10 - 05 - 2021

ما وراء "المومياوات"

ما وراء

ربما لا يجادل عاقل فى عظمة حدث نقل "مومياوات" ملوك وملكات مصر القديمة ، فقد كان عرسا أسطوريا بامتياز ، تجلت فيه المقدرة المتفوقة على الإدارة والتنظيم الدقيق الباهر ، من حفظ علمى لسلامة مومياوات عاشت لآلاف السنين ، وتصميم عربات الملوك ذات الشموس المجنحة ، وإتقان تفاصيل التفاصيل فى الأزياء والإكسسوارات والمجاميع والإضاءة  والمهابة التى سرت حتى إلى دقات حوافر الخيول ، والإخراج المذهل ، وتدافع مواهب عبقرية لموسيقيين وفنانين وفنانات مصريين ومصريات بالمئات ، سطع حضورهم الطاغى على شاشات 400 محطة تليفزيونية ناطقة بكافة لغات العالم الحية ، فى عمل إبداعى فريد ، جاء فى وقته تماما ، بعد نجاح المصريين المعاصرين السريع فى تحرير المجرى الملاحى لقناة السويس من جنوح الناقلة العملاقة "إيفرجيفن" ، وإثبات أن الأحفاد ورثوا جينات التحدى عن الأجداد ، وصنعوا صورة ذهنية ووجدانية تليق بمصر التى لا تفنى أبدا ، وإلى أن يرث الله الأرض.

كان الأثر مباشرا فياضا على نفوس المصريين ، الذين صادفوا أسبوعا من الآلام ، بدأ بمأساة تصادم قطارى سوهاج ، وما أعقبها من سقوط عمارة سكنية بشرق القاهرة وجنوح السفينة ، ثم بدت الدموع كأنها تنقشع ، ويحل أسبوع العظمة بعد أسبوع الآلام ، فى موسم للفرح والفخر العام ، لم يتخلف عن الشعور بوهجه مصرى ، باستثناء أصوات شاردة نشاز هربت أرواحها من أبدانها ، وتراكمت أحقادهم إلى حد عمى البصر بعد تلاشى البصيرة ، وعلق شيخهم على كشف شعر الملكة "تى" والدة "إخناتون" ، وكأنه كان ينبغى أن نلبسها حجابا أو نقابا ، وهى التى عاشت وماتت قبل ظهور فرائض الإسلام بآلاف السنين ، فيما علق آخرون على تكاليف الموكب الذهبى ، وتحدثوا عن النفقات بأرقام فلكية مفتعلة ، خلطت فى تزوير فاضح بين الحدث وتكاليف إقامة المتاحف الكبرى الجديدة ، مع أن أكبر هذه المتاحف وضع حجر أساسها قبل عشرين سنة ، ولم تشهد إنجازا سريعا مقتدرا عالى الكفاءة ، مع إضافة متاحف أخرى أصغر ممتدة من شرم الشيخ إلى كفر الشيخ ، إلا فى السنوات الخمس الأخيرة ، وخذ عندك مثلا قصة "المتحف المصرى الكبير" ، المقرر افتتاحه قريبا ، وهو أكبر متحف لحضارة واحدة فى الدنيا كلها ، ويتوقع أن يزوره خمسة ملايين شخص كل عام ، وقد جرى تمويل تكاليفه الهائلة البالغة 954 مليون دولار ، أى 15 مليار جنيه مصرى بأسعار الصرف اليوم ، بموارد مصرية خالصة ، ومن عوائد عروض الآثار المصرية خارجيا ، فيما تكفلت اليابان بتقديم قرض ميسر للمتحف من أوائل القرن الجارى ، بلغت قيمته 300 مليون دولار ، وقد تبدو التكلفة بالأرقام باهظة لأول وهلة ، لكنها تبدو متواضعة من منظور آخر ، خصوصا إذا قيست إلى مبالغ فلكية حقا ، جرى إنفاقها على مشروعات عمران كبرى ، بلغت تكاليفها نحو ستة تريليونات جنيه مصرى بحسب الأرقام الرسمية ، أى أكثر من 383 مليار دولار .

