمة، لكن الصومال، نعم الصومال، هي الإجابة المدهشة. ربما يسخر البعض ويتساءل: “هل نجحت الصومال في الخروج من الأزمة الاقتصادية؟!”، لكن الحقيقة أن تجربة الصومال، التي لا تسر الناظرين من الخارج، تحمل دروسًا يمكن أن تدهش حتى أكبر الاقتصاديين في العالم.

الصومال، التي عانت من المجاعات والحروب الأهلية والعزلة الدولية، اكتشفت في وقت ما أن الحل ليس في دفع ديون باهظة الفوائد بل في "تجاهلها" إلى حد ما، أو على الأقل تحويل جزء من الموارد المالية إلى مكان آخر أكثر جدوى. هذا ليس سخرية، بل استراتيجية إدارة ديون ناضجة وصريحة. هل تصدق أن بلادًا كانت تحت وطأة دين مستحكم وقسوة اقتصادية، تمكنت أخيرًا من الحصول على إشادات دولية بسبب سياساتها المالية؟ يبدو الأمر سخيفًا، لكنه صحيح.

"شكرًا يا صومال!"

بداية القصة تعود إلى سنوات مضت، عندما كانت الصومال غارقة في ديون ضخمة بسبب سنوات طويلة من الحروب الداخلية والعزلة الاقتصادية. حينها، قد يظن البعض أن الديون لا يمكن التخلص منها أبدًا، خصوصًا مع الوضع السياسي الهش. لكن الصومال أخذت قرارًا غير تقليدي. فبدلًا من دفع فائدة الديون التي تزداد وتتكاثر كما الأرانب، قررت إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، فأصبحت أولوياتهم واضحة: الصحة والتعليم أولًا، ثم البنية التحتية. قد تتساءل هنا: كيف استطاعوا أن يحققوا ذلك؟ الإجابة ببساطة هي أنهم أعادوا كل قرش إلى المكان الذي يعزز قدرة الدولة على التقدم، بدلاً من تبديده في خدمة الديون.

والنتيجة؟ أصبحت الصومال نموذجًا يحتذى به بين الدول المانحة، التي اعتبرت ما حققته من تحسن اقتصادي طفرة حقيقية. وهذا درس يمكن لأي دولة تتخبط في بحر الديون أن تعتمده

التحديات المصرية: ديون مثل جبل الجليد

أما مصر، فأظن أن الجميع يعرف أن وضعها الاقتصادي ليس بأفضل حال. الديون الخارجية تتزايد كما تتراكم الأوساخ في الزوايا المهملة، ومن المتوقع أن تتجاوز حاجز الـ200 مليار دولار بحلول عام 2030. وماذا يعني ذلك؟ يعني أن مصر ستكون تحت الضغط، تفتح خزائنها لتسد الديون، بينما تستمر الحياة اليومية للمواطن في الدوران حول حلقة مفرغة من الجوع، البطالة، وأسعار لا تتوقف عن الارتفاع.

وتبقى الحكومة المصرية تكافح في ظل هذه الديون، خصوصًا مع توقعات بأن ديونها لصندوق النقد الدولي ستستمر حتى عام 2047. هل هذا يعني أن مصر ستعيش في ضائقة مالية مستمرة لعقود قادمة؟ ربما، ولكنها لا تزال تحاول اللعب على الأمل. فعلى سبيل المثال، أعلنت وزارة المالية عن خطط لخفض الدين العام، ووضع سقف للدين العام الجديد بلغ 15.1 تريليون جنيه (313 مليار دولار). الخطة هي تقليل الدين إلى 88.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت النسبة قد وصلت إلى 96% في العام الماضي. هذا بالطبع ليس حلًا سحريًا، ولكنه بداية لجهود مضنية على أمل أن تعود مصر إلى الاستقرار المالي.

الحلول الفانتازية: إطالة عمر الدين!

بالطبع، لا يقتصر الأمر على مجرد "خفض الدين"، بل هناك فكرة أخرى أقل واقعية، ولكنها تحظى بشعبية لدى المسؤولين: إطالة عمر الدين! هذا ببساطة يعني أن مصر ستدفع ديونها على مدى عقود طويلة قادمة، وبالتالي يظل الدين مثل السيف المعلق على الرأس. لكن الخبر السار؟ إنه سيخفف من الضغط المالي على الحكومة. أليس هذا فانتازيا من نوع خاص؟ ربما، لكن لا يمكن إنكار أنه قد يكون هو الحل الوحيد المتاح.

هل سنصبح مثل الصومال؟

في الحقيقة لا توجد وصفة سحرية تجعل مصر تستطيع سداد ديونها مثل الصومال، على الأقل ليس في الجوانب الإيجابية. لكن ما يمكن تعلمه من تجربة الصومال هو أن الحلول ليست دائمًا في دفع الديون كما يُتوقع، بل في أن تُفكر خارج الصندوق... أو ربما خارج صندوق الدين نفسه. إذا نجحت الصومال في الاستفادة من سياستها المالية الملتوية (ولكن الناجحة) وتوجيه الأموال نحو القطاعات الأكثر حاجة، ربما يكون حريّا بنا أن نتوقف قليلًا عن السعي المستمر وراء الديون ونبدأ في استخدام الموارد المتاحة بطريقة أكثر فاعلية.

إذن، بعد كل هذا، هل يمكننا أن نخرج من فخ الديون؟ ربما. ولكن فقط إذا نظرنا إلى أبعد من السداد التقليدي، وبدأنا في استثمار الأموال في الإنسان والمستقبل، وليس فقط في إعادة دفع الفوائد التي تنمو مثل العشب السام.
-------------------------
بقلم: صلاح عبدالجابر العربي



مقالات اخرى للكاتب

كلام لبكرة | كيف نخرج من فخ الديون.. حتى نصبح مثل الصومال؟