30 - 06 - 2022

تعليمنا اليوم أو الكارثة التى نحياها.. والطريق إلى المستقبل ( 1 من 2) مقال: د. كمال مغيث

تعليمنا اليوم أو الكارثة التى نحياها.. والطريق إلى المستقبل ( 1 من 2) مقال: د. كمال مغيث

* كان واضحا منذ الوهلة الأولى للإعلان عن منظومة تطوير التعليم أننا بصدد الترويج لوهم كبير
* الهدف من غياب رؤية واضحة ومكتوبة لمنظومة التعليم المزعومة أنه لايمكن كتابتها في وثيقة رسمية

أولا: الكارثة:

مقدمة:

يشهد التعليم منذ نحو أربع سنوات، وخاصة منذ أن تولى الدكتور طارق شوقى مسؤوليته فى فبراير 2017، تغيرات جذرية كبرى لم يشهدها من قبل، فقد تولى طارق شوقى رئاسة اللجنة الاستشارية للتعليم والتابعة لرئاسة الجمهورية، ورغم ان تلك اللجنة قد ضمت بعض الكفاءات الوطنية كالدكتور محمد غنيم والدكتورة هدى الصدة، لم يؤثر عنها إجراء بحوث أو مسوح تتناول مشكلات حقيقية، يعرفها المواطن فضلا عن المهتمين والمتخصصين فى التعليم، وكل ما أوثر عنه الحديث عن أن التعليم يعانى مشكلات مستعصية يصعب حلها، وأنه لابد من التفكير فى حلول غير تقليدية للمشكلات التقليدية.

وبمجرد تولى الدكتور طارق شوقي لمسؤوليته وزيرا للتعليم، راح يقدم للناس الطاقم الذى سيعاونه فى إدارة ملفات التعليم وكلهم من خارج الوزارة، وكأنه يستعد لإدارة جمعية أهلية، وليس وزارة عريقة وجدت بالمعنى الحديث سنة 1837، وراحت تصريحاته المثيرة تنتشر عبر الصحف وصفحات التواصل الاجتماعى، فهو يعلن أنه ضد مجانية التعليم، ويعلن صراحة ان التعليم خدمة ينبغى ان يدفع الناس ثمنها وتكلفتها، ويقول بالنص السوقى: "اللي مامعهوش مايلزموش"، ومع مطالبات المعلمين بزيادة مرتباتهم والتى أصبحت أفقر مرتبات لمعلمين على سطح الأرض، يقول فى حواره مع صحيفة اخبار اليوم: إن نصف المعلمين "حرامية" ونصفهم الآخر غير أكفاء، ولما أثارت التصريحات غضب المعلمين واشتعلت بسببها وسائل التواصل الاجتماعى، اعلن الوزير أن التصريحات مغلوطة وانها انتزعت من سياقها، ولم تتوقف المعركة إلا بعد أن هدد الاستاذ رفعت فياض، الذى أجرى الحوار مع الوزير، بأنه إذا لم يتوقف الوزير عن تكذيبه فإنه سوف ينشر مالم ينشره بعد من النص الكامل للتصريحات، وليتحمل الوزير كل مايترتب على ذلك من النتائج، فصمت الوزير، ومع مظاهرات لأولياء الأمور يهدد الوزير بسجنهم تبعا للقانون الذى يسجن المتظاهرين بدون إذن.

وكان أول نشاط تعلن عنه الوزارة فى عهد وزيرها الجديد هو تعاقدها مع البنك الدولي فى برنامج لتدريب وتطوير معلمى رياض الأطفال وبعض برامج تلك الرياض بمبلغ خمسمائة مليون دولار أمريكى، وهو مبلغ يزيد وقتها عن تسعة مليارات جنيه مصرى، وبات من الواضح أن الوزير لن يسعى للتفاعل مع المفردات التقليدية العتيقة للوزارة ولا ميزانيتها والتى ينفق مايزيد على 85 % منها على الباب الاول للميزانية، أي أجور تافهة ومتواضعة للمعلمين، وانما سيسعى لجلب تمويل خاص وأجنبى غالبا وبعيدا عن المصادر المحلية، لإنفاقه فى إطار أـنشطة الوزارة.

