09 - 12 - 2019

الموت الأسود

الموت الأسود

يمكنك بمنتهى البساطة أن تكتب تلك الكلمة المفتاحية "الموت الأسود" على محرك البحث على شبكة الانترنت لتتبين مدى فداحة ما حدث خلال القرن الرابع عشر ميلادية، فوفقاً لموقع "ويكيبديا" قتل هذا المرض ما بين 75-430 مليون نسمة على مستوى العالم، كان لأوروبا نصيب الأسد منها ونالت مصر نصيبها أيضاً.

وعلى سيرة الأسد وإخوانه من المستبدين الذين ابتليت بهم المنطقة العربية منذ عقود الاستقلال, فعندما حانت لحظة الحقيقة من خلال الانتفاضات والثورات عام 2011، أسفر المرض العضال المتمثل فى الاستبداد عن المشاهد الكارثية الماثلة أمام أعيننا الآن,

وللعلم فإن الدول التى ضربها الموت الأسود فى القرون الوسطى احتاجت لقرون أو أكثر كى تتعافى من الآثار المدمرة.

تبدو الصورة فى جلها قاتمة وباعثة على التشاؤم واليأس، فقد جعلت ثورة المعلومات والتكنولوجيا الحديثة الخبر نعيشه لحظة بلحظة مما أسفر عن حالات كثيرة من الاكتئاب والاحباط، لكن مع ذلك فإن الجانب الإيجابى فى كل ما نرى – إن كان هناك إيجابيات – يتمثل فى تلك الروح التى نراها ونسمعها من خلال أصدقائنا وأهلنا فى الدول العربية التى ضربتها الكوارث من عزمهم على إعادة بناء دولهم بعد التدمير الكارثى الذى أصابها.

وقد يقول قائل بأن تلك الكلمات الحماسية التى نسمعها لا تغنى ولا تسمن من جوع, لكن الإجابة عليها تكمن فى توافر إرادة البناء والتى بدونها لن يتأتى ذلك، وهنا يثور السؤال "هل نستمر فى تبنى تلك السياسات "الترقيعية" لتجاوز المرحلة الحالية أم يكون أساس البناء الجديد للدول صحيحاً؟"

إن المسكنات التى تناولناها سابقاً لم تؤدى إلا إلى تفجر الأوضاع فى المنحنيات الخطرة، ولن تُبنى الدول العربية بصورة صحيحة إلا بمواجهة أنفسنا بالأسئلة الصعبة والحرجة والتى بدون إجابات حاسمة وشافية لها لن نكون إلا كمن يحرث فى الماء يُضيع جهده سدى دون أى عائد يُذكر.

إن الرياح التى ضربت المنطقة العربية منذ الصدام بين الحضارتين خلال القرنين الثامن والتاسع عشر كانت فى جلها غربية – أوروبية, وبالتالى فإن من يتصور بأن ما يُسمى "بموضة" حقوق الإنسان والكرامة ما هى إلا أدوات للسيطرة من قبل الغرب الآن واهم، فلن يمكن للبعض مهما أوتى من قوة الوقوف أمام حركة الجماهير الهادرة إلا بنتائج كارثية لن يكون فى وسع أى أحد تحملها.

ومع كل هذا الخراب والدمار الذى تشهده المنطقة العربية, فقد تحتاج بعض الدول كى تتعافى من مرض الحكام المستبدين قروناً عديدة أو قد تندمل الجروح سريعة كل على حسب طاقة احتماله، الأهم يكمن فى البداية الصحيحة، لكن إذا استمرت الأمور على ما هى عليه الآن فلن يكون بوسعنا إلا أن نطلق عليها "الموت الأسود العربى".

--------------

  • صحفى بجريدة الأخبار المسائى

[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

استشراف مستقبل الأزمة السورية

أهم الأخبار

اعلان