19 - 09 - 2021

حوار مع رضا المكي "المنظر والمنظم": إعادة اكتشاف الرئيس قيس سعيد

حوار مع رضا المكي

هذه أسرار نجاح قيس سعيد يرويها زميل دراسته أقرب معاونيه خلال حملته الانتخابية

يضع رفض برلمان تونس الليلة الماضية ( الجمعة 10 يناير 2020) منح الثقة لحكومة "الحبيب الجملي" المقترح من حزب "النهضة" الرئيس "قيس سعيد" من جديد تحت الأضواء بقوة. فهو المنوط به خلال عشرة أيام وعبر  التشاور مع الكتل النيابية وفق نص ( المادة) 89 من دستور بلاده تكليف الشخصية الأقدر على تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر واحد، كما انه له الحق في حال الفشل في تشكيل هذه الحكومة وحصولها على ثقة البرلمان أن يدعو لانتخابات تشريعية جديدة.

وهذا الحوار مع رجل نادر الإدلاء بأحاديث للصحافة. وإذا فعل فهو يجلب الحيرة في تعريف من هو؟.وهذا مع اليقين بأنه "الأهم" في الحملة الانتخابية التي أوصلت الرئيس التونسي "قيس سعيد" إلى قصر قرطاج، و"الأبرز" في التنظير لمشروعه الفكري السياسي. وهكذا هو منظم ومنظر وبلا القاب أو مناصب لمشروع رئيس دولة عربيه جاء من "خارج السيستيم/ النظام"،وفي واحدة من أبرز الأحداث السياسية لعام 2019 في منطقتنا.

عندما التقيت "رضا المكي" وشهرته كيساري منذ أيام دراسته بالجامعة "رضا لينين" نهاية أكتوبر الماضي في ضاحية "المروج 1" بالعاصمة تونس، وبعد أيام من حلف "سعيد" اليمين الدستورية أمام البرلمان جاء رضا معه حارس أمن شخصي مع أنه وإلى لحظة نشر هذا الحوار بلا أي مناصب رسمية أو سياسية سواء داخل قصر الرئاسة أو خارجه. 

بادرته بالسؤال عن "حكاية الحراسة"هذه، فأجاب بعد ان صرف رجل الأمن الى أن ننهى الحوار قائلا :"لم اتلق تهديدات مباشرة، لكن ثمة فيديوهات انتشرت مع مرور قيس سعيد إلى الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة تستهدفني ورفاق آخرين في حملته". وهنا اشار إلى أصوات دعت حينها إلى تأجيل إتمام الانتخابات أو الغائها لقطع الطريق على المرشح القوى القادم من خارج السيتسيم. ولكن "رضا" ينفي أنه يعرف مصدر التهديدات، ومن هم؟، كما ينفي أن حراسته من رجال أمن الرئاسة، يخبرني بإيجاز:"مسألة حمايتي ارتبطت باستدعاء من فرقة مقاومة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية التونسية. وهي التي اعلمتني بجدية التهديدات، وخيرتني بين اصناف من الحماية، فتركت الأمر لهم . فاختاروا الحماية اللصيقة لشخصي والنسيج المحيط والأسرة والحي. وفرق الحماية من أمن وزارة الداخلية وليست رئاسية". وأسأله متمنيا إجابة واضحة : هل مصدر التهديد من إرهابيين متطرفين إسلاميين؟، فيقول:" لا أدري .. بصفة عامة هم من صنف القتلة الذين لا يجدون إلا حلا واحدا للتخلص من المختلفين معهم .. وهو العنف".

من هو "رضا"؟

الصورة السائدة في الإعلام بتونس عن "رضا شهاب المكي" يكتنفها الغموض والتناقض.وهكذا هو الحال حتى تتعرف عليه وتجالسه للمرة الأولى . والرجل مولود في عام 1956 إبن عائلة فلاحية لأب من متوسطي ملكية الأرض الزراعية من بلدة " الكودية" بولاية الكاف على الحدود مع ولاية سليانة في مناطق الشمال الغربي المعروفة كالداخل التونسي في الوسط والجنوب بأنها الأفقر والأكثر تهميشا. يقول عن والده :" كان من أعيان الجهة .. (شيخ تراب) أي عمدة بلغة اليوم. يحظي باحترام وحب الناس، لم يكن زيتونيا (من ابناء التعليم الديني بجامع الزيتونه المعمور) و لم يكن متعلما، ولذا كان يستعين بمن يكتب بدلا عنه". وإلى سنوات الجامعة بكلية الحقوق بالعاصمة يعود لقب "لينين" ملتصقا بالرجل حتى اليوم (رضا لينين)، و حيث انتمى الى طلاب واحد من أبرز التنظيمات الماركسية اليسارية بتونس.. (الوطد) أي حزب  الوطنيين الديمقراطيين الموحد. كما كان بين هياكل اتحاد طلبة تونس اليساري، وتحديدا في " فيدراية الحقوق". 

التحق بالجامعة في عام 1977 أي قبل أشهر معدودة من الصدام العنيف بين سلطة بورقيبة واتحاد الشغل واحداث 26 يناير /جانفي  1978 المسمى بـ" الخميس الأسود". ويخبرني أنه ظل طالبا وناشطا بالجامعة حتى تخرج في عام 1991. ويقول ضاحكا :"بقيت 10 سنوات في العام الدراسي الأخير ارسب عاما تلو آخر لانشغالي بالسياسة". وهذا على خلاف حال زميله الطالب المجتهد بكلية الحقوق "قيس سعيد". ومع هذا فإن "رضا" لم يتعرض للاعتقال إلا لساعات أو أيام معدودة. وكما يخبرني: "كلها كانت ايقافات مع أحداث في الشارع أيام الطلبة" . وبعد التخرج عمل بالتدريس بالتعليم الثانوي، ويقول :"توقفت عن السياسة تقريبا في فترة حكم (بن علي). وتحديدا انطلاقا من عقد التسعينيات. واقتصر نشاطي العام على بعض الكتابات والاشتراك في تأسيس نقابة لمتفقدي التعليم الثانوي حوالي عام 2005 داخل اتحاد الشغل، وكنت كاتبا عاما مساعدا لها مكلف بالانخراطات (العضوية) والمالية".

