06 - 11 - 2026

أقنعة الديمقراطية وجدار الشارع

أقنعة الديمقراطية وجدار الشارع

وتستمر المحاولات لفهم ما يحدث حولنا وطرح أفكاري و رؤيتي الغاضبة مؤمنا ومنحازاً للدم والحق الفلسطيني دون اي حياد و كافراً بكل أنظمة العالم الفاسد.

عندما تقف الحكومات في مواجهة الوجدان الإنساني؛

في شهر ذكرى الوعد المشؤوم ممن لا يملك لمن لا يستحق نتتبع المسار التاريخي للقضية الفلسطينية منذ التشكيلات الأولى للمشروع الاستعماري مع المؤتمر الصهيوني الأول الذي عُقد في مدينة بازل بسويسرا في الفترة من 29 إلى 31 أغسطس 1897 بدعوة وتنظيم من الصحفي النمساوي المجري تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة و وعد بلفور البيان الرسمي الذي أصدرته الحكومة البريطانية في 2 نوفمبر 1917 على شكل رسالة مكتوبة وصولاً إلى حرب الإبادة الراهنة ، فنكتشف انفصام بنيوي حاد وأزلي بين نبض الشارع العالمي وحسابات السلطة في مراكز القرار الدولي والإقليمي ، لم تكن الفجوة يوماً مجرد تباين تقديري  بل تعبيراً عن صدام أصيل بين منطقين ، منطق الشعوب المدفوع بالفطرة الأخلاقية والضمير الإنساني المطالب بالعدالة ومنطق الأنظمة المحكوم بالمصالح السياسية وتوازنات الهيمنة.

الشعوب تطلب والحكومات ترفض؛

كشفت اللحظة الأولى لولادة المشروع الصهيوني عن طبيعة التواطؤ الحكومي الدولي إذ منح الاستعمار البريطاني فلسطين عبر قرار إداري فوقي تجاهل الحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني وفي المقابل كانت حركة الشارع العربي والفلسطيني تعبر عن رفض جذري ومباشر ظهر في الهبات والثورات المتلاحقة إلا أن عجز الهياكل الرسمية وغياب الدولة المستقلة حرم تلك الإرادة من التحول إلى قوة ردع جيوسياسية ومع النكبة عام 1948  تكرست المعادلة دول كبرى تقود مشروعاً

لللإستعمار الاستيطاني الإحلالي وتوفر له الغطاء العسكري مقابل شعوب عربية مغلوبة على أمرها تُمنع طاقاتها الكامنة من الفعل بسبب ارتهان الإرادات الرسمية.

محطات كاشفة

فيظهر الأمر جلياً عبر محطات المواجهة الكبرى من حرب 1967 وصولاً إلى اتفاقيات السلام المنفردة ومسارات التطبيع المعاصر ويظل الوجدان الشعبي يرى في فلسطين بوصلة كرامة لا تقبل المساومة وفي المقابل اختارت كتل حكومية عديدة الاندفاع نحو مسارات الواقعية الإقليمية محاولة تدجين الشارع وتقييد حركته هذا الانفصال التدريجي بين تطلعات المجتمعات وممارسات السلطة أنتج تآكلاً ضمنياً في الشرعية السياسية حيث تكتفي الدبلوماسية الرسمية ببيانات الإدانة المكررة بينما يقف الشارع مدركاً أن الإرادة الرسمية تملك أدوات ضغط هائلة من طاقة وموقع واستثمار لكنها تعزف عن استخدامها بحكم التوازنات الأمنية.

الإبادة الفاضحة

أتاحت الإبادة الراهنة في غزة فرصة غير مسبوقة لكشف الإنفصام داخل الديمقراطيات الغربية ذاتها فبينما ملأت الحشود المليونية شوارع واشنطن ولندن وبرلين واعتصم الحراك الطلابي في كبرى الجامعات العالمية لرفض الإبادة والمطالبة بإنهاء الاحتلال أصرت الحكومات الغربية على الاستمرار في تقديم الغطاء السياسي والتسليح المباشر لآلة الحرب.

لقد وضع هذا الصدام المؤسسات الغربية أمام أزمة شرعية أخلاقية عميقة إذ ظهرت السلطة وهي تقمع الاحتجاج السلمي وتتجاهل إرادة مواطنيها لصالح الحفاظ على شبكة المصالح الاستراتيجية.

الرهان الرابح

ويغدو الرهان الحقيقي لإعادة بناء المشهد لا يقف عند حدود التعبير عن الغضب بل يتطلب تحويل الرغبة الشعبية العالمية إلى قوة ضغط بنيوية عبر مسارين أساسيين :-

أولاً ، التأثير الانتخابي المباشر عبر تشكيل كتل تصويتية عقابية في المجتمعات الغربية تُجبر الأحزاب الحاكمة على إعادة حساباتها خوفاً من فقدان السلطة.

ثانياً ، المأسسة القانونية والاقتصادية من خلال تفعيل أدوات المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS) وملاحقة المسؤولين أمام المحاكم الوطنية والدولية بتهم التواطؤ في الانتهاكات الجسيمة ، إلى جانب بناء تحالفات تقاطعية مع حركات العدالة الاجتماعية والنقابات العمالية.

يبرهن التاريخ الممتد لأكثر من قرن أن العقود السياسية والمواثيق الاستعمارية التي تُكتب على غير رغبة الشعوب تظل هشّة وآيلة للانهيار و أن الفجوة بين الشارع والسلطة قد تتسع بفعل القوة الغاشمة لكن الإرادة الجمعية للشعوب التواقة للحرية تظل العامل الثابت والمحرك الحقيقي للتاريخ وستبقى الحقيقة الناجزة ساطعة تزول الحكومات وتتغير المعادلات وتبقى إرادة الشعوب عصية على الانكسار.

ويبقى السؤال هل الشعوب فعلاً ترغب في أن تتحرر وتحرر فلسطين!!؟

أم أن الشعوب لاهية وتلقى بالمسؤولية على الحكومات لتريح ضمائرها !!؟

في عالم يعج بالمؤسسات الفاسدة المهترئة يبقى الخيار لك إما تكون يد ثائر مصلح وأما ثائر يهدم.

ويبقى جهاد الحياة من أجل البناء والغايات وجهاد الحرب كدرع وسياج للدفاع والحماية فلا قيمة لدرع لا يحمي عمراناً ولا بقاء لعمران لا يحميه درع.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان و كاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

أقنعة الديمقراطية وجدار الشارع