لا نعنى طبعا أن كل شئ على ما يرام فى مصر اليوم ، فلا تزال هناك عوائق وتحديات عظمى ، يلزم اجتيازها لبناء نهوض مصرى جديد ، لكن المتاحف فى مصر ليست من مظاهر الترف ، بل هى من أولويات الضرورة ، فقد ورث المصريون تراثا حضاريا بلا نظير ، ولدى المصريين فيما هو مكتشف ، نحو نصف آثار الدنيا ، وبلغ السفه الوقح فى عهود سبقت ، أن نادى بعضهم ببيع بعض أو كل آثار مصر، أو منح إدارتها لمستثمرين أجانب ، بالتوازى مع حملات بيع المصانع والأصول والمرافق ، وكان ذلك عارا وطنيا ، استمرت بعض مظاهره إلى اليوم ، فمن يفرط فى تاريخه يبيع حاضره ومستقبله ، وكان البديل الوطنى الصحيح ، أن ترعى مصر آثارها الضخمة الفخمة ، وعلى نفقتها وبما يليق ، وأن تنتشر حركة إنشاء متاحف جديدة ، وإجلاء الغبار عن المتاحف الأقدم ، وأن تحيى الذاكرة الثقافية ، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة الاعتزاز بالذات الوطنية الحضارية ، إضافة لمضاعفة عوائد النشاط السياحى القادم إلى مصر ، ودعم السياحة الثقافية إلى جوار سياحة الشواطئ ، وإقامة متاحف تضاهى أحدث متاحف العالم المتطورة تكنولوجيا ، ومن دون إهمال لتراث أى مرحلة فى تاريخ مصر ، التى هى الدولة الأقدم الأعرق فى التاريخ الإنسانى ، وحضارتها المتنوعة الفريدة هى الأعظم بلا منافس ، وقد جرى استفتاء علمى متخصص قبل شهور ، كان المشاركون فيه من العلماء والمهتمين الأوروبيين ، أجروا تصويتا إلكترونيا ، شمل 15 حضارة فى التاريخ القديم ، من الحضارة الصينية إلى الأغريقية والفارسية والرومانية وغيرها ، ولم تكن النتائج مفاجئة ، فقد فازت الحضارة المصرية باللقب الأعظم والأول ، فهى الأسبق إلى اكتشاف الضمير والقانون والعدالة والإبداع الفنى والفلكى والهندسى والكيميائى ، ولا توجد فى تراث حضارة أخرى عجيبة كالتحنيط وحفظ "مومياوات" الأجساد ، وقد اكتشف منها المئات لملوك مصر القدامى وغيرهم ، عاشت على حالتها الأولى لآلاف مؤلفة من السنين .

