19 - 09 - 2021

طه حسين والأزهر : تمهيد: (1 من 4)

طه حسين والأزهر : تمهيد: (1 من 4)

الأزهر بناه الفاطميون ليكون جامعهم بمدينة القاهرة عاصمتهم التى شرعوا فى بنائها بمجرد أن فتح الله عليهم مصر، وشهد الخليفة المعز لدين الله أول خطبة له فيه فى الجمعة الأولى من شهر رمضان سنة 972م، وأصبح الجامع بعدها مركزا لنشر الفقه الشيعى، وشهود المناظرات بين علماء السنة وعلماء الشيعة، وظل الأزهر جامع القاهرة حتى خطب فيه صلاح الدين للخليفة العباسى "المستضئ بأمر الله" سنة 1171م، إيذانا باسقاطه للخلافة الفاطمية، وفى سعي صلاح الدين لإبطال مذهب الفاطميين والقضاء على رموزهم وصورهم، فإنه قد أغلق الجامع الأزهر وتحول بالخطبة لجامع الحاكم بأمر الله، وسقطت الدولة الأيوبية سنة 1250 بتولى "شجر الدر" الحكم وقيام دولة المماليك، وفى سنة 1266 ورغبة من السلطان الظاهر بيبرس البندقدارى (1260-1277)، لإضفاء الشرعية على حكم المماليك فإنه قد أعاد فى مصر الخلافة العباسية بعد أن اسقطها هولاكو والمغول 1258، وأعاد الجمعة إلى الأزهر، وعلى الرغم من أن بيبرس وعديد غيره من سلاطين المماليك قد بنوا مساجدا عظيمة تفخر بها القاهرة، فإنهم قد حفظوا للأزهر مكانته المركزية، ووسعوا فى بنائه وأقاموا داخله ثلاث مدارس جديدة (الطيبرسية والأقبغاوية والجوهرية) وقام بالتدريس فى الازهر عبد الرحمن بن خلدون (1332- 1406)، وابن حجر العسقلانى(1372- 1449)، وكان السلطان قايتباى (1467- 1496) أول من نظم فيه الأروقة لإقامة طلاب العلم - اللذين أطلق عليهم الناس "المجاورين" - من الأجانب وبدأ برواقى الأتراك والشوام، وفى نهاية زمن المماليك مطلع القرن السادس عشر كان عدد هؤلاء المجاورون يزيد عن ألف مجاور.

وفى زمن العثمانيين زادت مكانة الأزهر وأرتفع شأنه، فالدولة العثمانية التى تحكم إمبراطورية شاسعة أغلبها من بلاد الإسلام، وأصبح الأزهر هو الجامع المركزى فى تلك الإمبراطورية بعد تدهور مكانة جوامع سلاطين المماليك، وشجعت فكرة انضواء معظم بلاد المسلمين تحت نظام سياسى عثمانى واحد رحيل طلاب العلم من شتى بقاع العالم الاسلامى لتلقى العلم فى الأزهر، ويمكننا القول أن الأزهر مثل فى زمن العثمانيين كوزموبوليتانية إسلامية فريدة، ولم يكن على طالب العلم الذى يريد التعلم فى الأزهر، سوى أن يحمل "صرة" ملابسه ويأخذ طريقه قاصدا الأزهر ليجد المأوى والطعام "الجراية" التى كانت تتسع وتثرى أحيانا فتشمل: الخبز والمرق واللحم وبعض الدنانير والكسوة، أو تضيق أحيانا أخرى فلا تزيد على رغيفين "حاف" فى اليوم، ولتنظيم شؤون الأزهر طلابه وشيوخه وأوقافه وحلقات العلم فيه أنشأ العثمانيين منصب شيخ الأزهروتولاه "الشيخ الخرشى" سنة 1679. 

وقد وصل عدد أروقة الأزهر فى أوجها إلى خمسين رواقا، يسكنها نحو ثلاثة آلاف طالب، ثلثهم من الأجانب، فى أروقة: الجاوة والهنادوة والأفغانية والأتراك والحرمين والجبرت والمغاربة والسودان والتكارنة والشوام والبوسنة وبقيتهم من المصريين، فى أروقة: البحاروة والصعايدة والفشنية والفيمة والشراقوة وغيرها (وقد استمرت الأروقة بالأزهر حتى سنة 1954، حيث أنشئت مدينة البعوث الإسلامية) وقد درست فى الأزهر مختلف العلوم الدينية وعلى رأسها الفقه على المذاهب الأربعة، وعلوم اللغة العربية، وكان لشيخ الأزهر أن يطلب نقل بعض حلقات الدرس إلى الجوامع الكثيرة فى القاهرة، كجامع أبو الدهب أو الغورى أو الماس الحاجب، وإن كانوا متحفظين من نقلها إلى بعض مساجد آل البيت.

