29 - 05 - 2022

معا لحماية القلوب!

معا لحماية القلوب!

يرتدي البعض ألف قناع وقناع ليدمر أواصر بيت أو يقطع صلة رحم أو يفتك برباط صداقة نبيل، يمضي عن مرض واستغلال وحقد وحسد ، لا يبالي بشرع ولا قانون ولاعرف، حتى باتت العلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية في خطر داهم تطاردها سهام النار التي تطلق من حاملي الأقنعة الشريرة لإشعال الحرائق في البيوت والقلوب، وهو ما يجب التصدي له مجتمعيا وتقديم دروب لحماية القلوب.

 ففي العلاقات الأسرية يتفشى في منتديات القيل والقال ومجموعات الدردشة ، التحريض والوقيعة وإفساد ذات البين ، وهو أمر مجرم إنسانيا بل قانونيا في بعض الدول ، وذكر الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أنه يندرج تحت باب "التخبيب" المحرم شرعا ، والذي يعد من كبائر الذنوب، وذلك لقول النبى الكريم " ليس منا من خبب امرأة على زوجها..".

وفي السعودية قانون حاسم لمواجهة تلك الجريمة يدعى "قانون التخبيب"، وعن طريقه ، يتقدم المتضرر بالأدلة المؤيدة لمساهمة ذاك أو تلك في وقوع الطلاق أو المشاكل الزوجية بين الزوجين، ثم يتم التحقيق من النيابة والإحالة للمحاكمة في حال ثبوت الجرم ، وفي أبريل 2021 ، تم تغريم صديقة سوء سعودية وقعت في "التخبيب" 50 ألف ريال.

وفي التشريع الكويتي ، وفق تقارير قانونية ، نصت المادة (23) من قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم 51 لسنة 1984 على أنه : ( لا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة أفسدها على زوجها ، إلا إذا عادت إلى زوجها الأول ثم طلقها ، أو مات عنها)، أما في مصر فيحكمها قواعد أخرى في القانون مازالت محل نقاش وجدل.

ومن العلاقات الأسرية إلى العلاقات الاجتماعية يا قلبي لا تحزن، فالقيل والقال ونقل الكلام بين طرفين بغرض الإفساد والتفريق إيغار الصدور ،بات سباق  تنافس مفتوح في المجتمع المصري والعربي وفق ما نقرأ ونسمع  وما يرصد، رغم أن الوعيد الديني شديد فقد ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه لا يدخل الجنة نمام، والباقي أدهى وأمر.

طرق المواجهة 

ومن أهم دروب وقف الوقيعة بين القلوب، الحرص على اسقاط تلك الأقنعة الشريرة عن وجوه أصحابها ، ونشر الوعي بتجريم الوقيعة والغيبة والنميمة وايغار الصدور بالباطل والزور.

لسانك لا تذكر به عورة امريء * فكلك عورات وللناس ألسن 

إن علينا ترك المجال لسؤال أهل العلم والذكر والاختصاص ، الذي يعد من أهم حصون العلاقات الإنسانية الايجابية ( فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )، وإن انتظار الحكمة من أفواه أصدقاء السوء هو الطريق إلى الهاوية والحرائق والشقاق والصراع والافتراق.

إن ما ينفع فلان لا يصلح لعلان ، وشخصية هذا غير شخصية ذاك، وظروف هذه غير ظروف تلك ، والعلاقات لا تتطور أبدا بناء على حدث وفعلنا وفعلوا، فلكل مقام مقال ولكل سؤال جواب والافئدة لا تتشابه والبيوت لا تتطابق والنفوس لا تخضع لجدول الضرب.

وإن اختيار الصديق قبل اختيار الطريق من الأهمية بمكان في هذا المضمار ، فالصديق الحريص على الفضول والوقيعة والقيل والقال والحقد والحسد والكسل والأخذ بلا عطاء والنميمة من أخطر الدوائر التي قد تطيح بحياتك الأسرية ووضعك الاجتماعي وتواصلك الإنساني.

ومع اختيار الصديق يجب أن نحدد الدوائر والمسافات الصحية لأي اقتراب من أي صديق في دوائرنا ، فالأب والأم والزوج والزوجة والأبناء دوائر والأصدقاء والزملاء والمعارف دوائر أخرى ، وكل شخص يجب أن نضع بيننا وبينه مسافات صحية ايجابية، وهناك دوائر ثالثة نضع حولها حواجز كي لا تصل لنا وهي شر الناس.

 وقديما قال العرب :" صداقة زائفة شر من عداوة سافرة" ، وقالوا أيضا :" عدو عاقل خير من صديق جاهل".

ولا يوجد صديق بلا عيب ، ولكن علينا أن نضعه في الدوائر المناسبة له حتى لا تحصل على الندامة في وقت لا ينفع فيه الندم.

 ومن أهم الحصون للعلاقات الإنسانية كذلك حفظ اللسان، فالكلام كما قال الحكماء كالدواء؛ إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل، وليكن الشعار المرفوع بيننا :" لنقل خيرا أو لنصمت "، مصدقا لقول النبي الكريم :" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".

وكم من كلمة كانت رصاصة قتلت أواصر بيت أو صداقة أو قرابة ، لذلك قال لقمان الحكيم في نصائحه النبيلة لابنه :" يابني من قل كلامه دامت عافيته"، وصدق المثل السائد (من قال لك قال عليك ومن نقل إليك نقل عنك).

إن هذه بعض المسارات المهمة في طريقنا لمواجهة مشعلي الحرائق والوقيعة من أجل صون العلاقات الإنسانية .

وعلينا أن نتكاتف مجتمعيا ، لننشر الوعي بأهمية حصار مدمني الوقيعة وايقافهم عن مواصلة جرائمهم في مجتمعاتنا ، فمن هنا نبدأ ، ومن هنا قد يمكن تطوير الحلول الأخرى. 

يقول  أبو العتاهية:

لا تمشِ في النَّاس إلَّا رحمةً لهمُ * ولا تعاملْهم إلَّا بإنصافِ

وارغبْ بنفسك عمَّا لا صلاحَ له * وأوسِعِ النَّاسَ مِن بِرٍّ وإلطافِ
----------------------
بقلم : حسن القباني 

مقالات اخرى للكاتب

لا تظلموا المرأة ولا الرجل!
اعلان