27 - 01 - 2022

مصر بلا طواريء

مصر بلا طواريء

قرار الرئيس السيسى بإنهاء مد حالة الطوارئ خطوة مهمة ، وقد يتبعها المزيد من الانفتاح السياسى ، على نحو ما توحى به الطريقة الحماسية التى كتبت بها "تدوينة" الرئيس يوم 25 أكتوبر 2021 ، والتصريحات اللاحقة المأذون بها للمتحدث باسم الرئاسة المصرية ، وفيها إشارة إلى خطوات أخرى مفصلة ، تدخل غالبا فى نطاق تطبيق "استراتيجية حقوق الإنسان" المعلنة قبل أسابيع .

وقد تكون خطوة وقف الطوارئ أولية ، وقد كانت من مطالب مقالات مبكرة لكثيرين بينهم كاتب السطور ، بينها مقال بعنوان "أطلقوا سراح مصر" نشرته قبل سنوات ، وكان تقديرى أن حالة الطوارئ لا تضمن أمنا بذاتها ، خصوصا مع تغليظات وتشديدات طرأت على القوانين العادية ، كما جرى فى تعديلات "قانون مكافحة الإرهاب" مثلا ، فى حين يوحى فرض حالة الطوارئ بمعانى أخرى ، تكاد تغلق المجال العام بكامله ، فمع حالة الطوارئ يجرى العمل بقانون الطوارئ ، وهو قانون استثنائى بطبعه ، يتيح للرئيس أو من يفوضه صلاحيات حظر مطلقة ، بدءا من حظر التجوال ، إلى حظر الاجتماعات والتجمعات لأكثر من خمسة أشخاص ، وفرض الرقابة على الصحف والمنشورات بكافة الوسائط ، وحجب حريات الحركة والتنظيم ، والإحالات إلى محاكم خاصة تعرف باسم "أمن الدولة طوارئ" ، لا فرصة بالطعن على قراراتها أمام "محكمة النقض" ، فوق ما كان يتيحه قانون الطوارئ بنصه الموروث من عام 1958 ، ومن قبله قانون الأحكام العرفية منذ 1914 ، وكلاهما كان يمنح السلطات حق اعتقال الأشخاص من دون إبداء الأسباب ، أو الالتزام بالعرض على النيابة المختصة ، قبل أن تقر المحكمة الدستورية عام 2013 ، عدم دستورية نص إباحة الاعتقالات بلا ضابط ولا رابط ، وقد ظلت حالة الطوارئ سارية  فى مصر بلا انقطاع منذ حادث اغتيال الرئيس أنور السادات فى 6 أكتوبر 1981 ، وطوال ثلاثين سنة من حكم المخلوع حسنى مبارك ، الذى حل فيه نص الطوارئ محل مواد الدستور ، وإلى أن قرر المجلس العسكرى إلغاء حالة الطوارئ بعد ثورة 25 يناير 2011 ، ليعاد فرضها جزئيا بعد ثورة 30 يونيو 2013 ، وفى مناطق محددة من شمال شبه جزيرة سيناء ، وبالذات فيما كان يعرف بمثلث الخطر ، من "العريش" إلى "رفح" و"الشيخ زويد" ، ومع تزايد وطأة العمليات الإرهابية ، وامتدادها إلى مدن الدلتا المصرية ، جرى تعميم فرض حالة الطوارئ عام 2017 ، وتجديدها بانتظام كل ثلاثة شهور ، وكان يجرى تمديدها كل ثلاث سنوات أيام مبارك ، وخلال الأربع سنوات الفائتة ، لم يجر تقييد حق التنقل وفرض حظر التجوال ، إلا فى مناطق الحرب ضد الإرهاب بشرق سيناء ، ولمدد متفاوتة ، ارتبطت بوقائع ومعارك "حق الشهيد" و"العملية الشاملة" ، التى أسفرت فى النهاية عن اقتلاع شتلة الإرهاب الأساسية ، وتراجع عدد الإرهابيين المطاردين فى الجبال إلى حدود المئتين ، على حد تقدير أخير لوكالة أنباء "رويترز" ، مع التطور الطفرى فى أعمال تنمية سيناء وضمان الأمن فيها ، وهو ما  قد يكون شجع الرئيس السيسى على إعلان قراره بإنهاء مد حالة الطوارئ ، وإشادته بما تحقق من أمن شامل  ، صنعته تضحيات ودماء الشهداء ، وجعل مصر كما يقول "واحة أمان المنطقة" المضطربة .