وبعد أن انقشع غبار المعارك التى أثارها الوزير، راح يعلن عن خطته لتطوير التعليم عبر الاستخدام الموسع لوسائل التكنولوجيا الحديثة، وتأسيس منصات اليكترونية والتعاقد مع مؤسسة ديسكفرى لاستخدام ما تمتلكه من أفلام ووثائق ومواد تعليمية حديثة لتصبح جزءا من مناهجنا التعليمية، مطلقا عليها منظومة تطوير التعليم " تعليم 2" – هذا على اعتبار ان التعليم الحديث منذ عهد محمد على باشا (1805 – 1848) حتى زمن الوزير يطلق عليه كله "تعليم 1"، ومن أهم أجزاء تلك المنظومة توزيع نحو مليون "تابلت" أو لوح إليكترونى على طلاب الصف الأول الثانوى، على أن يكون ذلك التابلت هو محور العملية التعليمية ومحور العلاقة بين التلميذ والمعلم، وعن طريقه يتصل التلميذ ببنك المعرفة وغيرها من وسائط التعليم ويلغى طباعة الكتب المقررة ورقيا ويكتفى بوجودها اليكترونيا على موقع الوزارة.

مع البدء بتطوير المقررات الدراسية للصفوف الابتدائية عاما بعد عام، وصلنا الان لتطوير مقررات الصف الرابع الابتدائي التى تثير جدلا واسعا هذه الأيام، ومن الجدير بالذكر هنا ان تلك المنظومة التى راح الوزير يروج لها ترويجا كبيرا عبر صفحته على الفيس بوك وتصريحاته الصحفية ومكالماته التليفونية مع مذيعى القنوات التى تهيمن عليها الحكومة المصرية، وقد وصلت مبالغته فى تقدير نجاح تلك المنظومة انها سترتفع بمصر فى وقت قياسي فى تقارير جودة التعليم كتقرير "منتدى ديفوس" والذى تاتي مصر فى المراتب الخمسة الاخيرة فيه من ضمن نحو 140 دولة، كما راح الوزير يؤكد أن كثيرا من دول العالم المتقدم والتى تمتلك نظما تعليمية مميزة، تسعى لاقتباس منظومتنا والاستفادة بها فى تطوير نظامها التعليمى، كل هذا دون ان يؤكد كلامه بدليل واحد.

وقد كان واضحا منذ الوهلة الأولى للإعلان عن تلك المنظومة أننا بصدد الترويج لوهم كبير لا يمت للمنظومات وعالمها بأى صلة، للأسباب التالية:

أولا: ليس لدينا ولا لدي ولا لدى البرلمان ولا الإعلام خطة تطوير، أو مسودة خطة تطوير مكونة من صفحتين تلاتة  عشرة عشرين، تحدد: هدف التطوير وفلسفته وآلياته ومواردة البشرية والمالية وإطاره القانونى وغيرها – كما تقتضى بديهيات البديهيات – وكل ما لدينا تصريحات صحفية وتليفزيونية يدلى بها الوزير هنا وهناك ومنها "ستيتس" sentence يكتبها الوزير على صفحة الفيس بوك الخاص به.. هل ممكن أن نتصور أن تدار أكبر وزارة فى المنطقة – وربما فى العالم- أقصد وزارة التعليم التى تظل اثنين وعشرين مليونا من البشر، مابين طلاب ومعلمين وإداريين، من خلال جمل متفرقة تكتب على صفحات وظيفتها أصلا معابثة الأصدقاء وكتابة خواطر سريعة أو مناسبات اجتماعية، وكنت باعتبارى خبيرا فى قضايا التعليم يتصل بى الأبناء الصحفيون ليسألوننى مثلا: ما رأيك فى منظومة التعليم؟، فكنت أسألهم بدورى: وهل رأيتم أنتم تلك المنظومة فى مكان هنا او هناك لتسألونى عنها؟، وكثيرا ما كان هؤلاء الصحفيون يسألوننى عن مغزى بعض عبارات الوزير فى مؤتمره الصحفى الذى حضروه، فكنت أسألهم اذا كنتم قد حضرتم المؤتمر مع الوزير لماذا لم ترفعوا أيديكم وتسألوا ما تسألونى فيه الآن؟  فكانوا يردون: هى تعليمات تلقى إلينا عند دخولنا للقاعة، حيث يقال لنا بصراحة: أنتم هنا لتغطية المؤتمر والكتابة عنه، لا لتسألوا أو تناقشوا شيئا!.

