25 - 05 - 2022

شيء من الشهادة - بعض من شهادة

 شيء من الشهادة - بعض من شهادة

 حين يستعيد صاحبي الآن علاقته بالنقد الأدبي يتراءى له أن المقولة الرائجة عن أن الناقد في الأصل أديب استعصت عليه دروبُ الإبداع الأدبي فتحول إلى الممارسة النقدية – مقولة صحيحة إلى حد كبير جدا، وإن كان لصاحبي أن يضيف إليها أن الذكي حقا هو من يستطيع تعديل مساره في الوقت المناسب!

بدأت علاقة صاحبي بالنقد من خلال الأدب ولاسيما الشعر والقص؛ فقد كنت تجذبه في مراحل طفولته الأولى الصورُ الشعرية التي كانت تتبدى له في النصوص الشعرية فاندفع يبحث عن هذه النصوص ليستمتع بها. ودون أن يتعمد وجد نفسه يقدم آراء أو تعليقات شفهية على هذه النصوص. وفي الوقت ذاته كان يشعر بالاستماع إلى الحكايات التي ترويها أمه بمفردها أحيانا أو مع بعض جاراتها أحيانا أخرى لتترسب في ذاكرته صورٌ لأشخاص لم يرهم قط ومواقف لم يعشها إلا بخياله فقط عبر تلك الحكايات. وعلى عادة أترابه بدأ صاحبي في مرحلة المراهقة يكتب شعرا فصيحا وعاميا ونصوصا قصصية قصيرة. وكان حلمه أن يدرس اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب تمهيدا للعمل بالتدريس. وحين التحق بكلية الآداب، جامعة القاهرة أصبح واحدا من حلقة أصدقاء يكتبون الشعر بصفة خاصة؛ وكانوا يجتمعون معا لقراءة نصوصهم معا وتبادل الآراء حولها، وقدم لهم نصوصه الشعرية والقصصية. وقرب نهاية الفصل الدراسي الأول له بالجامعة أخذت تنمو داخله رغبةٌ في التعمق في دراسة الأدب، كما لاحظ أن أصدقاءه من تلك الحلقة ينظرون إليه على أنه قادر على نقد ما يكتبون، ساعتها توقف عن الكتابة الأدبية وشعر أن النقد هو طريقه الذي يجب عليه مواصلةُ المسير فيه.

     قدم صاحبي كتابات كثيرة شملت مختلف الأنواع الأدبية الحديثة، كما ركزت بصفة خاصة على مجال نقد النقد وبيان مناهج النقاد العرب المحدثين واستكشاف هوية المنظورات النقدية التي صاغوها. وليس لصاحبي أن يقيِّم عملَه فهذا مدار جهد من يقرؤون كتاباته ومن يتابعون حركة النقد العربي المعاصر، وإن كان له أن يؤكد أنه يشعر أن الأجيال الجديدة ستقدم التقييم الحقيقي لجهده وجهود جيله من النقاد؛ فهو يدرك بيقين تام أن ما سيبقى من عمله وأعمال الآخرين هو ما يقتدر على الصمود أمام امتحان التاريخ، وما أعسره!

    لصاحبي أن يشير إلى أن هناك بعض المحاور التي تستقطب عمله النقدي، ومن أبرزها: البحث عن المناهج والطرائق الملائمة للكشف عن هويات النصوص الأدبية والنقدية، والكشف عن العلاقات الخفية بين النقد العربي الحديث والمعاصر والنقد والبلاغة العربيين القروسطيين بيانا عمليا للتواصل والتحول في الممارسة النقدية العربية، وبيان الطرائق التي استوعب بها النقد العربي الحديث والمعاصر تيارات النقد الأوربي ونظرياته....ولصاحبي مواقف من القضايا الأدبية والنقدية صرح بها فيما كتب ونشر، وفيما قدمه في ندوات ولقاءات ومحاضرات شفهية. ومن أراد أن يتعرف على رأي صاحبي في قضية ما فمن الأفضل أن يعود إلى ما كتبه صاحبي.

  في العقد الأخير صار صاحبي مشغولا بقضايا نقدية وفكرية متعددة نتيجة تأمله في أوضاع الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، ومن هذه القضايا: مستقبل الأدب ومستقبل الأنواع الأدبية الراهنة، والتحولات التي ستصيب خريطة التلقي، ودور وسائل الاتصالات المعاصرة في تغيير أنماط الكتابة والتلقي، وحقيقة الدور الذي أداه النقد الأدبي في المجتمع العربي الحديث، والبحث عن وسائل جديدة لتفعيل أدوار الأدب والنقد في المجتمع العربي الراهن والقادم.

  يرى صاحبي أن حركة النقد العربي المعاصر تشهد انفتاحا كبيرا في المناهج والتيارات، كما تعرف انفتاحا واسعا في اقتحام مجالات جديدة – سواء في الثقافة القديمة أو الثقافة الحديثة- لتكون ميادين لتجريب الفروض النظرية الجديدة، واتساع إمكانات توصيل الكتابات النقدية بسبب تنوع وسائل الاتصال ونشاط الجماعات الأدبية لاسيما جماعات الشباب. لكن هذه الظواهر جميعا لا تعني أن وضع النقد العربي مطمئن فهناك بالمقابل ضعفٌ واضح في إمكانية قيام الحركة النقدية بمتابعة واسعة وشاملة ودقيقة لسيول الكتابات الإبداعية، وهناك أيضا تغييب كبير للنقد في المؤسسات التعليمية والأكاديمية مما يحول بين النقد وأداء واحد من أهم أدواره الاجتماعية؛ أي أن يكون عنصرا أساسيا من عناصر ثقافة المواطن المصري والعربي، وهناك كذلك قدر ملحوظ من الكتابات القائمة على المجاملة والارتزاق. ولا يمكن لمن أراد أن يكون صادقا مع نفسه أن يتجاهل أن ارتفاع نسبة الأمية في مصر هو أبرز معوق أمام حركة النقد أو حركة الثقافة في عمومها.

##

 

 

اعلان