02 - 02 - 2023

وجهة نظري | رغم هرولة القادة .. مازالت الشعوب ترفض التطبيع

وجهة نظري | رغم هرولة القادة .. مازالت الشعوب ترفض التطبيع

بينما امتدت أيادى القادة العرب لمصافحة أيادى قادة الكيان الصهيوني الملطخة بالدماء أبت الشعوب العربية أن تمد أيديها ، رافضة بكل قوة أي شكل من أشكال التطبيع .. وبينما فتح الملوك العرب قصورهم لإستقبال الإسرائيليين أصرت الشعوب على رفع الشعارات الرافضة لهم المنددة بسياساتهم  العنصرية والمؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في الأرض والمقاومة والحياة.

تعددت أشكال الرفض وانتهزت الشعوب الواعية كل فرصة تسنح لها للتعبير عن تلك القناعة .. لم يكن ذلك الرفض مفاجئا ولا غريبا ولا غير متوقع ، فالعكس هو الصحيح .. فضمير الشعوب اليقظة دوما من الصعب خداعها أو إلهاؤها أو إجبارها على تبنى ما يرفضه ضميرها وقناعتها ويقينها.

آمنت تلك الشعوب بحق الشعب الفلسطيني في وطنه ، وأيقنت أن العدو الإسرائيلي لا يسعى أبدا للسلام ، وأن سياسته تستهدف دوما وأد القضية وسحق الشعب الفلسطيني وإبادته ، فلم تكف يوما عن جرائمها الوحشية في سرقة الأرض وطرد أصحابها وإحلال المستوطنين محلهم وتدنيس المقدسات وطمس الهوية وسرقة التراث ، فلم يسلم من جرائمها البشر ولا الحجر.

ورغم سياساتها العنصرية البغيضة ظلت آمنة من العقاب ، لم يجرؤ المجتمع الدولى على إدانتها ، فإستمرت فى ممارسة المزيد من الجرائم بدم بارد ، ويقين أنها طفلة الغرب المدللة البعيدة كل البعد عن الإدانة والشجب والعقاب.

حتى تلك الإدانة الروتينية الخجول التي يكتفي بها القادة العرب في محافلهم بعد كل جريمة إسرائيلية مروعة فقدت مابقى لها من قدر ضئيل من مصدأقية وتأثير ، بعدما امتدت أياديهم بالتطبيع مع الكيان الصهيوني.

هرولة هؤلاء القادة ربما أغرت الإسرائيليين وأوهمتهم بأن الطريق أصبح ممهدا تماما لهم في البلدان العربية وأن الشعوب ستفتح حتما أذرعها وتمتد أيديها لتصافحهم ، لكن العكس هو ماحدث ليصيبهم بالدهشة ويدفعهم كالعادة للشكوى وإدعاء المظلومية والتنديد بمعاداة السامية والكراهية التي تكنها الشعوب العربية لهم!

وكعادتهم أيضا لم يصارحوا أنفسهم عما وراء تلك الكراهية ولم يعترفوا بجرائمهم التي تعضد تلك الكراهية وترسخها في عقول وقلوب تلك الشعوب.

وأمام التجاهل والإنكار والتبجح المستفز كان من الطبيعى أن تتعالى أصوات الشعوب العربية بين الحين والآخر منددة بتلك الجرائم ، وأن يخرج علينا بين حين وآخر من يعلن رفض التطبيع ومناهضة الاحتلال الإسرائيلي وتأييد الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة.

أجمل تلك الأصوات هي التي خرجت من الشباب وأكثرها قوة وتاثيرا في نفوسنا تلك المواقف التي تبناها هؤلاء ، لأنهم ببساطة أكدوا لنا أن القضية الفلسطينية مازالت حاضرة في ضمير ووجدان الصغار ولم تجد كل محاولات غسل الأدمغة والإلهاء وطمس الحقائق في النيل من قناعة شباب الأوطان وأطفالها بأهمية وعدالة القضية الفلسطينية ومدى عنصرية ووحشية الكيان الصهيوني ، وأنه مازال وسيظل دوما عدوا لاتجدى معه معاهدات سلام ولا سياسات تطبيع .

تتزامن أصوات رفض التطبيع الشعبية مع ازدياد وتيرة عمليات المقاومة التي تصاعدت في الآونة الأخيرة وكأن لسان حالها يردد كلمات فؤاد حداد

غير الدم محدش صادق 

من أيام الوطن اللاجيء 

إلى يوم الوطن المنصور

لم يكن غريبا أن نبتهج بمواقف الشباب العربى الرافض للتطبيع ، وأن تزداد تلك المشاعر مع كل موقف رافض للتطبيع ، وللحق لم يبخل الشباب العربى طوال الفترة الماضية بتلك المواقف المشرفة التي تواترت بسرعة وخلال فترة وجيزة.