 ثانيا: وهو يتعلق بما سبق، لماذا يصبح الوزير هو وحده" الوحيد الأوحد" الذى يتحدث عن "المنظومة"؟ وهل أصبح بين عشية وضحاها رجل فلسفة وتربية ومناهج وتقويم وتمويل وقانون ومبان مدرسية ووصلات كهربية وأنشطة ومقررات مدرسية: عربي وانجليزي وفرنساوى ودين وتاريخ وجغرافيا وعلوم وهندسة الخ الخ؟ وأين هم مساعدوه المتخصصون فى تلك الشؤون؟ ولماذا عندما يسألوه من أقر معه تلك الخطة يذكر مراكز بحثية دولية لا نعلم عنها شيئا.

 ثالثا: قيل فى تقديم المنظومة ان امتحان الثانوية العامة سيعتمد فكرة  الثانوية التراكمية، وفى الحقيقة فلا يمكن ان تصبح الثانوية تراكمية إذ لم يتم تجهيز المعلمين وتدريبهم عليها، ولا تغيير المواد الدراسية، ولا طرق التدريس ولا نظام التقويم والامتحانات، وكل ماهو مطروح مضاعفة مرات الامتحان إلى اثنتا عشر امتحانا يحتسب منها ستة امتحانات، وتجمع كمجموع كلى للشهادة الثانوية، سنوات الدراسة الثلاث، وهو ماسوف يحيل حياة الأسر التى لديها أولاد فى الثانوى إلى جحيم، وما يؤكد مارجعنا اليه ان الثانوية العامة حتى اليوم هى امتحان السنة الواحدة.

 رابعا: إذا كنا بصدد مشروع وطنى لتطوير التعليم "بحق وحقيق"، أو لم يكن المطلوب والبديهى أخذ الناس والمعلمين بالهداوة" والشرح " والتوضيح والتحليل، لضمان نجاح المشروع واستمراره ، وهو ما يجعلنا نتساءل: ما سر هذه الغطرسة وهذا الجبروت ولغة التحدي فى مواجهة الشركاء من الناس والمعلمين والنواب، إلا إذا كان المقصود أن يسير المشروع إلى وجهة أخرى

ومع طرح فكرة توزيع التابلت وبدء الخطوات التنفيذية كان من الطبيعى ان نتساءل:

 ماهى الجهة والشركة والدولة التى ستصنع التابلت ونستورده منها؟، وماهى الشركات التى ستبيع، وماهى القوانين التى تحكم حركة البيع والشراء من مناقصات وممارسات، وماهى المبررات التى تجعلنا نختار هذا النوع من التابلت دون غيره من أنواع؟ 

وما هى تلك اللجان التى تدرس وتقرر وترسى عطاءات، من هم أعضاؤها وماهى وظائفهم وهل هم من موظفى وزارة التعليم ام من خارجها، وماهى المبالغ المدفوعة فى مثل تلك الصفقات وماهو مصدرها ديون ام من موازنة التعليم أم من أي مصدر آخر؟