وعندما أسأله كيف ينظر اليوم إلى اليسار و(الوطد)، يجيب:" المنظومة العامة (للوطد) لم تعد صالحة لاستيعات المتطلبات الفكرية والعملية لتونس ما بعد ثورة 2011". والرجل كما التقيته لا يفضل وبدون نفور أو حدة مناداته بلقب "لينين". ينبهني قائلا:"لم اختر هذا اللقب. هذا ليس خياري على الرغم من إعجابي وإهتمامي بكل ما كتب زعيم الثورة الروسية. وحقيقة لا استنكف لقب ( لينين)، ويشرفني أن اقترن به. هو جزء من تكويني وفكري في زمن ما، لكنني افضل (رضا المكي) لأنه إبن البيئة التونسية بما لها من خصائص وارتباطات بالفكر الكوني الإنساني". ومع هذا لا يستنكف "رضا" الاستشهاد بعبارات لماركس خلال حوارنا، بما في ذلك عن الحاجة للانتقال من تفسير الخرافة للتاريخ إلى تحليل التاريخ للخرافة وأن يخضعها للعلم. 

وأعود لأسأله مباشرة: هل تعتقد بأنك مازلت يساريا؟ وبأي معني؟ ، فيجيب: "المسألة لا تتعلق بهل مازلت يساريا؟.بل هي هل لليسار واليمين معنى الآن؟، وهل هناك معنى لهذه التصنيفات اليوم؟. العصر تجاوز هذه التصنيفات التي تنتمي الى الجغرافيا السياسية وكأنها بمثابة تحديد مواقع على رقعة شطرنج. وما يحدد الانتماء السياسي اليوم هو التاريخ الإنساني والعلم والمعرفة والقيم ونبل الأخلاق. وهذه عناصر مهمة مشتركة تحدد هوية الإنسان في علاقته بالأحداث بصفة عامة".  أما عن علاقته بـ( الوطد) عندما سألته متى انتهت، فيقول :"بين الانتهاء واليوم هناك قصص، ولا يوجد زمن محدد. هنا صيرورة لإعادة النظر وتجديد القراءة وإخضاع الذات نفسها لمسارات التغيير الإنساني ولما يدور حولنا من متغيرات. وعلينا أن ندرك هذا بكل شجاعة ودون عناد أو مكابرة".

اليسار وبيان قوى تونس الثورة 2011

ومع هذا فعندما يستعيد خلال حوارنا مناسبة إطلاقه مبادرة تحت عنوان وبيان  "قوى تونس الثورة" على مواقع  التواصل الاجتماعي بعد أيام من فرار الرئيس المخلوع "بن على" في 14 يناير /جانفي 2011 يقول:"البيان سعي لطرح  الاستحقاقات الجديدة بعد الثورة. وكان لابد أن نفتح حوارا حول جدوى التوقيع بعنوان (الوطد). وقتها كنت معه كمناضل وطني ديمقراطي.لكنني كنت بالفعل قد فكرت في التغيير والمراجعات منذ زمن. وأصبح التوقيع باسم (الوطد) غير مناسب. وهذا لأن البيان يتجاوزه. وعلى الرغم من كل هذا فإن من كتب البيان وتناقش حوله بداية كانوا من عناصر (الوطد) سابقا. لكن محتوى البيان يتجاوز السقف السياسي والفكري له. لذا كان لابد من البحث عن عنوان جديد لتوقيع البيان، فجاء (قوى تونس الحرة). ولاحقا ظهرت أفكار البيان في نصوص أخرى كثيرة. لم يكن الأمر وليد تنظيم، وقد تحول الى حركة  ميدانية حرة من أي تنظيمات. حركة جاء إليها من اطلع على البيان ومن لم يطلع. ومن هذا المزج تشكلت إجمالا القاعدة الميدانية للتحرك إلى حين دخول قيس سعيد المشهد كمرشح لرئاسة الدولة. وهذه مرحلة جديدا لا تتماهى كليا بالضرورة مع مقولات (قوى تونس الحرة). مرحلة لاتستند بالضرورة إلى أفكار بيانها، وبخاصة فكرة البناء من أسفل إلى أعلى".

لكن فكرة البناء من أسفل تلك محل انتقادات وتشبيه بأنها هي بذاتها "المجالسية" أو على غرار "اللجان الشعبية للعقيد معمر القذافي". وهنا يدافع " رضا المكي " قائلا:" ليس هذا ما ندعو إليه. مفهوم المجالس جرى اطلاقه علينا بقصد الإساءة أو جراء عدم بذل الجهد الكافي للفهم". واستوضحه، فيضيف:"نحن نطرح حكما محليا ينطلق من القاعدة ليمر بالمجالس الجهوية فالمجلس التشريعي، أما المجالسية فقد أقيمت على القطاعات والشمولية والإجحاف بالسلطات التشريعية والتنفيذية".  

 وأسأله عن مدى تفاعله شخصيا مع حركات وأفكار اليسار العالمي الجديدة، علما بأن تونس بعد الثورة استضافت مرتين المنتدى الاجتماعي العالمي لمناهضة العولمة 13 و 2015 في سابقة لم يعرفها بلد عربي آخر (1) ، فيقول "رضا":"لم أحضر مؤتمرات مناهضة العولمة. لكني قرأت الكثير عن الأشكال الجديدة للتظاهر والتنظيم في العالم. وربما الأهم هنا هو ما فيها من بداية التخلي عن الوسائط التقليدية والموغلة في المركزية.

"رضا" الثوري و"قيس" المحافظ 

ثمة مفارقة أخرى لافتة، فيما وصلت إليه علاقة "رضا" و"قيس"(2). هي مفارقة لا تقتصر على طبيعة كل منهما المختلفة أثناء سنوات دراسة الحقوق بالجامعة. فالأول ثوري ويساري والثاني محافظ وقانوني، أو هكذا من حيث ظاهر الأمور. وهنا يروى لي " المكي" الشهير بـ " لينين":" عندما كنا في الجامعة كنت اسبقه عمرا بعامين، وجمعتنا صداقة واحترام متبادل. ولست شاهدا على ماضيه، لكني أيضا لا أذكر أنه كان ناشطا سياسيا أو له اهتمام بالسياسة. وما أعلمه اليوم أنه جاء بقوة للحياة السياسية مع اعتصام (القصبة 2) بعد الثورة نهاية فبراير 2011. ومع هذا فقد كانت له كتابات لافته في القانون الدستوري حول انظمة الدولة وعن الاقتراع اعتبارا من عام الثورة هذا. وقد اتضح أنه مهموم وشغوف جدا بمصير الثورة التونسية، وأنه نزع عن نفسه جلباب الأستاذ الأكاديمي، وخاض التجربة الميدانيه مع الشباب من الجنسين، وجاب البلاد دفاعا عن رؤيته التي يقدمها الآن في شكل مشروع يجمعنا. أقصد مشروع اعادة بناء الدولة من الأسفل إلى الأعلى. وهنا أقول أنني اعدت اكتشافه على مستوى الفكرة والحركة الميدانية. وفي تلك المسافة التقينا مجددا". 