وقد جرى اكتشاف مومياوات ملوك وملكات مصر الأقدمين فى "وادى الملوك" ومنطقة "الدير البحرى" بالأقصر ، كان ذلك فى نهايات القرن التاسع عشر ، والأقصر "طيبة" كما هو معروف كانت عاصمة مصر لزمن ألفى طويل ، وقد نقلت المومياوات منها إلى القاهرة أوائل القرن العشرين ، حين جرى إنشاء "المتحف المصرى" الشهير بميدان التحرير ، ثم جاء الانتقال الأخير قبل أيام ، وبعد نحو 120 سنة من الحجب فى متحف التحرير ، وبمراسم مهيبة كميراث الأجداد ، وإلى ما يعرف رسميا باسم "المتحف القومى للحضارة المصرية" ، ويعرف اختصارا باسم متحف "الفسطاط" فى قلب القاهرة التاريخية الإسلامية التى يعاد تأهيلها اليوم ، و"الفسطاط" كانت أول عاصمة لمصر فى تاريخها الإسلامى ، وجرى اختيارها كنهاية لرحلة المومياوات ، والمعنى الضمنى ظاهر بغير التباس ، ويرد بذاته على ترهات صغيرة ، تدعى أن مصر تغادر هويتها العربية إلى هوية فرعونية ، أو أن الحكام يريدون ذلك ، وكأن الحكام يصنعون الهويات حسب الرغبات والمقاسات ، بينما لا يستطيع أحد تغيير حقائق مصر الكبرى ، وهى "الفرعونية الجد العربية الأب" بحسب إيجاز بليغ للعلامة جمال حمدان ، وقد كان وطنيا مصريا قوميا عربيا ناصريا قحا ، فقد مرت مصر بمراحل تاريخية ألفية السنوات ، نهضت وضعفت ، وتعرضت لعشرات الصور من أبشع احتلالات الغزاة ، وتغيرت لغتها ودينها مرات ، لكنها لم تغير جغرافيتها أبدا منذ عصر "مينا" موحد القطرين ، وظلت كقبضة يد لا تنفك أصابعها ، برغم تراكمات القهر وتوالى صنوف الطغيان ، وخاضت حروبا كلها دفاعية ، وهزمت فى معارك وأزمان ، لكنها لم تخسر حرب الوجود المتصل أبدا ، وأقامت شواهد عظمة باقية تستعصى على الإندثار ، وصنعت فجر الضمير الإنسانى ، وكانت واحة العالم القديم وجوهرته الأثمن ، وصاغت حضارة التوحيد القومى والدينى ، حتى قبل أن يهبط الوحى الإلهى برسالات السماء ، واستعدت لحساب العالم الآخر بعد الدنيا الفانية ، وعرفت بذاتها طقوس الصلاة والصيام والمواقيت والحج المقدس ، وتركت وثائق كبرى لصلاح الدنيا والآخرة ، من نوع عدالة "ماعت" و"كتاب الموتى" ، وكان إبنها "إخناتون" هو أول من بشر بعقيدة الإله الواحد "آمون" ، وكان لاسم مصر السيادة العظمى فى متون كتب السماء جميعا ، وجاء إليها النبى يعقوب بعد إبنه النبى يوسف ، وخرج منها "النبى موسى" الأكثر ذكرا فى آيات القرآن الكريم ، وتزوج منها قبله إبراهيم أول الأنبياء ، واقترن منها خاتم الأنبياء محمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام ، واحتمى بها السيد المسيح وأمه مريم ، ولم يكن "فرعون موسى" مصريا بل هكسوسيا محتلا ، وظلت مصر الموئل المفضل لهجرات بشرية وتفاعلات ثقافية ولغوية ، راكمت تبادلا هائلا لمفردات لغوية قادمة من المنطقة التى نصفها اليوم بالعالم العربى ، وكانت حروب ملوكها العظام الوجودية ، كمعارك "مجدو" تحتمس و"قادش" رمسيس ، تجرى فيما نعرفه اليوم باسم المشرق العربى ، فقد تعربت مصر بغرائز الأمن قبل تعريب لغة اللسان ، ومع فتح عمرو بن العاص ، تعربت لغة مصر بكاملها فى بضعة عقود ، وكان للكنيسة المصرية الدور الأكبر فى تسريع التعريب ، وقبل أن يسلم غالب أهل مصر على مدى مئات السنوات اللاحقة ، وهكذا تكونت هوية مصر الختامية ، ودونما إنكار  أو تجاهل لمراحل الزهو المصرى الأقدم ،  فما يسمى بغير تدقيق بالتاريخ الفرعونى ، هو قاعدة الهرم المصرى التكوينى متعاقب الدرجات ، وظلت عناصر من ثقافته سارية مؤثرة فى النسيج المصرى ، وبانسجام لا شبهة لتناقض فيه مع التوحيد الإسلامى ورسالة العروبة الحضارية ، التى ظلت مصر حصنها المكين ، والقطب الأعظم فى الفهم المتحضر الأرقى الأغنى لصحيح الدين ، البرئ من التعصب الجاهلى والتدين الصورى الصحراوى الجهول.

-------------------------------

بقلم: عبد الحليم قنديل

[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

عظات القدس
اعلان