- ومع البدء فى تطبيق تجربة التابلت كان من المنطقى أن نعلم عدد المعلمين الذين يجيدون مهارات التابلت فنيا وبحثيا إجادة كاملة، وعدد من يجيدونها إلى حد ما، وعدد من لايعرفون عن التابلت شيئا، إننا ليس لدينا حتى الآن خطة لتدريب هؤلاء المعلمين فنيا وزمنيا وماليا.. الخ

 وما يقال عن المعلمين سابقا يقال عن 600 ألف طالب وطالبة هم طلاب الصف الأول الثانوي سنة 2018/ 2019 وهم طلاب السنة الاولى الذين طبق عليهم نظام التابلت

 - وما يقال أيضا عن المعلمين والطلاب يقال أيضا عن المفتشين والموجهين

إننا لن نغير المنهج الدراسي ولم نعد المقرر الجديد الذى يتناسب مع التابلت والأموال التى انفقت فيه، فمن البديهى أن التدريس بنظام التابلت سيختلف اختلافا جذريا عن التدريس بالنظام القديم الذى يدور حول الكتاب المدرسي الورقى القابع بين غلافين. 

ومن المنطقى أن تتصل المدارس بشبكة الكهرباء ككل المنشئات الحديثة، فسيكون بها لمبات كهرباء بالفصول وبعض "الفيش" اللازمة لتشغيل جهاز كمبيوتر او شاشة ذكية او غيرها، ولكن الوضع سيختلف بلا شك عندما يكون هناك حاجة لوضع نحو اربعين او خمسين فيشة للكهرباء فى الفصول، ومع هذا لم تتضمن خطة الوزير معرفة نسب المدارس المناسبة من الناحية الكهربية لتوصيل مئات أجهزة التابلت بالكهرباء ولم تتضمن خطته تجهيز الآف المدارس بتلك الكهرباء.

- أننا لا نعلم طبيعة شبكة الانترنت وسرعتها وقدرتها على تغطية الاف المدارس فى مختلف انحاء البلاد ولا من يدفع ثمنها ولم نعرف أن الوزارة قد سعت للاتفاق مع شركات الاتصالات على توفير نظام لاتصال الطالب بالانترنت او الاتفاق على نوع من كروت الشحن يكون أرخص وأنسب للطلاب الفقراء.

- أننا لا نعلم طبيعة الأعطال التى ستصيب آلاف أجهزة التابلت ولا طبيعة منظومة الصيانة التى ستتعامل مع آلاف الأعطال اليومية لها. 

- أننا لا نعرف كيف سيتعامل مئات الآلاف من طلابنا فى عمر المراهقة مع التابلت ولا كيف سنحميهم من المواقع العابثة أو المواقع الخطيرة؟

- أننا لا نعرف ماهو التأثير الصحى للتابلت على أعصاب طلابنا، خاصة وأنهم بنين وبنات فى سنوات التكوين والنضج مما يخشي منه التعرض لأشعة التابلت ساعات طويلة؟

أما السؤال الذى كان من المفترض أن يفرض نفسه علميا وفنيا ووطنيا: فهو  لماذا لم نقم بتجريب التابلت تجربة علمية مقننة على مدرسة ثانوية واحدة، فى الـ27 محافظة مصرية، ويقوم بالاشراف عليها خبراء متخصصون فى المناهج وطرق التدريس والانترنت والتقويم والأنشطة وغيرها يكون من صلاحياتهم حضور الحصص ولقاء المعلمين والطلاب ومناقشتهم وكتابة تقارير دورية عن تلك التجربة، حتى تصبح عندنا إجابات واضحة عن كل ماسبق من تساؤلات مشروعة، قبل أن نورط بلادنا فى قروض باهظة ستثقل كاهلنا أكثر مما هو مثقل وتجربة نعرف أولها ولا نعرف آخرها.

