25 - 05 - 2022

ماذا قال الدكتور محمد البرادعي للكابتن عمر جابر؟

ماذا قال الدكتور محمد البرادعي للكابتن عمر جابر؟

1 - دخل الدكتور "محمد البرادعي" إلى منزله ليل الأحد الدامي عائداً برفقة زوجته من تلبية دعوة حضور لعرض أوبرالي راقي في مسرح "إم تي إس فيينا" أو ما يسمى بدار أوبرا فيينافي العاصمة النمساوية وبعد تناولهما العشاء سوياً في المنزل الأنيق الذي يسكناه وحدهما, فعل ما يفعله كل ليلة قبل نومه وهو فتح "الأيباد" الخاص به لمتابعة الأخبار والتطورات التي تحدث في الشأن المصري.. وفجأه ومن دون مقدمات إغرورقت عيناة بالدموع, وخلع نظارته وسحب منديلاً ورقياً من العلبة الساكنة على الطاولة كي يمسح دموعه قبل أن تهرب من جفونه.. وبالصدفة إنتبهت الدكتورة "عايدة الكاشف" إليه فاتفضت من مكانها وتوجهت إليه سائلة:

إيه الي حصل يا دكتور محمد؟

لم يستطع أن يرتب كلماته من هول ما رآه, وأعطاها الجهاز اللحوي كي تشاهد الصور البشعة وتقرأ تفاصيل الخبر بنفسها.. فأجهشت في البكاء وهي تنصرف من أمامه, وبينما يقرأ في الأخبار المتعلقة بالخبر الرئيسي وهو إستشهاد 20 شاباً في إستاد الدفاع الجوي, وجد خبر يقول بأن الكابتن "عمر جابر" صاحب الثلاثة وعشرون عاماً هو الوحيد الذي رفض لعب المباراة تأثراً بما حدث, فما كان منه سوى الإتصال بأحد أصدقائه في مصر من الذين يعملون في مجال كرة القدم ليتعرف من خلاله على تفاصل الأحداث.. والأهم أنه طلب منه رقم تليفون الكابتن "عمر جابر" كي يتحدث إليه هاتفياً في الصباح الباكر.

دخل صاحب نوبل إلى غرفة نومه وجلس على السرير مستجدياً نومه كي يهرب من عجز التفكير عن سبب وفاة أكثر من عشرين شاباً جاءوا يضحكون, فلم يأتيه النوم بعد أن ظل يقرأ الأخبار ويتابع الفيديوهات المنتشرة حول الواقعة فسرقه الوقت حتى أشرقت شمس الإثنين.

2- خرج الكابتن "عمر جابر" مع زملائه من الفندق الموجود باستاد الدفاع الجوي حيث تقيم فرقة كرة القدم بنادي الزمالك في تمام الخامسة والنصف مساءاً واستقلوا حافلة النادي متجهين إلى ملعب المباراة الموجود في نفس المنطقة لملاقاة فريق نادي إنبي, وجميع اللاعبين في حالة نشوة وبهجة حيث هو اللقاء الأول الذي سيلقي اللاعبين بأرواحهم في أحضاء جماهيرهم الوفية بعد عامين من الإشتياق.. ولكن حشرت الحافلة فور خروجها على الطريق في إزدحام مروري تام, وبينما إقترابت الحافلة من الملعب والدخول من البوابة.. فوجئ الجميع برائحة قنابل الغاز تتسلل إلى داخل الحافلة, ووقفت جماهير النادي أمامها, مطالبين اللاعبين بعدم خوض المباراة بسبب إستشهاد أعداد كبيرة من الجماهير جراء إلقاء الشرطة لقنابل الغاز بكثافة في مكان ضيق.. ونادوا على "عمر جابر" باسمه فأتى من مقعده الخلفي متجهاً إلى واجهة الحافلة في ذهول تام جراء ما شاهد وسمع.. فهو يعرف هؤلاء الشباب بسيماهم ويثق بهم مثلما يثقون به, وأقر لهم بأن الفريق لن يلعب المباراة.. وهو القرار الذي إتفق عليه جميع اللاعبين والجاز الفني داخل الحافلة.