 ويضيف:"قيس سعيد ليس كلاسيكيا تقليديا. فالكلاسيكي هو من يؤمن بالنماذج والقوالب ويقدس المصطلحات والمفاهيم، ولا يريد اعادة النظر فيها. ما اكتشفته أن قيس سعيد عكس كل هذا تماما، وأنه يلعب دورا فاعلا وليس مفعولا به. ومع أنه رجل قانون إلا أنه مسكون بالحس الاجتماعي وبدولة المرفق العام بشرط دمج الاستحقاقين الديمقراطي والاجتماعي". وأعود وأسأله عن مسافة الاختلاف بينه وبين قيس سعيد فيقول:"ربما أكون مختلفا معه في بعض الأمور. وهذا طبيعي. فكيف يمكن ان تتمتع بالحياة دون أن تكون مختلفا؟، وكيف يمكنك أن تتذوق كنهها دون الاختلاف؟. بالطبع لسنا واحد، والخطير أن نكون واحدا".

و"رضا المكي" عمل بالبحرين لنحو سبع سنوات قبل ان يعود إلى تونس نهائيا عام 2018 . ووفق ما يخبرني به فقد ظل على لقاءات واتصالات مستمرة مع  "قيس سعيد "، وبخاصة عندما يعود إلى بلاده تونس في العطلات السنوية. ويقول:" ظللنا نتحدث ونفكر في تجذير فكرة البناء من أسفل والخوض في تفاصيلها الإجرائية. وعندما عدت نهائيا في 2018 تكثفت الاتصالات واللقاءات بيننا، وكان في تلك اللحظة قد اعرب عن رغبته في الترشح للرئاسة. وحظيت الفكرة بدعم من جهات شبابية واسعة". 

كيف تكسب انتخابات الرئاسة بمتطوعين وبأقل تكلفة؟

في كلمة أداء اليمين أمام البرلمان 23 أكتوبر 2019 وصف الرئيس "قيس سعيد" يوم الاقتراع في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية قبلها بعشرة أيام بأنه "ارتفاع شاهق في التاريخ وثورة حقيقية بأدوات الشرعية. وكان بإمكاني حينها أن ألمس لدي العديد من المواطنين العاديين بتونس تفاؤلا بتغيير قادم وبالمستقبل. وهو أمر لا يمكن التيقن من الثقة بتحقيقه حتى اليوم، وإن كان ماهو مؤكد أن حملة سعيد الانتخابية حققت نجاحا لافتا ومميزا. ولمزيد الفهم لخصائص هذه الحملة النادرة في سياقنا العربي، استفهمت من "رضا المكي" بوصفه أبرز عواملها ولامحيها و وجوهها ، فقال :"لا أحد في هذه الحملة كان مديرا لها أو يشغل خطة (منصبا) بها. فكافة المهام لا تفاضل بينها وبين أهميتها، وكافة المشاركين في الحملة لا تفاضل بينهم. وهم جميعا بلا مراتب أو تراتبية. ولقد كان علينا أن نلتزم وبدقة متناهية بالقانون والآجال، فلم نبدأها قبل المواعيد المقررة. كما كان عليناأن نجمع 10 آلاف تزكية نظيفة لمرشح مستقل وبدون اخلالات أو تدليس. واخترنا للحملة نوعا جديدا من التنظيمات المفتوحة والقائمة تماما على متطوعين وبخاصة من الشباب. ولقد تضاعفت أعداد المشاركين في الحملة بتزايد الرغبة في التطوع وادراك كنهه وجوهره. وبالفعل فإن قوام الحملة هو التطوع بكل ما في الكلمة من معنى. فلا يوجد رئيس ومرؤوس ولا مدير وإدارة. إنما تنسيق وتنسيقيات، وعلى المستوى الجهوي. وبداخل هذا المستوى هناك مستويات محلية، والتنافس بين افرادها يقوم على القدرة على جمع أكبر عدد من التزكيات".

  وأضاف :"حقق هذا الشكل من العمل نتائج مبهرة. شباب الحملة بذلوا جهودا مضنية وتنقلوا بكافة الوسائل، بما في ذلك الدواب إلى المناطق الجبلية والغابات، وجمعوا التزكيات من كل الفئات، بما في ذلك من ذوي الاحتياجات الخاصة. حقا كان أمرا عظيما. تجاوزنا 30 ألف تزكية في أقل من أسبوعين، ومن مختلف القرى والمدن وبنوع من التوازن النسبي. وهذا العدد من التزكيات لم تحققه أعتى الماكينات الانتخابية و أقوى الأجهزة و أوفر الأموال هنا بتونس. وتقدمنا بالثلاثين ألف تزكية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتبقت لدينا آلاف أخرى ورقية لم نتمكن بفعل ضغط الوقت من تسجيلها إلكترونيا والتقدم بها للهيئة. وما أشدد عليه هنا أن الأستاذ قيس سعيد كان الأكثر حرصا على إتلاف التزكيات التي يشوبها أي شك، وبلغت المئات".

