10 - 05 - 2021

صمت أكثر من مريب

صمت أكثر من مريب

ربما لاحظ الأصدقاء أنني لم أدع ولم أحبذ أي دعوة للدخول في حرب أو شن عمل عسكري كحل للخلاف التاريخي المزمن مع الحبشة التي صارت تعرف حديثا باسم أثيوبيا.

ولا يعني ذلك بالطبع أنني "ضد" العمل العسكري ولكن فقط أراه خيارا أخيرا إذا ما وضع ظهرنا لحائط الرغبة الشريرة في جعل مصر "رهينة" لسد ظاهر الهدف من بنائه توليد الكهرباء ومكنونه هو التحكم في تدفق مياه النيل.

ودون عودة للماضي القريب والبعيد فإن المعنيين بتاريخ نهر النيل يدركون جيدا أمرين أولهما "حلم" و "توق" حبشي لمنع انسياب النيل شمالا ولطالما لوح ملوكها بتهديدات من هذا النوع وذلك أمر سجل بجلاء في عدة مصادر تاريخية

والأمر الثاني هو "الهاجس" الدائم لدى مصر منذ عصورها الموغلة في القدم من أن تنجح الحبشة من فعل ذلك وخاصة عند انخفاض مستوى الفيضان.

وهناك تقييدات تفيد بتوجه وفود من الكنيسة القبطية المصرية للحبشة، وكانت تتبع الكنيسة المرقصية المصرية لمخاطبة النجاشي وحثه عن الامتناع عن أي عمل من شأنه حبس الفيضان عن مصر.

والخشية من ذلك هي التي حملت الحسن بن الهيثم على أن يأتي من العراق ويعرض على الحاكم بأمر الله الفاطمي أن يقوم بعمل يحفظ به مياه الفيضان للانتفاع بها في سنوات التحاريق، ولكن همته فترت لما شاهد أوابد المعبد والأهرام المصرية محدثا نفسه بأن إذا كان هؤلاء الذين شيدوا هذه المعجزات المعمارية قد عجزوا عن ذلك، فكيف لي أن أفعل ذلك. وتخفى ابن الهيثم خوفا من غضبة الحاكم بأمر الله وتعيش من نسخ الكتب حتى توفي أو اختفى بالأدق الخليفة الفاطمي.

وفي العصور الحديثة سعت أثيوبيا لبناء سد أو سدود للتحكم في النهر، ليس لأنها بحاجة لمياهه من أجل الزراعة ولكن لفرض "سطوة" على سكان المصب حسدا من عند أنفسهم، وأديس أبابا ترى حالها المتردي بينما هي منبع الخير الذي ترفل فيه حضارة دولة المصب.

من الناحية الهندسية كانت الدراسات العلمية تؤكد استحالة إنشاء عمل هندسي على هضبة الحبشة للتحكم بجريان النهر وهو أمر تم تجاوزه عندما منحت حكومة السودان لاثيوبيا حق الارتفاق بمنطقة الفشقة ليزرعها الأثيوبيون بشرط عدم إقامة منشآت مائية عليها إلا بموافقة حكومة السودان، وهو الشرط الذي تغاضت عنه حكومة الكيزان ظنا منها أنها بذلك "تكيد لمصر" وبناء على "أوهام" بأن أثيوبيا "أخت بلادي" لن تلحق الأذى بالسودان، بل وظلت اللجان الفنية السودانية ترى أن بلادها لن تتضرر من بناء سد النهضة وتعاملت بكل سفور وكأنها وسيط في أولى مراحل التفاوض حتى كان الخطأ الأشهر بالامتناع عن التوقيع عن وثيقة واشنطون في تغطية خرقاء للموقف الأثيوبي.

ينبغي أن نتوقف هنا عن ذكر ما مضى وكان لنشير إلى أن ثمة عدة أطراف سعت علانية حينا وخفية أحيانا للإبقاء على الحلم الحبشي حيا، ولاسيما منذ الدور المصري الحاسم في معركة التحرر الوطني داخل القارة السمراء

كانت هناك الولايات المتحدة الأمريكية ومازالت

كان هناك الكيان الصهيوني ومازال

كانت هناك إيطاليا وإن على استحياء

وهؤلاء جميعا يمثلون حلف الأطلسي ويستقطبون خبراء من كل جنسياته في هندسة الري

ثم لحق بهؤلاء تركيا وقطر ورأسماليون عرب يبحثون عن فرص للاستثمار الزراعي في بلد واسع الأرجاء ووافر الموارد المائية

أصبح لدينا مزيج من أنصار "بناء السد" مع اختلاف الأهداف ما بين "استراتيجية" تستهدف حصار مصر وإفقارها وهذا أمر ليس بحاجة لشرح أو براهين ، وأهداف ربح أنانية لا تدرك العواقب الكارثية على بلد إن قدر الإله مماته فلن ترى الشرق يرفع الرأس بعده.

