24 - 02 - 2024

"عبور " عبد اللطيف فردوس | الـرقص على الجسـر الواصـل والفاصـل بين حيـاة وحيـاة

يعد الفنان عبد اللطيف فردوس واحدا من أهم المؤلفين والمخرجين المسرحين المغاربة، وممن اغترفوا من معين العشق داخل النادي الفني المراكشي منذ 1968. ومن أهم الأعمال المسرحية التي قام بإخراجها مسرحية ”المهرج" لمـحمد الماغوط ، و"تراجيديا السيف الخشبي" لمـحمد مسكين، وغيرها من الأعمال، بالإضافة إلى إعداده وإخراجه لمسرحية "عطيل بين الحلقة والأوطيل" لفرقة الوفاء المراكشية، إلى جانب اشتغاله مع فرق أخرى مثل مسرح اليوم ومسرح الأصدقاء. 

إلا أن اسهامات عبد اللطيف فردوس سترتقي مدارج الألق وخشبات الإبداع، حينما سيخط لنفسه أسلوب كتابة درامية تحمل فصيلة مؤلفها (فردوس)، ليعمل لمدة عشر سنوات على مشروع خاص، ذاك المتعلق بمسرحة الفرجة التراثية بالمغرب، فألف بذلك 12 مسرحية أنجزتها فرقة ورشة الإبداع دراما. وأضف إلى ذلك تطريزه لنجمتي عقد فرقة مسرح تانسيف، بتأليفه لمسرحيتي "التسليم للأسياد" و<غـويثـة وحمام> التي تحمل اسما آخر مواز لها "كيف الطوير طار".

وبذلك، قدم (عبد اللطيف فردوس) للخزانة المسرحية المغربية مجموعة من الأعمال الإبداعية، مثل مسرحية "أريد أن أكون فراشة" و"أنا ماشي حمار" و"صباح وعشية" و"خير وسلام"، "عبيدات الرما" و"السويرتي" و"التبوريدة" و"كيف طوير طار" و"الحائط" و"تحفة الكوارثي"، ومن آخر إبداعاته المسرحية المنشورة "الدكتور فاوستوس – أسطورة الإنسان الذي.." ومسرحية "سيدي بلعباس" بوصفها الحلقة الأولى من ثلاثية مسرحية مراكشية سنة 2023، وقبل ذلك إصداره لمسرحية ومسرحية "عبور" التي نحتفي بها هذه الأمسية.

أصدر عبد اللطيف فردوس مسرحية "عبور" سنة 2021، عن منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال بمراكش، بإهداء خاص إلى الأخت الصغرى، فارسة الخشبة بامتياز، وقلب ورشة الإبداع دراما النابض.. نادية فردوس.

مسرحية "عبور" أسلوب آخر، ودرجة إبداع أخرى، ونفس إبداعي آخر لعبد اللطيف فردوس، إننا لسنا أمام نمط مسرحياته الأولى التي تعيد مسرحة الفرجة التراثية، ولسنا أمام نمط مسرحياته الثانية التي تعيد مسرحة القصة والرواية، بل نحن أمام نمط ثالث من أسلوب الكتابة الدرامية عند عبد اللطيف فردوس.. إننا أمام شاكلة مونتاجه الشعري في مسرحية "رش للحياة"، نحن أمام ما يسميه المؤلف نفسه بـ "التركيب المسرحي"؛ تركيب يفيض بهذيان مفكر فيه، وحب في فضاء الموت.. أو قل (رقص على ذلك الجسر الواصل والفاصل بين حياة وحياة).. ذلك ما تثيره عتبة القراءة من صورة الغلاف.. رقص فوق تخطيط القلب الكهربائي بين حياة وحياة، قبل العبور إلى نسيج التركيب المسرحي "عبور" بأصواته وحوارياته وتصوراته وأسئلته، وبقلقه من الحياة الثانية وحيرته من الحياة الأولى:

يكتب (عبد اللطيف فردوس) في "إرهاصات الولادة": "يموت الإنسان تحت شتى أنواع المبررات حتى صار الحي بارعا في الموت." ويتساءل:

* "كيف يمكننا أن نتوهم بأننا نحسن صنعا بتقبل ثقافة من أجل حياة أخرى؟ 

* هل يمكن للحب أن ينبث في فضاء الموت؟ 

* كيف تم ربط الكتابة بالموت؟ 

ومع ذلك تظل فكرة أن الكتابة تولد تحت جلد الموت مدهشة.