 وأسأل: كيف تطورت الحملة بعد ذلك؟، وهل نشأت التنسيقيات لاحقا؟، فيجيب:"التنسيقيات نشأت لجمع التزكيات، وتطورت هي نفسها لاحقا إلى إدارة الحملات التفسيرية للفكرة/ المشروع أثناء الجولة الأولى للانتخابات فالثانية. وما يلفت الإنتباه أنه كلما كان قيس سعيد يتجه الى ولاية (محافظة) لزيارتها تنضم الي تنسيقيتها تنسيقيات أخرى لولايات مجاورة. وهذا لسببين: الأول المشاركة في الحملة وتعزيزها.. والثاني هو قراءتها لتطويرها مع الزيارات المقبلة للولايات الأخرى. وهنا ظهرت المنافسة من أجل الفعل الأفضل، وليس تلك المنافسة المبنية على الربح والخسارة. إذن هي منافسة مبنية على قاعدة أن كلنا رابحون. وهي من أجل الأحسن، وليس من أجل ان اقضى على من اتنافس معه. ومن نتائج هذه الحالة أن انخفض منسوب الشعور بالتعب والإرهاق والتشنج (التوتر)، وزادت الأريحية والشعور بالسعادة وكذا الطمأنينة".

 ليل 13 اكتوبر 2019، وفي اطلالته الأولى أمام الصحفيين بفندق بشارع فرنسا بوسط العاصمة وبعدما اتضح تقدمه الساحق وبما يفوق 70 في المائة على منافسه "نبيل القروي" رجل الأعمال رئيس حزب " قلب تونس" وصاحب قناة " نسمة" التلفزيونية الفضائية، أشار" قيس سعيد " إلى ان حملته الانتخابية بأحدى الولايات تكلفت أقل من 40 دينارا تونسيا (الدولار الأمريكي نحو 3 دنانير). وهنا يفسر لنا "رضا" قائلا:" من نتائج طبيعة حملتنا واستخلاصاتها أن المال لم يكن إلا وسيطا بسيطا ولم يشكل عبئا، فيما صرف غيرنا مئات أضعاف ما صرفنا نحن". وأعود لأسأل: كم في تقديره اجمالي ما تكلفت الحملة؟، فيجيب :" بضع آلاف من الدنانير جراء الاعتماد على المبادرات التطوعية. وعلى سبيل المثال إذا تطلب الأمر سيارة لمدة عشرين يوما، فإن الأربعة اشخاص المسئولين عن السيارة يتكفلون بنفقاتها من بنزين وإصلاح اعطال و مخالفات مرورية.  كما أن كلمايتعلق بالطباعة يأتي مباشرة من مساهمات بسيطة، و مع تحديد سقف محدود للتبرعات. وبالفعل رفضت الحملة كل التبرعات المعروضة عليها من رجال أعمال أو غيرهم، كما رفضت حصة التمويل العمومي. فالحملة قام بتمويلها المشاركون فيها بالجهد والعمل وفقط. وهكذا أردنا أن نسطر جديدا في تاريخ هذا البلد لعله يكون طريقا للإنسانية".

والكلمات السابقة تترجم مالفت انتباه من تجول في انحاء العاصمة تونس مع  ذروة حملات المرشحين الرئاسيين خلال اليوم السابق للصمت الانتخابي 11 أكتوبر 2019. فهو لا بد و لاحظ غياب المعلقات العملاقة للمرشح "قيس سعيد" وتواضع مطبوعاته الدعائية مقارنة بمنافسيه في الجولة الأولى ومنافسه في الجولة الثانية الحاسمة "القروي". 

الشباب يشارك.. كيف ولماذا؟

لكن كيف اجتذبت حملة "قيس سعيد" كل هؤلاء الشباب الذي كان بالإمكان ملاحظة حضوره اللافت كمراقبين يمثلونه في مكاتب الاقتراع ومن قبلها في فعالية الحملة الأخيرة الأهم بشارع الحبيب بورقيبة مساء 11 أكتوبر هذا نفسه ؟. يجيب "رضا المكي": "هناك مقدمة لا بد من المرور بها أولا قبل الإجابة. واقصد تحديد معنى الشعب. في زمن حركات التحرر الوطني خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت الكلمة تعني القوى التي شاركت في التحرر، واصطبغت بها هذه الحركات التحررية في مواجهة هيمنة الأجنبي و لإخراج المعتدي الغازي من البلاد. وهكذا اكتسبت الكلمة هذه الصفة و شكلت منها شعبا. لكن بعد الاستقلال وبمرور عشرات السنين رجعنا إلى اشكالية تحديد مفهوم الشعب. لم يعد لدينا مشكلة مع فرنسا كمعتدية. ولم يعد يتحدد مفهوم الشعب في مواجهة معتد غاز مباشر. فهم يقومون بغزونا اليوم بأشكال أخرى. واصبحت هناك محاولة لتحديد المفهوم انطلاقا من الانتماء الاجتماعي والوزن الاقتصادي. فقراء و متوسطو الحال وبورجوازيون صغار وأصناف أخرى تتعلق بتحديد المفهوم اليوم".

 ويقول:" الآن نحن أمام عصر جديد بدأ تقريبا مع ثمانينات القرن العشرين. وتتلخص أبرز سماته في تحول نمط الإنتاج الرأسمالي من المنافسة إلى الاحتكار، وتحول الاحتكار إلى احتكار الأقوى، و حيث يوجد 12 أو 13 كارتل تحدد مصير العالم. وهكذا تجاوزنا فكرة الإمبريالية بمعني تصدير الأموال واكتساح الأسواق كأعلى مراحل الرأسمالية كما كان يقول لينين. إذن تشكلت سوق عالمية تخضع لقوة الاحتكار العالمي. وهنا فكرة ثانية تتعلق بتأثير هذا النوع من الاحتكار على الدولة.. أي بداية انهيار الدولة وتحولها من فكرة وخيال مواطني وشأن عام ومصالح موضوعية إلى جسم غريب ليس إلا. هو الجسم الأقوى ماديا  أو في خدمة الأقوى ماليا بوسائل الدولة الكلاسيكية من قانون وسجون وعساكر إلى آخره. أي أن اجهزة العنف الشرعية تتحول إلى خدمة المصالح المالية الاحتكارية العظمي. وهذا ما توقعه ماركس تحت مصطلح ( الجسم الغريب) في كتابه (المسألة اليهودية). والمقصود أن يتحول المال إلى رب الأعمال والكون. وثمة فكرة ثالثة في جديد الفكر السياسي تتعلق هذه المرة بأفول المركزية. وهذا إلى جانب ظواهر من قبيل ازدياد الفقر والمرض والتهميش وإبادة الطبيعة حتى اصبحت الكرة الأرضية في خطر بفضل الاحتكار المالي".