فور وصول اللاعبين إلا غرفة خلع الملابس جلس "عمر" وزملائه ولم يتحركوا من أماكنهم منتظرين سماع القرار الإداري بإلغاء المباراة.. حتى دخل عليهم رئيس النادي كاذباً بأنه لا يوجد وفيات وكل ما يقال محض شائعات, وأمرهم بتغيير ملابسهم إستعداداً لخوض المباراة.. فرضخوا جميعاً لأمر هذا الكائن العجيب خوفاً منه.. وما كان من "عمر جابر" كي لا يحرج زملائه سوى الرفض مدعياً الإصابة باغتناق الغاز, لكن مافي قلبه هي إصابة نفسيه نابعه من إنسانيته وضميره الذي يرفض أن يلعب على جثث شباب ليس لهم ذنب سوى حب هذا النادي ولاعبيه.

لعبت المباراة من دون عمر الذي ناداه الجمهور الحاضر في الملعب بعد أن تأكدوا من سقوط شهداء في الخارج مع بداية الشوط الثاني مباشرة مطالبين اللاعبين بصوت رج جنبات المدرجات الخاوية بالإنسحاب.. فلم يستجب أحد.. فما كان منهم سوى إلقاء السبابات واللعنات على النادي ومجلس إدارته واللاعبين جميعهم عدا الشاب الصغير السن الكبير القلب والعظيم الخلق.. حتى إنتهاء المباراة.

3- خرج اللاعبين واحد تلو الأخر على شاشات الفضائيات بعد أن باتت الكارثة على المشاع, محاولين تبرئة ساحتهم بأنهم لم يكنوا على تأكيد تام مما حدث بعد أن أنكر رئيس النادي حدوثه, ولم يستشعروا الخجل من إلقاء الإتهامات على عمر جابر بأنه كان يعلم مالا يعلمون ولم يقل لهم ما نما إلى علمه بالمصيبة, ولكن عمر حقاً لم يعلم سوى ما علموه من الجمهور لكنه رأى الصدق في قلوب الجماهير فصدقهم وأمن على كلامهم, لكن هؤلاء ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم, ولم يصدقوا سوى كذب رئيس النادي الذي هو المتسبب الأول في الكارثة.

خرج رئيس النادي يسب عمر عبر الفضائيات معلناً طرده من النادي بسبب عدم إنصياعه للأوامر والسير مع القطيع, ناعتاً إياه بأبشع الألفاظ ومدعياً عليه بالبطولة الذائفة.

بين عشية وضحاها أصبح عمر جابر أيقونة للإنتماء والإنسانية والضمير والخلق, ليس فقط في قلوب جماهير نادي الزمالك.. بل في قلب مصر النازف حرقاً على الكارثة الكبرى.

وخرج عمر من الملعب إلى بيته والدموع الحارقة جراء البكاء الحار لم تجف من عيناه حتى الساعات الأولى من نهار الإثنين.. وهنا رن جرس الهاتف وعلى الشاشة رقم بدا أنه من دولة أوروبية.

4- ألو.. صباح الخير.. كابتن عمر جابر معايا؟

أيوه يا فندم.. مين معايا؟!

أنا محمد البرادعي.

محمد البرادعي مين؟! الدكتور؟!

أيوه يا كابتن.

إنتفض الشاب الذي كاد على وشك النعاس من مكانه بعد أن أدرك من الذي يتحدث إليه قائلاً:

أسف والله يافندم ماخدتش بالي.. إزي حضرتك يا دكتور؟

الحمد لله يا إبني.. إنت الي عامل إيه في المصيبة الي حصلت لإخواتك؟

بلدنا بقت وحشة أوي يا دكتور.. بلدنا بقت بتاكل ولدها أحياء.

مصر بلدنا يا عمر عمرها ماكانت وحشة.. إحنا الي وحشين.. احنا الي بنقبح كل حاجة كانت حلوة بتصروفات غير مسؤولة مفترض فيهم المسؤولية.

قولي يا دكتور ذنب الناس الي ماتت إيه عشان يحصل فيهم كل ده!

تعرف يا عمر إن الناس الي ماتت هما الي بيشفقوا علينا دلوقتي.. هما عارفين إنهم ارتاحوا من الهم والحزن وانعدام الإنسانية وقلة الضمير الي بقى مسيطر على الحياة الي إحنا عايشنها.. إحنا يا عمر الي نستاهل الشفقة.

عندك حق يا دكتور.. تخيل إن زمايلي هاجموني عشان الموقف الي أخدته وبيقولوا إني سبب فضيحتهم قدام الناس.. ورئيس النادي عايز يطردني لأني منفذتش أوامرة زي بقية اللاعبين.. بقيت أنا المتهم بالخيانة والبطولة المذيفة!