فيجيب (عبد اللطيف فردوس): "نحن غرقى في الموت.. قوارب، ألغام، حوادث سير، حروب، اغتيالات وأوبئة، سواد... محمولة على رياح الصحراء الممتطي إبل الانحطاط المنبعث من خشخشة أكفاننا القديمة، الزارع في أرواحنا مذاق الرعب، الإرهاب منبع موتنا الذي تحجر."

ويضيف: "هذا القبر الفارغ الذي لا يعرف لمن حفر.. سألا حفار القبور: لمن هذا القبر؟ فأجابني: لا أعرف تحديدا، ولكني أرى شبح جنازة قادما من بعيد.. أتراني قد مت وأنا لا أعلم؟"

مسرحية "عبور" تركيب مسرحي اعتمد حوارية الأصوات، بتوظيف واقتباس "الأبواب المغلقة" لـ (جان بول سارتر) فضاء، و"رقصة الموت" لـ (فيكتور حاييم) بناء دراميا، وكتابات بـ "تيمة الموت" (لأدونيس)، و(شارل بودلير) و(الطاهر أمين)، (والطاهر بنجلون)، و(كارسيا ماركيز) و(بورخيس) و(المرنيسي) و(الخمار الكنوني)..

تركيب مسرحي من أشعار (محمود درويش) و(نزار قباني)، وأقوال الفيلسوف (مارتين هايدكر) ورسائل (جان بول سارتر) وومضات من "ملحمة جلجامش"، في نسيج حواري للمؤلف (عبد اللطيف فردوس) حول أسئلة الحياة ورهبة الموت ومطمح الخلود: 

هذا البحر لي

هذا الهواء الرطب لي

هذا الرصيف وما عليه

من خطاي وسائلي المنوي لي

ومحطة الباص القديمة لي. ولي

شبحي وصاحبه. وآنية النحاس

وآية الكرسي، والمفتاح لي

وقصاصة الورق التي

انتزعت من الإنجيل لي

والملح من أثر الدموع على

جدار البيت لي

واسمي

وإن أخطأت لفظ التابوت.. لي.

أما أنا وقد امتلأت

بكل أسباب الرحيل

فلست لي.

تلك أنفاس (محمود درويش)، ينشدها (الخادم) في السكرة السادسة من نشوة المؤلف (عبد اللطيف فردوس)، التي تقوده ليتساءل في السكرة ذاتها عن ماهية الحب، ليجد ضالته في قولة (هايديجر): "الحب والكره يشكلان المعرفة. الإنسان يحمل في داخله القدرة على النمو التي تضعه في علاقة مع الأشياء ومع الآخرين، ليكزن مفتوحا على العالم ويختار بنفسه ما يحب وما يكره."

لماذا نُحِبْ ولماذا نُحَبْ؟ يتساءل المؤلف (عبد اللطيف فردوس)، ليجد ضالته في بيان رسالة (سارتر إلى دي موفوار) في السكرة ذاتها: "من الخطأ أن نرى بأن الحب يتحقق حينما نحب؟ بل حينما يحبنا أحد، وعوض أن نسأل لماذا نُحِبْ؟ من الأجدى أن نسأل لماذا نُحَبْ؟ إن الحب وكيفما كان، يدفع نحو التصرفات الصائبة. فرحة الحب حين تتوفر، نشعر بأن وجودنا مبرر. أن يصير الإنسان محبوبا يعني أنه لم يعد منفصلا عن أساس العالم بل يصبح هو العالم نفسه."

ذلك كان الجواب، عن سؤال المسرحية الفلسفي الذي يطرحه المؤلف (عبد اللطيف فردوس) في السكرة الخامسة، في حوار يجمع بين الخادم والممثلة:

* الخادم: ما قولك في الموت؟

- الممثلة: أي موت؟

* الخادم: الموت واحدة، والإنسان أفضل المخلوقات لأنه الوحيد من يعرف بأنه سيموت.. يعلم بأنه فان.