مالذي يثير الريبة؟

أن بعض الأطراف الضالعة تاريخيا في بناء سد النهضة "صامتة" صمت القبور طوال فترات المفاوضات، وحتى عندما لوحت مصر بأنها قد تضطر للتدخل عسكريا لحمل أثيوبيا على عدم التصرف بشكل فردي للتحكم بنهر دولي.

واشنطن صامته ولم تبد أي تحرك إيجابي تجاه دعوة السودان بأن تكون ضمن الوساطة الرباعية

الاتحاد الأوربي عن بكرة أبيه "أكلت القطة لسانه الذرب"

تل أبيب كأنها لا تسمع ولا ترى، بل أنها زودت أثيوبيا بمنظومة دفاع جوي لحماية السد من أي هجوم لتدميره (٢٠١٩).

الأمم المتحدة "ودن من طين وأخرى من عجين" رغم تلويح مصر بأن هناك تهديد للسلم العالمي بل أنها فضلت أن يعود أمر النزاع إلى الاتحاد الأفريقي قبل نحو عامين.

هؤلاء جميعا في صمتهم ما يريب

وكأنهم يشجعون أثيوبيا على المضي قدما في استفزاز دول المصب

وكأنهم ينتظرون أن نقدم على عمل عسكري حتى يتدخلوا

لو نشبت حرب من هذا النوع فإنها لن تنتهي في وقت قصير ولن تكون محدودة الخسائر بالنسبة لكل أطرافها، فالإنفاق العسكري سيبتلع موارد هائلة لبلدان هي مدينة جميعا للصندوق والبنك الدوليين.

هناك مخاطر لا يمكن إغفالها مثل ردة فعل الاتحاد الأفريقي الذي تهيمن عليه ردة فعل عنصرية "زنجية/سوداء" ضد هيمنة "البيض" وقد جرى توجيه هذه "العنصرية الاضطهادية" تجاه العرب الأفارقة باعتبارهم وفقا لدعايات البيض الأوربيين تجار رقيق استعبدوا الأفارقة.

وهناك معضلات جانبية مثل موقف إريتريا التي يتحسس أفورقي من أن تغلب عليها هويتها العربية وكذلك جنوب أفريقيا التي تتطلع لزعامة أفريقيا وترافقها عقدة الزنوجة رغما عما بذلته مصر تاريخيا لتحريرها من براثن الحكم العنصري.

هل سنكون إزاء تدخل يحاكي ما جرى عندما دخلت العراق للكويت؟

هل سنعود لسيناريو قريب من عدوان ١٩٥٦ الذي نشب فيه قتال على أرض سيناء فتدخلت بريطانيا وفرنسا بزعم الفصل بين المتحاربين ولتأمين الملاحة في قناة السويس؟

إذا كانت كل هذه التخوفات والحسابات تدور في ذهن المراقب السياسي ففوقها مئات من الأسئلة وملايين من المعلومات التفصيلية وقوائم لا نهاية لها من الحسابات تدور بذهن الدولة المصرية بما فيها حسابات القوة الذاتية وتحركات وأهداف الصامتين المريبين

أرجو أن لا نتعجل قرارا بحرب:-

 يحثنا الأخوان المسلمين عليه ليل نهار

ولا يستنكر أي طرف دولي تلويحنا به

ولا يسعى أي طرف دولي لنزع فتيل انفجاره

ولا تتوقف أديس أبابا عن استفزازنا لشنها

أبديت من قبل رأيي ان عملية الملء الثانية بحد ذاتها لن تلحق أذى بمصر ولكنها ستفعل بالنسبة للسود.
------------------
بقلم: د. أحمد السيد الصاوي

مقالات اخرى للكاتب

ماذا وراء الأكمة؟
اعلان