 وما صلة كل هذا بالشباب؟، هنا يجيب قائلا:" كل هذا انتج قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت. وهي جحافل الشباب المتعلم المدرك المسيطر على أدوات العصر من تكنولوجيا الإتصال. وهذا من ناحية. ومن ناحية أخرى المهمش المدفوع إلى الفقر والبطالة والمخدرات والآفات. وهذه هي القنبلة القابلة للانفجار في أي وقت. وذلك لأنها جامعة لمتناقضين، وهما: الوعي والمعاناة. وعلى هذا يتأسس مفهوم جديد للشعب. وفي هذا السياق فإن الحامل هو الشباب والمحمول هو الوعي. وهذا الوعي هو ما سيحدد كافة اشكال التغيير الاجتماعي .. أي أن كل تغيير مفيد ومستمر مرتبط بالوعي وبتشكل الشعب. وهذا ما حدث انطلاقا من تونس وما يحدث في العالم. هذا مايجرى الآن في العراق ولبنان والجزائر والعراق وغيرها. وكلها حركات شبابية أو حركات وعي شبابي. فالشباب مدرك أكثر من النخبة، وليس رد فعل. إنه كما يتضح لي شباب واع يخترق كافة النخب الإعلامية والثقافية والسياسية. يفجر هذه النخب المغلقة على ذاتها ومن الداخل، بعدما كانت تصنع لنفسها قوانين الانتماء إليها والخروج منها، وترسخ كون أن من يخرج منها يصبح مارقا".

 ويضيف:" حقا.. هذا الشاب لم يعد يكترث بهذه النخب، وعنده الوعي. انظر لما يجرى في شوارع تونس اليوم ، فمن يرغب في أن يشتري جيتارا و يمارس الفن يفعل. كذلك من يريد أن يتحول إلى رسام يشتري أدواته ويرسم على جدران المدينة. وهذا ما يجرى في تونس وغيرها. حقا فإن الشاب لو اقتحم عالم السياسة سيفجر وسائطها القديمة وقوانينها الردعية وتكاسلها الفكري، وسيبني على أفكار جديدة ويبتدع آليات جديدة، وسيترك الألوان السياسية والثقافية والهوياتيه إلى النخب القديمة، وسيكتشف لونا جديدا وهو أن (الشعب لا لون له)، وأن رمز الشعب هو وعيه، وأن حامل الوعي هو الشباب. وهذا ما أدركه الأستاذ قيس سعيد ومن  معه. وهذا بالضبط ما جلب إلى حملته جموع الشباب".

 غالبية من التقيت من شباب حملة "قيس سعيد" وصفوا انفسهم بأنهم "مستقلون". وابلغني الكثيرون بأنهم ينخرطون في الفعل السياسي للمرة الأولى. ومع هذا فقد صادفتني في المركز الانتخابي بنهج قليبيا / حي باب الخضراء في الجولة الثانية للرئاسة "سرايا السعيدي"( 38 سنة)، واخبرتني بدورها بأنها كانت في الانتخابات الرئاسية السابقة 2014 تمثل "الباجي قايد السبسي" ومنخرطة في حزب "نداء تونس". أوضحت  لي حينها: " كنت مقتنعه بالسبسي لأنه امتداد لبورقيبة، لكن طريقة تفكير قيس سعيد والمشكلات في حزب النداء جعلتني أراجع نفسي. واصبحت مع أن ابادر لا  أن أنتظر الحكومة. وهذا هو التغيير". وأسأل "رضا" عن طبيعة الشباب الذي جاء الى حملة "قيس سعيد"، فيجيب:"القليل كان ينتمي إلى أحزاب وغادرها بعدما شعر بالاحباط. لكن الجزء الأكبر لم يدخل الأحزاب أصلا. بل لم يمارس السياسة ولم ينتخب من قبل. وبالطبع هناك من هو مهتم بالسياسة، لكن من مواقع مستقلة. وهذه الروافد الثلاثة ادركتها حملة قيس سعيد التفسيرية".

 حضور أعلام فلسطين وقضيتها في حملة "قيس سعيد" وخطابه الذي يجرم التطبيع ويعتبره "خيانة" كان لافتا في تونس انتخابات رئاسة 2019. و إلى جانب هذا الحضور الطاغي الواضح استمع المراقبون إلى أقاويل غير مؤكدة عن صلة ما بين حملته وبين إيران. والمعروف أن سعيد لم يكن أبدا المرشح المفضل عند من يطلق عليهم "أعداء الربيع العربي" كحكام وحكومات الإمارات والسعودية ومصر وما تتوافر عليه من إمكانات اعلامية إقليمية عابرة للحدود. ولعل الظل البعيد لإيران يتمثل في أن نفرا محدودا جدا من شباب حملة "قيس سعيد" ينتمون إلى جمعية للشيعة بتونس.  ولذا أسأل " رضا المكي" فيجيب قائلا:" الشارع في تونس غير مهتم بما يقال عن إيران. وهذا كلام جهات لها مصلحة في عدم تولي قيس سعيد للرئاسة. حقا لا دخل للشارع في هذا الكلام. وأؤكد أنه لاوجود في حملتنا لشئ اسمه إيران".   

حملة "تفسيرية" بأي مضمون ومستقبل؟

وماذا تعني حملة تفسيرية من حيث المضمون والشكل؟..

 يقول "رضا المكي": "لا وجود لحملة انتخابية. الأستاذ قيس لم يقل أبدا هذا مشروعي الانتخابي ولم يقدم وعودا انتخابية. والحملة التفسيرية قامت على (بيان للشعب التونسي). و البيان بدوره موجه للناخب وغير الناخب استنادا إلى شعار مركزي هو (الشعب يريد)". 

