30 - 09 - 2022

ترنيمة عشق | "اِمشي جنب الحيط يا حورية"

ترنيمة عشق |

لم تكن سنون الجامعة لجيلي عادية، بل كانت حُبلى بعظائم الأمور، وكانت الحياة السّياسية والثّقافية تموج بحراك خصيب ولافت.

كان توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" وزيارة الرئيس الرّاحل "السّادات" للقدس، ثم مقتله في ذكرى انتصار حرب أكتوبر، وكذلك مقتل "الشّيخ الذّهبي"، وأحداث الأمن المركزي، وقضية اللائحة الطلابية للجامعة... وغيرها؛ وما تلاها من سنوات قد ألقت بظلال شكّلت تيارات الوعي السّياسي بين طلاب الجامعات التي كانت افرازًا طبيعيًّا ومولودًا شرعيًّا للمرحلة.

في الجامعة رأينا الطّلاب "اليساريين" - الشّيوعيين لو صح التّعبير - وحزب "التّجمع" يدلي بأفكاره وتوجهاته لاستقطاب الشّباب، وتبارَى شباب "الجماعات الإسلامية" في تقديم رؤاهم وأطروحاتهم وخطبهم وندواتهم، وذات الأمر فعله "النّاصريون" بحماسهم المعهود وأفكارهم المعروفة... وغيرها من التّيارات؛ إضافة لغالبية عظمى من الطّلاب الذين كانوا "يتسكّعون" بين كل تلك الموائد أو التّوجهات؛ يحضرون ندوة لذلك التّيار وفاعلية لتيار آخر... دون أن يهتموا بالانضمام لهذا أو ذاك... ولكن المحصلة النّهائية حالة من الوعي الشديد تملكتْ العقول آنئذ.

رغم اختلاف أفكار التّيارات داخل الحرم الجامعي؛ إلا أن قضية "فلسطين" كانت المظلة الجامعة ينضوي تحتها الكل؛ المانعة لأي خلاف أو اختلاف، والبوتقة التي تهصر مشاعرنا وعقولنا وحماسنا... لتغصّ ساحات الكليات بالنّدوات والفاعليات لتوعية الطّلاب بالقضية مذ جذورها وإلى ما آلت عليه.

كان الطّلاب بحماسهم المعهود يُشكّلون جماعات صغيرة ؛ يشرحون – للجُدد - قضية "فلسطين"؛ ويعلقون مجلات الحائط المُترعة بالمقالات ورسومات "ناجي العلي" الكاريكاتورية و"حنظلة"، وهم يرتدون "الكوفية" الفلسطينية المميزة، وصوت "فيروز" يهدر ويهدّد ويدوي ويتوعد بالغضب السّاطع الأتي، وبأن القدس لنا... والأرض لنا... ولم يكد النّشاط الطّلابي ينتهي إلا وتندلع المظاهرات تجوب أرجاء الجامعة مُندّدة بالكيان وأعوانه، هاتفةً بفتح باب "الجهاد".

ذات فاعلية "فلسطينية" متأججة وكنتُ مشاركة فيها كعادتي... اقترب مني أحد أساتذتي بكلية الإعلام - كان ما يزال معيدًا - وهمس لي قائلًا: "اِمشي جنب الحيط يا حورية لو كنتي عاوزة تعيشي" ؛ أصبتُ بالذّهول وهالتني النّصيحة، وأسررتُ في نفسي عتابًا لأستاذي ؛ وإن كنت قد التمست له أعذارًا ؛ ربما كان واحدها أنه ضربًا من اليأس ذلك الذي دفع أستاذي لقيلته تلك.

مرت السّنون ولم تستجب "حورية" لنصيحة الأستاذ ، وكتبتْ عشرات المقالات والقصص القصيرة جلها كانت قضيتها الوعي ؛ وزرع الأمل بأنّا عائدون وصامدون وبأن فلسطين كرامتنا وعزتنا... بل وعارنا الذي اعترشناه مذ تهاونّا وفرطنا.

ولكن وقفة بسيطة مع النّفس جعلتني أدرك أن النّصيحة - التي لم آخذ بها - طارت "ذات غفلة" لمسامع الأمة العربية والإسلامية ، وبات منّا الصّم البُكم العُمي والذين لا يفقهون ، وغلّقت الأبواب دون استرداد الكرامة والعرض والشّرف ، ووضعت على القلوب أقفالها ، فبات العرب يتَّحِدون - ولأول مرة - أمام الشّاشات يرون الدّم الفلسطيني المقدس ينسال على الأرض المقدسة ، والدّموع تُراق، والأنفس ترتقي لبارئها دون أن يرجف "للمشاهدين" جفن.

أستاذي العزيز .. ها هُم العرب لم يمشوا بجوار الحائط - كما نصحتني - بل داخل الحائط عينه !!! فعُميت أبصارهم؛ وقست قلوبهم؛ وتخلوا عن كرامتهم وعزهم ومجدهم أمام عدو - يضمر بغضاء أبدية بشهادة خالقنا سبحانه - ما جاء إلا ليدمر بلادهم ويعيث فيها فسادًا، وينهش خيراته... فهل يدركون أن ضياع "فلسطين" يعني ضياع الأمة، وأن مفتاح استرداد العرب لكرامتهم هو اجتماعهم لاسترداد الأرض السّليبة ؟

وإذا كانت هناك أمم تجمعها المصالح الاقتصادية ؛ وأخرى تجمعها العداوة والبغضاء لبلد أو قومية أو عرق معين فتلتقي لقتاله .. إلا أن العربي والمسلم لا تجمعه غير العقيدة ؛ بل ولا يصلح لجمعه إلاها كما قال الشّيخ "محمد الغزالي" رحمه الله .. ولذلك يحاول أعداؤنا هدم عقيدتنا وتشويهها لأنها الحافز الأول والأهم والمعوَّل عليه لاسترداد فلسطيننا.

   وإذا لم ننتبه لما يُراد لنا وبنا كأمة عربية إسلامية فحقيقٌ عليّ القول: واحزناه على عُمْرٍ بدأتُه بالدّفاع عن القضية ، لتمر العقود تترى، وجدار العمر يكاد ينقضّ والقضية لا أقول في المربع "صفر" بل مربع ما قبل الصّفر ذاته... بيدِ أمة سقيمة كفرتْ بأنعمها وآمنت بعدوها !!!
-------------------------
بقلم: حورية عبيدة

مقالات اخرى للكاتب

ترنيمة عشق | (الأوّاهة... أم المساكين)
اعلان