فمنذ أيام قليلة أثلجت صدورنا اللاعبة اللبنانية بيسان شرى بطلة كرة الطاولة والتي انسحبت من بطولة العالم تحت 11 عاما المقامة في البرتغال بعدما أوقعتها القرعة في مواجهة لاعبة إسرائيلية ، وقبلها بشهور قليلة انسحب اللاعب شربل أبو ضاهر من بطولة الفنون القتالية المختلطة والمقامة في أبو ظبى رفضا لمواجهة لاعب إسرائيلى .. ويعد أبو ضاهر اللاعب الثانى في تلك اللعبة الذى إنسحب من البطولة رفضا للتطبيع ، ففى عام 2021 انسحب اللاعب "عبد الله ميناتو" من بطولة العالم للفنون القتالية المقامة في بلغاريا بعدما وضعته القرعة أيضا في مواجهة لاعب من الكيان الصهيوني.

ورفضت لاعبة الشطرنج  اللبنانية سالي حمادة أيضا التطبيع وانسحبت من بطولة العالم المقامة في جورجيا بعدما أوقعتها القرعة أيضا مع لاعبة إسرائيلية.

رغم تأييد البعض لتلك المواقف الحماسية القومية النبيلة ، إلا أن البعض يرى أن الانسحاب من البطولة ليس بالأمر الصحيح وأن مواصلة التحدى والفوز هو الرد الأكثر أهمية وتأثيرا ، ويتناسى هؤلاء أن تلك النغمة التي يعزفون عليها تتماهى تماما مع مايصبو إليه العدو، فهو لايكف عن السعي لفرض نفسه ليصبح واقعا مقبولا بين البلدان العربية .. ومن المؤكد أنه نجح في تحقيق ذلك بين قادة تلك البلدان ، أما الشعوب فلا تزال قناعتها ترفض وجود إسرائيل وتعتبره جزءا دخيلا منبوذا ومرفوضا ، ليس معاداة للسامية كما تزعم وتروج وتتباكى ، لكنه عن يقين يدعمه واقع يشي بأن قضية الشعب الفلسطيني قضية وجود لاحدود.

الغريب أن يتفاجأ الإسرائيليون مع كل موقف شعبي عربى رافض للتطبيع ، وكأنهم صدقوا أوهامهم بأن الشعوب العربية كسرت حاجزها النفسى المزعوم وتقبلت بواقع الكيان بينها ..

ولم يخف المراسلون الإسرائيليون دهشتهم تلك وأعلنوها صراحة في رسائلهم أثناء تغطية مونديال كأس العالم المقام الآن في قطر ، بعدما أظهرت الجماهير العربية والإسلامية حقيقة مشاعرها المناهضة للكيان الصهيوني .

فكتب مراسل صحيفة "يديعوت أحرونوت "الإسرائيلية": عرفت في قطر مدى كراهية العرب لإسرائيل وأنهم يريدون محونا من على وجه الأرض وإلى أي مدى يثير مايتعلق بإسرائيل حقدا شديدا في نفوسهم ، سنغادر قطر بشعور سيئ جدا "الفلسطينيون ، القطريون ، المغاربة ، المصريون ، الأردنيون ، السوريون ، اللبنانيون ينظرون إلينا في الشارع نظرات كره ، فقررنا تعريف أنفسنا بأننا صحفيون من الإكوادور.

رفض مشجعو كرة القدم من العرب والمسلمين إجراء مقابلات صحفية مع مراسلين إسرائيليين ولم يكتفوا بالرفض بل تابعوه بعبارات: لا يوجد شيء اسمه إسرائيل ، ورفعوا شعارات تضامن مع الشعب الفلسطيني ومناهضة لإسرائيل.

ورصد مقال بصحيفة "إسرائيل هيوم" الرفض العربى للتطبيع بتلك الكلمات: "لايحبوننا ولايريدوننا أيضا . إن المونديال في قطر وضعنا أمام واقع وحقيقة مؤلمة جدا للإسرائيليين ، شاهدنا للمرة الأولى تجربة الرفض والتجاهل والكراهية والازدراء وعدم قبول الإسرائيليين.

بينما فوجئ مراسل القناة 13 الإسرائيلية بتظاهرة إحتجاجية مناهضة للتطبيع ومساندة للشعب الفلسطيني أثناء بثه المباشر لتغطية فعاليات المونديال.

ردود الفعل العربية دفعت السلطات الإسرائيلية لتوصية مراسليها بعدم إظهار علامات تدل على هويتهم وعدم التحدث بالعبرية ولم يفتها بالطبع الاحتجاج لدولة قطر والفيفا .

ربما يرى البعض أن موقف المشجعين العرب في المونديال ورفضهم للتطبيع أضر أكثر مما أفاد القضية ، لكن السؤال هنا ماذا كسبت القضية خلال عقود من التطبيع؟؟ هل توقفت آلة الحرب الإسرائيلية؟ هل توقفت جرائمها الوحشية ضد البشر والحجر؟ هل أعادت الأرض لاصحابها؟ هل اعترف العالم بالدولة الفلسطينية وسيادتها ومقدسات الشعوب العربية والإسلامية؟

لم تقدم إسرائيل طوال عقود ما يثبت نيتها في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني ولا تتوقف عن جرائمها الوحشية أمام سمع وبصر العالم ولا تتوقف أيضا عن ادعاءاتها المزعومة بالإضطهاد والنبذ والرفض والإزدراء والإستهزاء من العرب ، تماما مثلما تفعل كل امرأة غير شريفة في محاولة طمس حقيقتها.
-----------------------------
بقلم: هالة فؤاد

مقالات اخرى للكاتب

وجهة نظري| الحل هو الحبل
اعلان