و لقد قيل الكثير عن غموض "قيس سعيد" وافتقاده الى برنامج . لكني تابعت الرجل على مدى سنوات وحضرت العديد من الندوات التي شارك فيها، كما التقيته وحاورته لنحو الساعتين يوم 21 سبتمبر2017 (3)، و اعلم بأن لديه مشروعا وأفكارا منذ سنوات، وقبل الإعلان عن رغبته الترشح أو انخراطه في أي عمل سياسي. وهذا المشروع وهذه الأفكار التي تبدو للبعض مثالية طوباوية ولدت وظهرت للعلن بعد الثورة، واخرجته من شرنقة الأكاديمي إلى رحاب التبشير بها  في المجال العام والتفاعل مع الشباب من دون الانخراط في اللعبة السياسية المؤسسية أو اهدار الطاقة والهيبة في "بلاتوهات" برامج العراك التلفزيوني المسماة بـ "التوك شو". ولقد ترجمت حملته للانتخابات الرئاسية هذا المشروع وهذه الأفكار في "بيان إلى الشعب التونسي " الذي أشار اليه "رضا لينين".وهو بيان يستعيد شعار الثورة "الشعب يريد" . وقد تضمن العبارات المفتاحية التالية: "كرامة الوطن وحريته من كرامة وحرية مواطنيه ومواطناته"، و"لن يكون الاتصال بكم بحملة تبيع الأوهام الكاذبة والوعود الزائفة"، و"السبيل للتعبير عن ارادتكم الحقيقية هو اعادة البناء من القاعدة من المحلي نحو المركز".

وشرح قيس سعيد مشروعه مبشرا بفكر سياسي جديد يتجاوز الديمقراطية التمثيلية الى الديمقراطية التشاركية، وذلك عبر انتخاب ممثلين عن المحليات والجهويات والدفع بهم الى البرلمان، مع حق الناخبين في رقابة متصلة على ممثليهم و سحب الثقة منهم والتقدم بمبادرات تشريعية. ولعل في هذا المنطق ما يتصادم يقينا مع مصالح نخبة سياسية وحزبية متنفذة في بلاده. كما يتضمن "بيان إلى الشعب التونسي" انحيازا لدولة الرعاية الاجتماعية المسئولة والملتزمة تجاه كافة مواطنيها. وهنا نص على :"أن تستعيد الدولة دورها الاجتماعي في كل القطاعات انطلاقا من الصحة والتعليم والضمان (التأمين الاجتماعي) وصولا الى كل القطاعات الأخرى من الطفولة والشباب والمرأة والمسنين والمتقاعدين والمهاجرين .والمرافق العمومية على وجه الاجمال (المقصود من خدمات الكهرباء والمياه والنقل وغيرها) لا يجب ان تخضع لمعايير الربح ومقاييس السوق والتجارة، لأن حقوق المواطن، بل وحقوق الإنسان ليست بضاعة أو أسهما تتقاذفها قوانين العرض والطلب". وفي هذا ما يستعدى اصحاب القرار والمصالح الرأسمالية في فرنسا والولايات المتحدة والغرب عموما، ويصطدم مع إكراهات الصندوق والبنك الدوليين على تونس بمقتضى اتفاقات الإقراض المبرمة، ومعها ما يسمي بـ " الاصلاحات الهيكلية الضرورية" للاقتصاد التونسي.

وأعود لأسأل "رضا المكي" المزيد من الإيضاح، فيجيب:"ما مشروع قيس سعيد إلا مجرد عرض للآليات القانونية والأخلاقية والدستورية اللازمة ليمتلك الشعب القدرة على إتخاذ القرار.. أي أن يقرر الشعب وبواسطة الاختيار الحر والرقابة الفعلية والاقتراع على الافراد وليس القائمات (كما  هو معمول في الانتخابات التشريعية بتونس قبل ثورة  2011 وبعدها) وبالرقابة الفعلية وسحب الوكالة بمعنى الأمانة التي لم يحسن حملها. وبهذا استطاع قيس أن يجمع في حملته وبين مؤيديه من تلبس الخمار والحجاب وغير المحجبة وبين النساء والرجال، ولم تعد الهوية سببا للانتماء لمشروع سياسي. وهذه بحق سر سعادة التونسيين بهذا المشروع". ويضيف :"مشروع قيس سعيد به مرحلتان: الأولى هي الوصول إلى سدة رئاسة الدولة على قاعدة المشروع سابق الذكر.. والمرحلة الثانية هي تحول التنسيقيات من جمع التزكيات والمشاركة في الحملة التفسيرية للمرشح الرئاسي قيس إلى تطوير فكرة المشروع بالبناء من أسفل إلى أعلى والتفكير في تفاصيل آلياته واجراءاته أنجع المسالك لتحقيقه".

في أعقاب فوز "قيس سعيد" بالرئاسة التقيت عددا  من شباب حملته للنقاش حول المستقبل. وحينها غلبت سكرة النصر والتفاؤل بالمستقبل، وإن قال لي "يحيى محمد" عضو الحملة بمدينة تونس أن الشباب يفكرون في اطلاق حركة بلاتنظيم. كما استبعد أن يؤسسوا حزبا أو يتجهوا إلى "المأسسة". وهنا يخبرني "رضا" بتمنياته قائلا: " التنسيقيات التي ولدت مع الحملة أمامها مهام متجددة. الرئيس قيس سعيد سيشتغل على مشروعه الفكري السياسي كرئيس وفي علاقته بالبرلمان وبقية السلطات، في حين يواصل الشباب عبر تنسيقياتهم وبمبادراتهم على المستويات الجهوية والمحلية وضع الآليات والتفاصيل وفتح الحوارات على أوسع نطاق لإشراك الناس وتدقيق المضامين التي مازالت غير مدققه مثل الإقتراع على الأفراد وغيرها". ويضيف: "الحملة لن تتطور إلى أحزاب أو حركات. فهي بذاتها حركة وجهاز يحتاج ربما أكثر الى تنسيق وطني. وربما نفكر في تنسيقية وطنية (تنسيقية على المستوى الوطني). وكما يقال في كرة القدم: لا تغير فريقا انتصر وأسلوب لعب حقق الفوز".

 وأسأل: هل يلجأ هؤلاء الشباب إلى الضغط في الشارع عبر التظاهر والاعتصام لدفع مشروع قيس سعيد عند البرلمان المكون أساسا من أحزاب وكتل حزبية (4)ومركز الثقل في نظام الدولة بمقتضى دستور 2014؟، فيجيب: "كل الحركات شريطة أن تبقى في إطارها السلمي وتتجنب الصدام .أما البرلمانيون وبقية السلطات فعليهم ألا يختاروا العناد والمكابرة. يجب أعلاء الموضوعية والمصلحة العامة وحماية المرفق العام كشرط أساسي للتغيير الفعلي، وتحسين مستوى عيش التونسيين واسترجاع كرامتهم، والمساهمة بالفعل في نشر هذه الثقافة الجديدة.. ثقافة الشرف والعزة".

