مجلس الأمن والمجتمع الدولي مدعوان للإسراع اليوم قبل الغد إلى إقرار دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وحماية المسجد الأقصى الشريف من الانتهاكات التي يتعرض لها يوما بعد يوم
في أول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يقف فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر للحديث أمام جلسة نقاشية رفيعة المستوي في مجلس الأمن، قال إن الشعب الفلسطيني يكابد قسوة المحتل ، وعلي مجلس الأمن الإسراع في إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
وأضاف شيخ الأزهرفي جلسة بعنوان "أهمية قيم الأخوة الإنسانية في تعزيز السلام واستدامته": "أتحدث عن مقدساتي ومقدساتكم في فلسطين، وما يكابده الشعب الفلسطيني من غطرسة القوة، وقسوة المستبد، وآسى كثيرا لصمت المجتمع الدولي عن حقوق هذا الشعب الأبي، داعيا مجلس الأمن والمجتمع الدولي للإسراع اليوم قبل الغد إلى إقرار دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وحماية المسجد الأقصى الشريف من الانتهاكات التي يتعرض لها يوما بعد يوم".
ودعا شيخ الأزهر في كلمته لإطفاء الحروب العبثية التي اندلعت في العقود الأخيرة، ولازالت تندلع في منطقتنا وفي عالمنا حتى هذه اللحظة، كحرب العراق، وحرب أفغانستان وما خلفته من مآس وآلام وأحزان، طوال عشرين عاما، وما شهدته سوريا وليبيا واليمن، من تدمير لحضاراتهم العميقة، الضاربة بجذورها آلاف الأعوام في عمر التاريخ، وصراعات الأسلحة على أراضيهم، وفرار أبنائهم ونسائهم وأطفالهم، من هول حروب لا حول لهم فيهم ولا قوة.
كما حذر الإمام الأكبر من تفاقم أزمة الحرب الدائرة على الحدود الشرقية لأوروبا، وما تثيره من رعب، وتبعثه من خوف وقلق، من أن تعود هذه الحرب بالبشرية إلى ما قبل العصر الحجري، داعيا المجتمع الدولي إلى وقف فوري لهذه الكارثة وحماية الأبرياء من سفك الدماء وخراب المدن وتدمير القرى.
كما دعا شيخ الأزهر لضمان حقوق اللاجئين الهاربين من جحيم الحروب، في إنقاذهم واستضافتهم، مؤكدا أنها الحقوق التي ضمنتها لهم الشرائع والأديان الإلهية، أيا كان دينهم، أو حتى كانوا من اللادينيين، لافتا إلى ضرورة الاهتمام بقضايا الأسرة، وما تعانيه من مصادرة حقوق الطفل في التمتع بأحضان أمهاتهم اللائي ولدنهم، بالإضافة إلى ما تعانيه البيئة من خراب وعن التلوث وفيضانات البحار واشتعال الغابات.
وقال الإمام الأكبر إنه ليس من العدل، ولا من العلم في شيء ما يقال من أن الإسلام دين السيف ودين الحروب، موضحا أن التاريخ يشهد على أن الحرب في الإسلام حالة استثنائية، وضرورة من ضرورات الدفاع عن النفس وعن الأرض والعرض والشرف.
وشدد شيخ الأزهرعلى أن المسؤول الأول عن ظاهرة «الإرهاب» التي يبرأ منها الإسلام نفسه قبل غيره، هو سياسات الهيمنة العالمية، والفلسفات المادية، والمذاهب الاقتصادية المتنكرة لضوابط الأخلاق.
وأكد شيخ الأزهر الشريف، ورئيس مجلس حكماء المسلمين، أنه يتحدث من مصر واحة السلام وملتقى الأديان، وبلد الحضارة، و التاريخ و الأمن و الأمان.
وأضاف أنه سعيد بالدعوة العزيزة، من دولة الإمارات، كونها عضوًا ورئيسًا للدورة الحالية لـ مجلس الأمن، والتى جعلته يلقي كلمة بمجلس الأمن.