مشكلتك يا عمر الي هما شايفنها مشكلة وأنا شايفها واجبك هي إنك إنحزت لضميرك وإنسانيتك ومعملتش أي إعتبرارات لكلام الناس ولم تسير مع القطيع وهي دي ضريبة الإختلاف لأن للأسف الي زيك مش كتير أو بقوا من النوادر وعشان كده المجتمع الي إنت عايش فيه مش هيستوعبك, لأنه بقى مجتمع مبني على النفعية المصلحة.

تنهد الكابتن الكبير المقام صغير السن وكأنما وجد ضالته في إنسان واحد يطبطب على جراحه, ولكنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في الفترة المقبلة.. فوجه السؤال مباشرة:

لكن أنا مش عارف المفروض أعمل إيه الفترة الجاية.. أنا عاجز عن التفكير يا دكتور!

عمر يا إبني.. أنا لما أصريت أجيب رقم تليفونك وأتكلم معاك, كان طبعاً في الأول عشان أعبرلك عن إعجابي بموقفك النابع من تربية حميدة وأشكرك لإنتصارك للضمير والإنسانية.. ده غير إني كنت لازم أوضح لك بعض النقاط الي ممكن تبقى غايبة عنك والي ممكن تكون سبب في التأثير عليك للتراجع عن موقفك.

إتفضل قول يا دكتور.. وصدقني أنا هنفذ كل كلمة هتقولهالي.

إتعلم دايماً إن القرار الأول الي بتاخده في أي موقف هو قرار نابع من القلب وبيكون قرار عفوي طاهر لا تعكرة شوائب المصلحة الشخصية.. إنما لما بتفكر قبل ما تقرر بيكون قرار مصلحة.. وده الي خلاك تفرق عن كل الي حواليك من اللاعبين الي فكروا إنهم يتأكدوا أولاً من الخبر وبعدين يقرروا.. إنت بعد ما خرجت على الناس ووضحت موقفك والناس إحترمت موقفك وقدروك, دلوقتي مش مطلوب منك غير الموقف الصعب وهو إنك تصمت ومتتكلمش مع حد.. أي حد.. حتى ماتروحش النادي ولا تتكلم مع زمايلك في أي حاجة, لأنهم هيحاولوا يقنعوك بأكاذيب عشان يبرروا موقفهم على الأقل قدامك.. ولو قررت الخروج من مصر للإحتراف في أي بلد أخر هايهاجموك وهيقولوا عليك إفتراءات, وهيقدروا يأثروا على بعض الناس, زي ما حصل معايا ومع غيري, لأن في بلدنا الزن على الودان أقوى من السحر.. فخدها مني نصيحة.. مجرد نصيحة من صاحب خبرة في الموضوع ده, أنا ممكن مكنش عندي فرصة أعملها للإعتبارات المختلفة بين حالتي وحالتك..خليك في بيتك وإلتزم الهدوء واعزل نفسك عن كل حاجة ليها علاقة بالموضوع ده, وإنت لسه شاب صغير والوقت طويل قدامك فاعتبرها أجازة مؤقتة لحد ما تظهر الحقائق وأنا متأكد إن القدر هينتصر لك.. وساعتها هاترجع ناديك مرفوع على الأعناق.. عليك بس إنك تتواصل مع أهالي إخواتك الي إستشهدوا غدر وتخفف عليهم مصيبتهم.

شعر الشاب بارتياح شديد لما سمعه, حيث قد سهر ليلته يعيش بين قرارين عليه إتخاذ أحداهما, وكلاهما أصعب من الأخر, إما الهروب والسفر لأي مكان أخر, وإما إعتزال اللعبة والخروج من المشهد نهائياً.. إلى أن وجد ضالته في النصيحة التي جاءته من حيث لم يتوقع إتيانها.. وشكر كل منهما الأخر سواء على المواقف الذي إتخذه الدكتور "محمد البرادعي" في الماضي والكابتن "عمر جابر" في الحاضر, وكلاهما متعلق بالضمير والإنسانية جراء سقوط ضحايا في موقفين مختلفين.

ملحوظة:

هذا الحوار تخيلي يريد الكاتب من خلاله ربط المواقف المتشابهة التي حدثت في قضيتين مختلفتين, كي يؤكد من خلاله أن أختلاف الأجيال والأفكار.. هناك من يصر على الإحتكام للضمير والإنتصار للإنسانية.

مقالات اخرى للكاتب

إدريسا جانا أمام
اعلان