27 - 11 - 2022

عاصفة بوح | هل تعلمنا الدرس؟

عاصفة بوح | هل تعلمنا الدرس؟

اذا لم تعلمنا الأزمات والمحن، إذا لم تعلمنا تجاربنا وتجارب الآخرين ، فإننا نستحق مصائرالحمقى الذين تكشفهم تلك الأزمات ، والتاريخ ملىء بهم ، فضيحة ودرسا وعبرة !

فقد حدثت أزمة كورونا ، وتوقفت إلى حد ما التجارة العالمية ليكتفى كل شعب بإنتاجه , خاصة الزراعى لنفسه ووقع الآخرون فى حيص بيص وبدأوا فى تغيير وتحديد أولوياتهم ، ليصير الاكتفاء الذاتى هو خطة الطوارىء الأولى .. فالجوع كافر والاحتياج للغذاء يضع أمنك القومى فى خطر لتقبل ما لا يجب قبوله .. وبعدها تاتى الاحتياجات المعيشية الكبرى !

لم يتوقف الأمر عند الكورونا ، فجاءت الحرب الروسية الأوكرانية ، لتضعنا فى المربع الأول ، فهاهيأكبر مصدر للقمح إلينا يتوقف حالها ، وتعانى معنا كثير من دول العالم.. الجميع وجدوا أنفسهم فى مشكلة كبيرة أمام شعوبهم ، وبدأوا البحث عن البدائل في أزمة ستطول رغم أنف العقلاء ، فالمصالح تتقاطع والحرب بالوكالة حاضرة فى الأزمة الروسية الأوكرانية ، والعند يورث الكفر حتى في العلاقات الدولية.

إذن ، هناك أزمة عالمية واحتياجات يصعب توفيرها وتضخم يضرب مصالح الفقراء فى مقتل وارتفاع أسعار طال الجميع وتحضرنى مقولة الرئيس عبد الناصر "من لاينتج قوته يفقد حريته" حتى لو كانت دولة مستقلة وذات سيادة وأثبتت الأيام صدقها.  

وفى موضوع القمح وزراعته لنا أحاديث طويلة، فالقمح أمن قومى .. وقد قالها الأديب الكبير يوسف إدريس فى مقالاته بالأهرام ، التى اتجه إليها عندما ألحت عليه أزمات مصر بحيث اضطر إلى المباشرة لتوصيل أفكاره ومحاذيره لايوفرها الأدب فى ظل الخطر الداهم ، خاصة عندما انتشرت آراء فى أيام مبارك أن زراعة القمح تتكلف أكثر من سعر استيراده ، ومن ثم اتجهوا إليها رغم خطورتها، بسبب الكسل والتراخى  عن مواجهة المشاكل الكبرى التى كانت سمة عصره ، وقتها صرخ فعليا أديبنا الكبير قائلا: "إن الدول الكبرى المصدرة للقمح لنا ، ترسل سفنها شهريا على قدر الاحتياج حتى تظل أعناقنا تحت سيطرتها ، فإذا خالفناها فى رأي أو موقف منعت عنا القمح لتجوعنا وتؤدبنا" فكيف لم يدرك النظام وقتها تلك الخطورة؟  بل إننى أتذكر فى سنواتى الأولى بالصحافة أني تلقيت رسالة من الصعيد كتبها شخص غيور على بلده يعمل فى مركز بحوث ، وينبه فيها أن رسائل الدكتواره وأبحاث زراعة القمح فى الصحراء قد منعت بناء على أوامر خفية، وتساءل كيف؟؟ وعددنا يتضاعف والرقعة الزراعية محدودة ولابد من إيجاد حل لزراعة القمح فى مناطق الجفاف والصحراء ، وهو حل لجأت إليه السعودية بعدها بسنوات طويلة .. فكيف لم ننتبه للخطة المرسومة لنا أن نظل دائما فى احتياج لأعدائنا أو منافسينا؟ .. بل إن المزارعين ظلوا لسنوات عديدة يشكون من بخس ثمن توريد القمح للدولة ، والتى تنبهت لها مؤخرا وعالجت الموضوع ، ولكن آثار الماضى المتكاسل فى حل مشكلة احتياجنا الفعلى لزراعة القمح ، جعل الأزمة تتضخم بحيث وجدنا أنفسنا مثلنا مثل الآخرين فى مشكلة حقيقية ، حيث أن روسيا وأوكرانيا هما سلة العالم فيما يخص القمح ، وهاهى الهند تتربع في صدارة المشهد وتلجأ إليها الدول وهى فى موقف قوة ، مطمئنة على غذاء شعبها وحرة فى تحديد سعره ، وتذكرت كيف كانت الهند واحدة من حلفائنا فى مجموعة عدم الانحياز، ليظل المجال أمامنا مفتوحا في تحديد مصالحنا واحتياجنا.. وفي وقت الأزمات.يفضل الحلفاء وأصحاب المصالح المشتركة.. فهم أولى بالمعروف ، فالسياسة حاضرة بقوة فى أزمة القمح العالمية. 

أوروبا نفسها وجدت نفسها فى مشكلة قمح وغاز أيضا ، فالشتاء ليس ببعيد ، لذا بدأت تبحث عن مصادر أخرى وكله بثمنه ، أموالا ومواقف وتنازلات ، والأزمة الاقتصادية العالمية تلقى بظلالها على الجميع  والكل يعيد حساباته وأولوياته ويبحث ضرورة الاعتماد على النفس بقدر المستطاع ، والأمن القومى ليس سلاحا وجيوشا فقط ، إنما إنتاج وتصدير وصناعة محلية تغنيك عن سؤال اللئيم ، فكفانا بيعا ولننقذ ما يمكن إنقاذه ونعيد لشعار صنع فى مصر توهجه ، ولنقلل الاعتماد على الاستيراد خاصة الكماليات منها .. فالكل فى مأزق ولسنا استثناء ، والحمد لله أن الدولة تنبهت لهذا مؤخرا وبدأت تعيد الحسابات فى سياستها الاقتصادية ، وبدأت تعيد للقطاع الخاص دوره وأتمنى أن تعيد للقطاع العام دوره ، خاصة فى الصناعات الاستراتيجية  التى لابد أن تظل فى قبضة الدولة ، فلا نستيقظ - حاشا لله – على وضع يجعلنا نرى عودة سيطرة رأس المال على الحكم والرضوخ له لتأمين معيشة الشعب ، لا أتصور أن الدولة ستسمح بذلكوفى وقت الأزمات نحتاج لآراء ومساهمات الجميع ، وهاهو الحوار السياسى  يفتج المجال للجميع لإنقاذ مصر من الأزمة العالمية. 

وهاهي أول إنتاجية للقمح من المساحة المستحدثة تورد ، وربنا يزيد و يبارك ، ويا ليتنا نطلق دعوة قومية  لفتح المجال للبحوث والدراسات ، لزيادة إنتاجنا من القمح في الرقعة الصحراوية ، فهذا أوانها ، فهل تعلمنا الدرس؟ أتمنى !    
----------------------------
بقلم: وفاء الشيشيني
من المشهد الأسبوعية

مقالات اخرى للكاتب

عاصفة بوح | الشذوذ يقتحم حياتنا
اعلان