وقد لا يعنى الأمان المقصود نهاية كلية مبرمة لخطر الإرهاب ، أو الاستبعاد التلقائى المحتوم لأى عمليات إرهاب واردة ، فقد تحدث اختراقات هنا أو هناك ، لكن منحنى الإرهاب تراجع بشدة ، وعلى نحو مطرد فى العامين الأخيرين بالذات ، مع انكفاء جماعة الإخوان على أحوالها الداخلية المنهكة المفككة ، ومع تطور صور من التعاون الأمنى بين السلطات المصرية والجماعات الفلسطينية فى غزة ، ومع تحطيم شبكة الأنفاق والتهريب عبر الحدود ، ومع التكثيف المتصل لعمل الجيش فى اتجاهات الحدود الأربعة ، واكتساب إمكانيات وخبرات فريدة ، وإنهاء أوضاع نزع السلاح فى سيناء ، فقد كان من مزايا الحرب المعلنة ضد الإرهاب ، أن كسب الجيش المصرى حضوره مجددا فى كامل سيناء ، وعلى غير ما قضت به ملاحق أمنية لما تسمى "معاهدة السلام" ،  كانت قسمت سيناء إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج" ، وحرمت الجيش من وجود محسوس ، إلا فى المنطقة (أ) شرق قناة السويس ، وجعلت غالب سيناء ، التى تساوى مساحتها نحو ستة أمثال مساحة لبنان ، منزوعا من السلاح المصرى ، ومن أسلحة الطيران والبحرية الحربية والقوات البرية ، وقد انتهى ذلك كله الآن ، وبسياسة وطنية "براجماتية" ، ربطت مواجهة الإرهاب بالتحرير الفعلى الكلى لسيناء ، وأعادت الجيش المصرى بكامل هيئته إلى خط الحدود المصرية الفلسطينية التاريخية ، ولأول مرة منذ ما قبل حرب 1967 ، وكان ذلك إنجازا موازيا مساويا ، إن لم يزد فى أهميته الوطنية ، على مهمة اقتلاع شتلة جماعات الإرهاب ، التى تمددت وتمطت لعقود طويلة ثقيلة ، فى فراغ تركه غياب الجيش المصرى ، ولم يكن ممكنا الشروع فى خطط كبرى لتنمية سيناء ، وبتكلفة مئات مليارات الجنيهات ، إلا أن يكون الجيش حارسا لأحلام تنمية تعثرت عقودا بعد المعاهدة إياها ، وظلت حبرا باهتا فوق الورق .