واليوم وقد مرت على التجربة نحو أكثر من ثلاث سنوات امتحن فيها الطلاب بالتابلت العديد من الامتحانات فى الصف الاول والثانى الثانوى وكانت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعى تحفل بما حدث فى المدارس والذى لا يمكن وصفه إلا بانه كارثة حقيقية تعيشها مدارسنا ويعيشها طلابنا، فبمجرد ان يبدا الامتحان ينجح الكثير من الطلاب فى الدخول على شبكة الانترنت والوصول إلى أسئلة الامتحان، بينما يفشل الآلاف فى ذلك، وتلجأ مدارسهم ومعلموهم إلى الإجابة الورقية التقليدية، ولا يمر بعض الوقت حتى نفاجأ بفشل من دخلوا على الشبكة فى الاستمرار، ونجاح من فشلوا أولا فى الدخول لبعض الوقت، وهكذا دواليك. 

وبدلا من أن تعلن الوزارة عن دراستها للتجربة، وتوضيح مواضع الخلل والقصور فيها وكذلك توضيح جهودها فى معالجة اوجه ذلك الخلل والقصور، تستمر فى التجربة بنفس الطريقة ونفس أوجه الخلل والقصور مما يجبر الوزير على الاعتراف بان نسبة النجاح فى الصف الأول الثانوى في إحدى السنوات كانت لاتزيد على عشرين فى المئة وأنه اضطر إلى رفعها إلى مايزيد عن التسعين بالمئة بقرار ادارى.

مع هذه الفوضى اضطرت القيادة السياسية الى التدخل عندما وصلت ازمة التابلت الى امتحانات الصف الثالث الثانوى، لتجبر الوزير على ان يكون الامتحان امتحانا ورقيا، تجنبا لمشاكل وقلاقل تابلت لم تستعد له الوزارة استعدادا كافيا ومدروسا مما ينذر بكارثة لو حدث نفس الخلل والقصور فى الشهادة التى يعتبرها الناس شهادة مصيرية فى تاريخ أبنائهم التعليمي.

واليوم تشهد بلادنا اوضاعا تعليمية اقل ما يقال فيها أنها اوضاع كارثية، فقد فرضت المصروفات فى المدارس التى عرفت مجانية التعليم الاولى سنة 1923، ومجانية التعليم الابتدائى سنة 1944، ومجانية التعليم الثانوى سنة 1950، وبنتها الحكومات المتعاقبة من أموال الشعب – من ضرائبهم ومواردهم السيادية وثرواتهم – ويتم بتقرير تلك المصروفات إهدار مجانية التعليم وتكافؤ الفرص، وهى المبادئ التى نادى بها عشرات من المفكرين والمثقفين منذ رفاعة الطهطاوى حتى طه حسين وكانت أحد المبادئ الاساسية للحركة الوطنية المصرية مثلها مثل المطالبة بالجلاء والدستور سواء بسواء.

واليوم تشهد بلادنا عجزا فى المعلمين لا تقل اعدادهم عن أربعمائة ألف معلم، إذ قرر الوزير بنفسه منذ سنتين ان هذا العجز يبلغ ثلاثمائة وعشرين ألف معلم ومعلمة، وهو الأمر الذى يجعلنا نعتبر عددهم يصل الآن إلى نحو أربعمائة ألف معلم، إذا وضعنا فى اعتبارنا آلاف المعلمين الذين يخرجون على المعاش كل عام، وهو عدد يصل إلى مايزيد عن ثلث القوة العاملة فى المدارس، ولقد أصبح من المألوف أن يقول آلاف التلاميذ لآبائهم أنه لم يدخل مدرس إلى فصلهم طيلة النهار.

لقد توقف تكليف خريجى كليات التربية منذ سنة 1998، أما تعيينهم فى المدارس فقد توقف تماما منذ سنة 2014، وهو ما أدى إلى هذا العجز الفادح فى أعدادهم، ولا تعترف الحكومة بان عدم تعيين معلمين جدد هو أحد شروط الاستدانة من صندوق النقد الدولى، فتضطر الوزارة لمواجهة ذلك العجز بحيل ووسائل عبثية، فهى تعلن عن التعاقد مع بعض المدرسين لثلاثة او ستة شهور، بمقابل تافه وهزيل لا يزيد عن ألف جنيه، وعندما تظهر فى هذا التعاقد بعض المشكلات ويتم حلها تكون شهور ذلك التعاقد قد انتهت.

