19 - 08 - 2022

بمناسبة زيارة أمير قطر .. ليس للصحفي إلا المهنية

بمناسبة زيارة أمير قطر .. ليس للصحفي إلا المهنية

بمناسبة زيارة أمير قطر إلى القاهرة يوم 24 يونيو 2022 ، تذكرت واقعة لو افصحت بها من قبل لاستجلبت لي الهجوم والاساءات، وربما العقاب. وعلى الأقل كان زملائي الأعزاء في الصحافة داخل مصر وخارجها سيقولون لي :" أنت خالف تعرف .. اتفضل ادفع ثمن حماقاتك".

 وملخص الواقعة هو أنني عندما كنت مراسلا "للأهرام" في تونس تلقيت مراسلة على بريدي الإلكتروني من مركز الجريدة تطلب على وجه السرعة تحليلا لما وصفته بـ"الدور السيء" لقطر في تونس لينشر ضمن ملف يجرى الإعداد له عما وصف أيضا بـ " الدور التخريبي" لقطر في أفريقيا. 

 وبمراجعة بريدي الإلكتروتي يتضح أن الرسالة جاءتني بعد ظهر يوم الجمعة 25 أغسطس 2017. و كان بإمكاني أن ألبى الطلب و "أجارى" المطلوب وبسهولة. فهكذا مادة من مصادر تونسية على شبكة الإنترنت متوافرة ولا تحتاج إلى عناء في البحث. بل يمكن القول بأنها بالنسبة لي كمراسل متابع للشئون التونسية "معروفة ومحفوظة". كما أن مصادرها حاضرة متاحة بين شخصيات سياسية وإعلامية أعرفها ويشار لها بالبنان في هذا السياق. وبالطبع كانت سترحب أن تتحدث إلى "الأهرام".  لكنني كنت أدرك وفق متابعتي الدقيقة أن ماينشر ويقال في هذا السياق بتونس وخارجها مازال يقع في دوائر " الشبهات" و" البروباجاندا"، التي لم يقم عليها دليل موثوق أو حكم قضائي حاسم قاطع بعد .  

 وفي اليوم التالي مباشرة 26 أغسطس 2017 بعثت باعتذار  إلى مركز الجريدة ردا على من أرسل . بالطبع لم أنزلق إلى ما لا يعنيني وأبدى رأيا في الملف برمته، أو في حقيقة "الدور التخريبي لقطر بأفريقيا"، أو رأيي في طبيعة الخلافات الرسمية بين الحكام والحكومات في عالمنا العربي. لكنني كنت حاسما واضحا عندما قلت ان الزج بتونس في هذا الملف سيكون نقطة ضعف به، ويسيء "للأهرام"، ولأنه سيعرضها للتكذيب بدون ان يكون في يدها دليل قوي للرد. كما سيضع الجريدة في موضع الاتهام بالسعي لإفساد علاقات تونس الطبية مع قطر وخصوصا الاقتصادية ، واستنادا إلى شائعات ومعلومات لايمكن تأكيدها أو توثيقها. 

 وقد تبينت لاحقا أن حملة بدأت في إعلام خليجي يمتد من الإمارات إلى السعودية نحو هذا الهدف سواء في فضائيات تلفزيونية أو صحف كبرى،  فحمدت الله أني حافظت على جريدتي وعلى سمعة مراسل "الأهرام" من التوظيف في هذه الحملة المنسقة الدعائية، و التي شملت تونس. 

 ولأن " الشيء بالشيء يذكر" أو لعله ماهو أبعد وأكثر فائدة ومغزى. فقد استدعت ذاكرتي اليوم واقعة أخرى تتعلق بقطر والعبد لله الذي كنته صحفيا شابا خلال ثمانينيات القرن الماضي. فقد فوجئت بأن طلب منى زميل يدرس معي في معهد النقد الفني وكان يعمل مع السفارة القطرية بالقاهرة زيارة السفارة. وهذا بعدما نشرت في صفحة الحوار القومي بـ"الأهرام"  تحليلا ينتقد لجوء السلطات في قطر لشن هجوم عسكري مفاجيء على جزيرة "فيشت الديبل" في سياق نزاعها مع البحرين أبريل 1986. ولقد أوضح الزميل حينها لي بأن المسئولين بالسفارة يريدون مناقشتي فيما كتبت، وتوضيح بعض الأمور.

 وببساطة اعتذرت أيضا ، وأبلغته بأن السفارة يمكنها أن تصحح ما تراه معلومة خاطئة تم نشرها أو تجادل رأيا تختلف بشأنه من خلال رسالة تبعث بها إلى رئيس تحرير الجريدة، وبالتحديد إلى مسئول "الحوار القومي" الأستاذ لطفي الخولي لما تتمتع به الصفحة من استقلالية داخل "الأهرام".  وأبلغت المرحوم لطفي بما جرى. وما أعلمه أن السفارة أو أي جهة قطرية لم تبعث برسالة لا لرئيس تحرير "الأهرام" الاستاذ إبراهيم نافع رحمه الله، أو إلى صفحة الحوار القومي ، لتجد طريقها للنشر على صفحات الجريدة.

وما أود هنا أن أؤكد عليه أن الصحفي ليس ورقة "كلينكس" تتمخط فيها السلطة وأهلها ثم يلقون بها في سلة المهملات . ولا يجب حتى أن يقبل على نفسه ومهنته أن يكون منديل قماش من قطن أو حرير تفعل فيه السلطة وأهلها نفس الفعلة، وتحتفظ به في جيبها لتعيد الكرة كلما أحبت . فقط على الصحفي أن يحترم مهنته ونفسه ووسيلته الإعلامية . وكل هذا لا يمكن إلا أن يتأسس على وعي تام باستقلاليته وطبيعة الصحافة وموقعها المستقل والناقد لكل السلطات . وأخيرا الإخلاص للقراء والجمهور أولا وقبل أي شئ آخر.
----------------------- 
بقلم: كارم يحيى

مقالات اخرى للكاتب

اعلان