وفوق ما يجرى فى سيناء الفارغة نسبيا من السكان ، ويحتاج تعميرها وتحصينها ، إلى سكنى ستة ملايين مصرى فيها ، بعد أن جعلتها أنفاق قناة السويس العملاقة ، تغادر معناها الحدودى القديم النائى ، وتغدو كأنها صارت فى قلب دلتا النيل ، وهو ما قد يلفت النظر إلى معنى الإنجازات العمرانية الهائلة ، التى توالت بكثافة فى السنوات الأخيرة ، خصوصا فى مجالات المدن الجديدة وشبكات الطرق وخطوط الطاقة ، واكتشافات الغاز الطبيعى والبترول وغيرها ، وكلها إنجازات لا تنكر لإدارة الرئيس السيسى ، تخلق بذاتها تحديات ومصاعب مضافة ، نكرر الإشارة إليها فى كل ما نكتب ونقول ، إذا أردنا للتجربة المصرية ، أن تكون مثالا هاديا لعالم عربى غارق بأغلبه فى الظلام والحيرة والتخبط ، فليس أفضل ولا أحق من مصر فى شق طريق لخلاص ، والظواهر العربية الكبرى تتكون أولا فى مصر ، ثم تسرى بحساب الأوانى المستطرقة مشرقا ومغربا ، ولا أحد عاقل بوسعه إنكار حقائق ومآزق فى طريق مصر الراهنة ، لعل أخطرها  فيما نظن ، ذلك التناقض المتفاقم بين ما يجرى من إنجاز ، وما تتضمنه الاختيارات الحاكمة من انحياز فى الاتجاه المعاكس ، انحياز يجرى غالبا لغير صالح الفقراء والطبقات الوسطى ، وهم أغلبية مصر العظمى ، هم التسعون مليونا بين المئة مليون وتزيد ، وهو ما يولد احتقانا اجتماعيا متزايدا ، وانفصالا محسوسا بين "مصر الكومباوندات" و"مصر الحارات" ، لا تكفى لتوقيه وردم فجواته سياسات الصدقات وحملات التبرعات

وبرامج التكافل والحماية والأعمال الخيرية ، وهو ما قد يعنى أنه لا بد من تصحيح جوهرى فيما يجرى بالجملة ، وعبر اتجاهات خمسة متداخلة متزامنة فى التطبيق الممكن ، أولها : استكمال ما تحقق فى سيرة استعادة استقلال القرار الوطنى ، وثانيها : إدراك الأولوية القصوى للتصنيع الشامل للبلد بعد عقود من التفكيك والخراب ، وخلق إقتصاد إنتاج عفى يحل محل الواردات ويضاعف الصادرات ، وثالثها : رد الاعتبار لمبادئ وحقوق العدالة الاجتماعية ، وردم فجوة تفاوت الثروات المرعب ، واتباع نظام عادل للضرائب التصاعدية ، ورابعها : كنس امبراطوريات النهب الموروث المتحكم وتطهير جهاز الدولة الفاسد ، وخامسها : فتح المجال العام وإطلاق الحريات العامة ، وتفكيك الاحتقان السياسى ، وإنهاء قيود الرقابة على حريات الصحافة والإعلام عموما ، وكلها قيود تنتسب بطبيعتها إلى  زمن "أهل الكهف" ، فلم يعد مستساغا ولا لائقا ولا هو ممكن  ، ما يتصوره البعض من جدوى لإغلاق النوافذ ، فى زمن تطورت فيه وسائل الاتصال على نحو صاروخي ، وساد إعلام المواطن الفرد ، وتكميم حريات التعبير والتفكيراليوم لا يؤذى غير صاحبه ، وقد يكون إنهاء مد الطوارئ فرصة لمراجعة ، تنتهى معها صور الرقابة على الصحف والتليفزيونات والمواقع الإلكترونية ، وأن يحتكم إلى القانون العادى ، الذى صار يحظر حبس الصحفيين إلا فى جرائم انتهاك الأعراض والفتن والتمييز ، وحريات التعبير متصلة تلقائيا بحريات الحركة والتنظيم للأحزاب والهيئات ، مع تصفية مظالم لحقت بالكثيرين ، ووضع خطوط حمراء فاصلة بين السياسة والإرهاب ، وفى الإرهاب لا تهاون ولا تراجع عن مواجهته ، أما فى السياسة ، فلا بديل عن تصرف واجب ، يدعو الرئيس السيسى لاستخدام صلاحياته الدستورية ، وإصدار قانون عفو عام عن كل المتهمين أو المدانين فى قضايا سياسة لا إرهاب فيها ، ووقف التمديد المضاعف لفترات الحبس الاحتياطى ، وهو ما يحتاج إلى شجاعة قرار ، يكمل بها الرئيس شجاعة مبادرته بإنهاء مد حالة الطوارئ ، وإنا معكم لمنتظرون .
------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل

[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

سنة ثانية
اعلان