تلك أسئلة رقصة العبور على الجسر الفـاصل والـواصل بين حياة وحياة، كما وسمناها في العنوان، وبين أسئلة الحياة الأولى وإشكالية الحياة الثانية، تطفو إلى السطح هواجس أخرى، فتتساءل الممثلة في السكرة ذاتها: 

  • الممثلة: أليست حياة ما بعد (الهنا) خالدة؟ لماذا تقول عنه بأنه فان؟ 

ذلك هو سؤال الإنسان الأول وقلقه الأخير، وتلك هي رغبة الإنسان، التي نسجها في ملحمة الخلود، فأيهما يحب أن يكون (جلجاميش) أم (أنكيدو العظيم)؟ تلك هي الملحمة التي يستحضرها المؤلف (عبد اللطيف فردوس) في السكرة الثامنة: "عبر نهر الفرات، سنرحل اليوم جميعا إلى أرض سومر، لنحكي عن جلجاميش.. الذي رأى كل شيء، وعرف كل شيء. كامل القوة، ما لهيئة جسمه من نظير. رفع الأسوار لأوروك المنيعة، مضى عبر جميع الصعاب، إنه القوي بضعفهم، على صوت الطبل يوقظ رعيته، ماض في مظالمه ليل نهار، لا يترك عروسا أو صفية لنبيل لينعم بحق الليلة الأولى. ضاقت نساء أوروك ببطشه وجبروته، وتوجهن بصلواتهن إلى أرورك... أنت يا أول معبودة للإنسان، أيتها الآلهة الأم، ربة الخلق والولادة، يا من خلقت جلجامش، قنا شره، ما نحن إلا نسوة تمقتن العنف وترفضن البطش... سمعت الإلهة أرورو النداء، غسلت يديها، أخذت قبضة من طين، رمتها في الفلاة، فخلقت أنكيدو العظيم."

بين حياة وحياة، هناك السكرات، فتبدأ المسرحية بتراتيل (شارل بودلير) حول الموت، (فتسقط الممثلة على الخشبة مغمى عليها)، وتنتهي المسرحية بإعادة تراتيل (شارل بودلير) حول الموت (فتسقط الممثلة على الخشبة مغمى عليها):

أيها الموت

أيها القبطان العجوز

فلترفع المرساة

أيها الموت فلتبحر..

فقلوبنا التي تعرفها

مليئة بالأشعة..

وهذه النار تحرق عقولنا

ما الفرق في أن نغوص في قاع الهاوية

أو الجحيم أو السماء؟

أيها الموت نراك في كل مكان دون أن نبحث عنك

ليس فقط حوارية النصوص في المسرحية أو تصورات المؤلف (عبد اللطيف فردوس) ما يميز كتابة هذا النص الشاعري والقلق، بل أيضا دور الاشارات الركحية التي تحدد البناء الدرامي وتحققه الركحي:

في السكرة الأولى – تشير الاشارات الركحية – تسقط الممثلة على الخشبة مغمى عليها، تنخفض الإضاءة تدريجيا على الخشبة، لترتفع في نفس الوقت، وبنفس التدرج على الفضاء الثاني، وهو عالم افتراضي، يبقى للمخرج حرية اختيار مكوناته التي تتلاءم مع فضاء غير دنيوي ويحيل على معبر إلى العالم الآخر.. إظلام.

وفي السكرة الأخيرة – تشير الاشارات الركحية – عودة إلى مشهد البداية حيث الممثلة في حالة إغماء، لنفهم بأن كل ما تقدم لم يحدث سوى في لا وعي الممثلة نتيجة الغيبوبة.. إظلام.

ورغم ذلك.. وبالرغم من تعدد السكرات واضطراب تخطيط القلب الكهربائي.. ذلك الذي يتجه إلى استقراره النهائي.. ينتصر (عبد اللطيف فردوس) للحياة وليس للموت. لذلك، تراه يبث في آخر توجيه من الاشارات الركحية: (ظلام تتعالى فيه أصوات تطلب من الممثلة عدم الاستسلام للغيبوبة والتمسك بالحياة).

وبذلك، يكون المبدع عبد اللطيف فردوس قد وظف – كما يشير أحمد بلخير في تقديمه – بطريقة إبداعية، لحظة الغيبوبة لبناء عالم درامي وابتكار متخيل درامي، لن يتم التعرف على أن الأمر – كما أشرنا سابقا – مجرد لعبة فنية وخروج عن النص، إلا في نهاية النص الدرامي بعد تدخل المخرج.. لعبة فنية كانت سببا في الجمع بين الأسطورة (زيوس – جلجامش)، والسؤال الفلسفي: "لماذا جهز الرب الجحيم للذين لا يحبونه!
-------------------------
بقلم: د. عبـدالمجيـد اهـرى *
* كاتب مسرحي وأكاديمي مغربي 

مقالات اخرى للكاتب





اعلان