وكانت حرية الطلاب مطلقة فى تعليم الأزهر، فعلى الطالب أن يعرف اسماء الشيوخ المعلمين أصحاب الأعمدة، والعلوم التى يدرسونها والكتب التى يقرأونها، وموعد حلقته، ويختار حرا من كل هذا مايريد، ويختار بعد كل هذا الموعد الذى يطلب إلى الشيخ إجازته فيه، وكانت بعض حلقات هؤلاء الشيوخ عظيمة هائلة يتزاحم فيها الطلاب والناس من خارج الأزهر، إذا كان الشيخ ظريفا لبقا حلو الحديث تتخلل قراءته الطرف وأبيات الشعر والحكم، بينما كان بعضهم يجلس إلى عموده طيلة النهار فلا يظفر بطالب واحد، وكان الطالب يحصل على الشهادة التى كانت تسمى وقتها "الإجازة" بأن ينال الطالب من شيخه تلك الإجازة، سواء بالإفتاء على مذهب من المذاهب أو بتدريس علم من العلوم الدينية أو العربية، فيضرب له الشيخ موعدا منفردا أو بصحبة بعض الشيوخ أو فى مقدمة حلقة درسه، ويروح الشيخ يسأل الطالب فى دقائق العلم، وتفاصيله وألغازه، ويصنع له بعض المشكلات ويطلب حلها، فى وقت يطول أو يقصر، أو يطلب استكماله فى جلسة ثانية وقد لا يقتنع الأستاذ الشيخ بجدارة تلميذه بنيل الإجازة ويطلب إليه الاستمرار فى حضور الدروس سنة جديدة، وقد تفاوت الأساتذة فى درجة تسامحهم فى منح الإجازات تفاوتا كبيرا، فمنهم - كما يقول المؤرخين – من لم يجز فى حياته التدريسية كلها عددا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من طلابه، وكان يمر العام والأعوام وهو لم يجز طالب علم وأحد، ومنهم من كان سهلا حتى يعلن إجازته جميع طلاب حلقته جميعا، بلا سؤال ولا مراجعة، ثم يتزاحم الطلبة عليه بعد ذلك للحصول على الشهادات التى تحمل اسماءهم وإجازاتهم

وكانت للإجازات نسقا متقاربا، يبدأ بالبسملة والصلاة على الرسول، وذكر آدم واستخلافه وعمارة الأرض وإرسال الرسل، ثم يدلف إلى العلم الذى يقوم به وفضله وأهميته فى حياة الناس، ويواصل: ... وقد طلب منا الأريب الفطن الديّن المجتهد الذى واظب على حضور حلقتنا ردحا من الزمن وكان مثالا للاستقامة والجد والاجتهاد: فلان بن فلان بن فلان، من ناحية كذا، إجازته بالإفتاء (أو بالتدريس) فى كذا، وبعد مدارسة ومناظرة ومناقشة كان فيها راسخ البيان قوى الحجة ثابت اليقين عارفا بالدقائق، ملما بالأصول وبالفروع و....و...، ولذلك فقد أجزناه للإفتاء على مذهب الإمام كذا وتلاميذه المعتبرين، كذا.. أو تدريس كذا، ونرجوه ألا يعتبر تلك الإجازة غاية الأرب ونهاية الطلب، وإنما يداوم على طلب العلم ما وجد إلى هذا الطلب سبيلا، والذى هو فريضة على كل مسلم كما حدثنا المعصوم "صلى الله عليه وسلم" وندعوا الله أن ينّفّع به وبعلمه وألا يبذله إلا فى رضوان الله وابتغاء مرضاته، ونفع خلقه، وألا ينسانا من صالح دعائه.........التاريخ .. اسم الشيخ .. ختمه
--------------------------
بقلم: د. كمال مغيث

مقالات اخرى للكاتب

فى ذكرى رحيله.. الدين والدولة عند مصطفى النحاس
اعلان