عن معاداة الأحزاب والحزبية

ولأن العالم العربي في ظل ما يسمى بـ "الدولة الوطنية بعد الاستقلال" ظل بلا حياة حزبية حرة تعددية فاعلة ويعاني في معظمه من "استبدادات" تجهض بالأصل ممارسة السياسة والحزبية غير الملحقة بسلطة الدولة وأجهزة أمنها وكما كان عليه الحال في تونس ذاتها قبل ثورة 2011، فقد سألت " رضا المكي" عن الآثار السلبية لدعاية معادية للأحزاب والحزبية مع صعود "قيس سعيد" كمرشح مستقل يحمل مشروعا على هذا النحو. وهنا يقول:" جماعة الأحزاب فقط هم القلقون. أما الشعب فغير منزعج. وهذا لأنه عبر في كثير من الأحيان عن فشل الحزبية بصفة عامة.  وهذا الفشل ناتج عن مآلاتها التاريخية. مستقبل العمل السياسي ستكون فيه الأحزاب أضعف مما هي عليه الآن. وهذه ظاهرة عالمية إنسانية. لننظر إلى فرنسا مثلا.. الحزب الاشتراكي بصدد بيع مقراته وحزب ديجول تشتت وتشظى". وأعود لأواجهه بمخاطر معاداة الحزبية على حياة سياسية تعددية حرة ناشئة في بلاده تونس، فيجيب: " ليس هناك معاداة أو كراهية للأحزاب. وهم يعلمون أننا لانكره ولا نعادي. لكنها هي صيرورة فكرية تاريخية. البعض تنبه إليها، والبعض في طريق الانتباه،وآخرون يكابرون".

 ولأن الحزب الأكبر في البرلمان (النهضة 52 من اجمالي 217 نائبا) اعلن تأييده لقيس سعيد مع الجولة الثانية الحاسمة من انتخابات الرئاسة بعدما كان له مرشحه في الجولة الأولى (عبد الفتاح مورو) ولأن السؤال الذي يتردد في مصر والمشرق العربي  ـ وإن كان عن ظن خائب و جهل فاضح ـ هل قيس سعيد "إخوانيا ، فقد سألت " رضا المكي" عن علاقة سعيد بهذا الحزب، فقال: "أعلم أن قيس سعيد يقف على مسافة واحدة من كافة الأحزاب. ولا معني أن يخص حزب النهضة بغير ما يتعامل به مع الجميع. وهو الذي قال : أنا مستقل وسأموت مستقلا. وهو ليس عنده حزب قريب أو حزب أبعد من آخر. إذن المشترك في كافة حواراته مع الأحزاب هو المصلحة العامة وتحقيقها، وتجنب سقوط الأحزاب في مصالحها الخاصة والفئوية قدر الإمكان".

مخاطر "الرئيس القوي"

وأعود لأسأله عن معاناة العرب تاريخيا من تغول "الرئيس القوي" ممثلا في رئيس جمهورية أو ملك أو أمير وعن مخاطر إضعاف الحزبية والمؤسسية، فيقول:" العرب عانوا نوعين من الرؤساء وليس من الرئيس القوى. فمن جهة هناك (الرئيس المستبد) الذي يختطف أجهزة الدولة لفائدة حزبه وجماعته وأصدقائه وعائلته. ومن جهة ثانية هناك (الرئيس الضعيف) القابل لأن يكون صورة ليس إلا. وهذا ما عانيناه في تونس مع الرئيس المنصف المرزوقي (بين 12 و2014 والمنتخب من المجلس التأسيسي بعد الثورة). لكننا الآن أمام رئيس (قيس سعيد ) منتخب مباشرة من الشعب التونسي بشرعية نحو 73 في المائة. هو وصل بشرعية حقيقية ولا تشوبها شائبة وعبر انتخابات شفافة. وهذا على خلاف السياق الاستبدادي. وبالتالي فإن الشعب الذي صنع منه رئيسا هو نفسه الذي سيراقبه". وأجادله بمخاوف أن يتحول "قيس سعيد" مستقبلا إلى رئيس مستبد، فيتعجل الإجابة قائلا: "لا مخاوف أبدا ..هو جاء بانتخاب واختيار حر.  والإنسان الحر يحتفظ دائما بحقه في الحرية، ويرفض أي نوعمن الاستبداد. فلا خوف ولا يحزنون".

 وأطرح عليه مع كل ما لمسته بتونس في أكتوبر 2019 من أمل بين المواطنين العاديين إزاء صعود "قيس سعيد" احتمال ألا يأتي الرجل بجديد في ظل نظام شبه برلماني ونظام انتخابي يكرس التعددية الحزبية ومع الأخذ في الاعتبار أن تغيير الدستور بمبادرة من رئيس الجمهورية لا بد وأن يمر بموافقة أغلبية ثلثي النواب ( الفصل 144)، فيقول: "لا .. على المستوى الشعبي وبعد أيام من انتخاب قيس سعيد جرى رد الاعتبار للثورة، و عادت الروح إلى مبادرات العمل التضامني والتطوع والعطاء والاستعداد للتضحية من أجل تونس بدلا من ثقافة المطالبة وانتظار سلطات الدولة كي تفعل". ولعله هنا يشير إلى حملات شعبية انطلقت قبل نهاية أكتوبر لنظافة المدن والقرى والطرقات ولمقاطعة السلع ذات الأسعار المبالغ فيها. 

ويضيف :"الشباب أدرك مغزى نتائج انتخابات الرئاسة وتحرك دون وصاية من أحد وستكون له المزيد من المبادرات تفاجيء الجميع.أما على المستوى الرسمي فثمة تحولات واضحة في علاقات السلطات بعضها ببعض.أغلب الأحزاب عبرت عن نيه حسنه في التعامل مع الرئيس الجديد.وهناك من بينها (يقصد حزب حركة الشعب الناصري) طرح فكرة (حكومة الرئيس). وهو ما يعكس وعيا بجديد داخل السلطات الرسمية. وهذا مع أن قيس سعيد ليس مع هذه الفكرة، ولأنه لا وجود لها في الدستور. إذن لم يتم حشر الرئيس الجديد في الزاوية. بل الكل تقريبا يضعه في جوهر العملية السياسية. وهذا دليل على جدية وأهمية حدث وصول قيس سعيد للحكم. بل واتوقع أن تجرى قراءة مبادراته ومشروعاته المقبلة ايجابيا والاستعداد للتفاعل معها وحتى قبولها. وكذا التصويت تأييدا لها في البرلمان دون ان يكلفه هذا بناء كتله نيابية. بل واعتبر أن هناك بوادر نجاح مبكر، وفي انتظار ما هو أفضل".