ومن تلك الوسائل العبثية لمواجهة عجز المدرسين الدعوة الى التدريس بالتطوع او تكليف مجندى الجيش بالتدريس او التدريس بالحصة التى تصل مكافأتها الى عشرين جنيها، وهى كلها حلول تعبر عن مدى العجز والإفلاس الذى تردى فيه التعليم.

ونأتي الى آخر واحدة من اهم مظاهر العجز والاقلاس الذى يعانى منه تعليمنا اليوم وهو ما يتعلق بمرتبات المعلمين، فبالتأكيد هناك علاقة حقيقية ووطيدة بالمرتب الذى يحصل عليه الانسان نظير قيامه بمهنة او مهمة محددة وبين نظرة المجتمع لتلك المهنة واحترامه لها وحاجته اليها، ولن أتحدث عن معلمى العهد الملكى ولكنى أشير الى المعلم الذى كان يدرس لى سنة 1970، وكان يتقاضى مرتبا يبلغ 18 جنيها، وهو يساوى بحساب ايامنا هذه نحو أربعة عشر ألفا من الجنيهات، إذا قارننا أسعار الذهب وقتها واليوم (كان جرام الذهب عيار 18 وقتها يبلغ 80 قرشا، واليوم يبلغ نفس الجرام 650 جنيها)

ولا شك أن هذا المرتب كان يكفل للمعلم وقتها حياة كريمة تسمح له بالتفرغ لمهنته الأصلية، مدرسا فى مدرسة، ينعكس تلقائيا على كفاءته فى أداء مهنته ومستوى طلابه، ويغنيه فى نفس الوقت عن اللهاث خلف الدروس الخصوصية أو عن البحث عن أي مهنة اخرى ليستكمل متطلبات حياته. 

واليوم يتقاضى المعلم فى بداية حياته المهنية مبلغا لا يزيد عن ألف جنيه، وهو ما يمكن اعتباره قمة المأساة التى يعانى منها تعليمنا اليوم.

واخيرا أود ان اشير الى حقيقة الوهم الذى نعيشه فى تعليمنا اليوم، عله يكون مفيدا فى فهم ما يحدث ومعينا لنا على تصور الحل والانعتاق من هذا النفق المظلم الذى انحدرنا اليه، واقصد به الهدف من غياب رؤية واضحة ومحددة ومكتوبة لمنظومة التعليم المزعومة، وقد أشرنا الى هذا من قبل، وأظن أن السبب فى غياب تلك المنظومة أسباب، منها: أن الدولة لن تسعى لزيادة ميزانية التعليم زيادة تتناسب مع حاله المتدهور والمنهار.

ومنها أن السياسات التى تعتمدها الحكومة فى الاهتمام فقط بالتعليم الخاص وإهمال تعليم الفقراء كما يظهر فى إجراءاتها المختلفة لايمكن التعبير عنه فى خطة مكتوبة.

ومنها أخيرا ان الحكومة تضمر الشر الكثير لتعليم الفقراء كتقرير المصروفات فى المدارس المجانية، وهو ما حدث فعلا وكان من غير الممكن كتابته فى وثيقة رسمية.

فى النهاية ارجو ان اكون فى هذا المقال قد وفقت فى توضيح الحالة التى تردى اليها تعليمنا العام والكارثة التى احدقت به، أما كيف السبيل الى الخلاص من هذا المأزق التاريخى فسيكون موضوع مقالى الأسبوع القادم
...............................
بقلم: د. كمال مغيث

الخبير بالمركز القومى للبحوث التربوية

الحلقة الثانية: التعليم المصرى من أول وجديد.. والطريق الى المستقبل
من المشهد الأسبوعي



اعلان