ولفت إلى أن الإمارات دولة عزيزة لا تدخر جهدًا في نشر السلام بين الناس، وأن الإمارات تعمل على نشر مبدأ الأخوة و التسامح و العيش المشترك.
وقدم التحية لـ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعد حديثه عن أهمية دور الأديان، وقيم الأخوة الإنسانية، فى تحقيق السلام العالمي.
وكشف أن الأزهر يعمل مع الكنائس والمؤسسات الدينية الأخرى على إحياء ثقافة الحوار والتعارف بين أتباع الأديان وترسيخ مبدأ التعايش السلمي، وأن الأزهر قدم مع بابا الفاتيكان فرنسيس الثاني من أبوظبي وثيقة الأخوة الإنسانية للسلام العالمي والعيش المشترك، حيث تم التأكيد على مبادئ الأخوة الإنسانية كأساس للسلم والأمن الدوليين.
كما أوضح أن القرآن الكريم يجرم أي ممارسة تجبر الناس على تغيير عقائدهم، متمنيًا السلام للجميع على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم أنه لا مكان لنظريات الصدام أو النزاع أو العرق في الإسلام.
ويشكل هذا الاجتماع فرصة تاريخية وفريدة لتسليط الضوء على الدور المهم والبارز الذي تضطلع به القيادات الدينية في ترسيخ قيم الأخوة الإنسانية ودورها في تعزيز السلام.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يستضيف فيها مجلس الأمن هذا النوع من المباحثات، التي تضم نخبة من صناع القرار والقادة السياسيين، وأكبر قائدين دينيين في العالم ممثلين في فضيلة الإمام الأكبر وقداسة البابا فرنسيس، اللذين وقعا للعالم وثيقة الأخوة الإنسانية التاريخية في عام ٢٠١٩، وتشاركان معا رحلة البحث عن السلام والعمل من أجل الإنسان.
وأكد الإمام الأكبر أن الأزمات التي تُخيِّم على إنسان العصر الحديث، هنا في الشرق، وتزحف الآن بقوَّة لتُضيق عليه الخناق في الغرب، ما كان لها أنْ تكون لو أنَّ حضارتنا الحديثة وثقافتنا المعاصرة لم تبالغ في التنكُّر للدِّين، ولم تلقِ به وبتعاليمِه وراء ظهرها، وأنَّها تعلَّمَتْ من هَدْي السَّماء حُرمةَ الدِّماء، وقيمة «العدل» ومحوريَّته في استقرار الأفراد والمجتمعات.
وأضاف أننا - نحن المؤمنين بالله - لا يسعنا إزاء هذه الأزمات إلَّا أن نواصل الدَّعوة إلى نشر السَّلام والمحبَّة بين الشُّعوب قَدْرَ المستطاع، وألَّا يتقاعسوا عن التصدِّي لخطاب الكراهية بين النَّاس، واستغلال الأديان والمذاهب في إشعال الحروب بين الشُّعُوب، وبث الخوف والرُّعب في قلوبِ الآمنين.
وتابع أن هذا ما سعى ويَسْعى إليه الأزهر الشَّريف، بالتَّعاون مع الكنيسة الكاثوليكيَّة والكنائس الغربيَّة والشرقيَّة والمؤسسات الدينية الأخرى، من أجلِ إحياء ثقافة الحوار والتَّعارُف بين أتباع الأديان، وترسيخ مبدأ السَّلام والتَّعايُش السلمي.
وأوضح فضيلته إلى أنَّ الأزهر الشَّريف يعمل بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين، والكنيسة الكاثوليكيَّة وكنيسة كانتربيري، وغيرها من المؤسَّسات الدِّينيَّة المختلفة، على تنظيم تجمُّع لقادة الأديان ورموزها للتشاور حول هذه الأزمات وتحديد المسؤوليَّة المشتركة في مواجهتها، وبخاصَّةٍ قَضيَّةُ التَّغيُّر المناخي وتزايد وتيرة الحروب والصِّراعات.