 ولأن البيروقراطية في أجهزة الدولة تعمل عادة ضد التغيير وتميل للمحافظة أسأله عن كيف يتوقع تعامل بيروقراطية وموظفي قصر قرطاج الرئاسي مع رئيس جديد من نوعية "قيس سعيد" ومع مشروعه؟، فيجيب "رضا المكي":"لا يمكنني أن اطلق على الموجودين في قصر قرطاج بيروقراطية. وهذا لأنني لم اختبر ذلك، ولم أكن شاهد عيان. ولكني أعلم بقوة المنطق أن على قيس سعيد بذل الجهد من أجل حسن التموقع وادارة الخلافات التي قد تعترضه. وأنا أرى الرجل على اقتدار تام كي يتجاوز كافة الصعوبات.فهو صادق وشجاع ومؤمن". وهنا أجادله بأن الرئيس قيس بلا خبرة سياسية أو إدارية، فيسارع بالرد قائلا: "سيكتسبها". ويصمت قليلا ويقول: "إذا عرقله الساسة و البيروقراطية ـ ولا أتمنى هذا له ولمشروعه ـ فسيكون عليه اختيار الوسيلة الأنجع  للتفاعل مع مايحدث. وهو لديه كافة الحرية فيما يراه صالحا. لن أحل محله في خياراته".

عن الموجة الثانية للربيع العربي 

على حدود تونس غربا تعيش الجزائر (الموصوفة بالشقيقة الكبرى) على وقع تفاعلات"الموجة الثانية من الربيع العربي" مع السودان و العراق ولبنان في المشرق العربي. واللافت أن هذا المتغير لم يأخذ اهتماما يذكر خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية لتونس 2019، كما كان لي أن الاحظ بنفسي. وهنا سألت عن كيف ينظر "رضا المكي" إلى تأثيرات هذه الانتخابات التونسية على مجريات هذه التفاعلات العربية الإقليمية؟، فأجاب:"أنا أرى أن ما حدث في انتخابات رئاسة تونس الأخيرة سيكون مؤثرا في  المنطقة بأسرها والعالم. فالعالم تحكمه قوانين واحدة وعصر التغيير كونيا قد بدأ. لكن توقيتاته تختلف من بلد لآخر". وأعود لأطرح سؤالا عن امكانية قطع العرب مع الاستبداد والدخول الى الديمقراطية، فيقول: "العرب مجبورون على هذا، شرط أن يتم دمج المسألتين الديمقراطية والاجتماعية معا".

خارج القصر والمؤسسات

 بعد طول احتجاب إعلامي ظهر "رضا المكي " الذي مازال شهيرا بـ "رضا لينين" في حوارين لقناتين تلفزيونيتين محليتين في 9 و16 ديسمبر 2019 مع "التاسعة" و"الزيتونة" على التوالي. وحتى نشر هذا النص لم يتول الرجل منصبا أو مسئولية في قصر قرطاج أو أي مؤسسة عامة بتونس جراء دوره في الحملة الانتخابية للرئيس "قيس سعيد". وكنت قد سألته خلال حوارنا عما اذا كان قد التقى الرئيس الجديد بعد فوزه بالرئاسة، فأجاب على نحو لم تخرج عنه اقواله المماثلة لوسائل إعلام بلاده لاحقا:" قابلته مرة واحدة". وأوضح لي حينها:" كان هذا عندما زرته في منزله ولم أهاتفه بعدها. واترك له المبادرة بشأن أي لقاءات أو اتصالات قادمة. وهذا لأنه هو الرئيس، وهو من يحدد متى يكون مفيدا أن يتصل أو نلتقي". وفي حواراته الصحفية اللاحقة لم يتحول " رضا" أبدا عن مديح خصال "قيس سعيد". وعندما سألته حين حوارنا:هل عرض عليكم الرئيس منصبا في قصر قرطاج أو خارجه؟ وهل تقبل لو عرض؟، أجاب :"مبدئيا أنا على ذمة (تحت تصرف وأمر) الأستاذ قيس، ومن أجل تقديم العون. لكنني احتفظ لنفسي بالمكان الذي أرى أنه اكثر نفعا لمشروعنا. إذن من حقي أن أفكر في كل عرض. لكن بالضرورة هذا لايعني القبول. وفي كل الأحوال أنا على ذمته من حيث تقديم النصح. ولو تم عرض منصب في الرئاسة سأفكر من جهة فائدته للمشروع". 

وينفي " رضا " عندما أعود لأسأل: هل عرض عليك منصبا؟.

وهكذا بكلمة واحدة ليس إلا هي:"لا". 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاوره في تونس : كارم يحيى (*)

(*) كاتب صحفي من مصر متخصص في الشئون التونسية.صدرت له مجموعة كتب عن الثورة ومشكلات الانتقال إلى الديمقراطية بتونس.

(1) كارم يحيى، المنتدى الاجتماعي العالمي من بورتو اليجري إلى تونس:ماذا قدم؟وإلى أين يتجه،ملف بمجلة السياسة الدولية،القاهرة، العدد 201، يوليو 2015، ص 121 :133. 

(2) عن الرئيس التونسي الجديد أنظر للكاتب:بورتريه بالمصري عن قيس سعيد القادم من خارج السيستم، موقع المنصة، 16 أكتوبر 2019:

https://vww.almanassa.net/ar/story/13068

(3) حوار مع المواطن قيس سعيد ،موقع المنصة، 22 اكتوبر 2019:

https://almanassa.com/ar/story/13081

(4) تحليل لنتائج الانتخابات التشريعية بتونس 2019 ، موقع المنصة ،12 اكتوبر 2019:

https://vww.almanassa.net/ar/story/13045?fbclid=IwAR2-kKJo2J-1MUooD6uNjo-HeCylMqVhy_uvZhYkTQQydGNdAAYCLwh7hmM

اعلان