05 - 11 - 2026

الانتخابات النصفية الأميركية وإخفاق معادلات ترامب.. هل تشكّل الحرب على إيران العامل الرئيسي في إعادة تشكيل المشهد السياسي الأميركي؟

الانتخابات النصفية الأميركية وإخفاق معادلات ترامب.. هل تشكّل الحرب على إيران العامل الرئيسي في إعادة تشكيل المشهد السياسي الأميركي؟

الانتخابات النصفية؛ استفتاء على السياسة الخارجية لترامب

أفضت انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 إلى تغيير ملحوظ في موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي، حيث تمكّن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، والحصول على الأغلبية في مجلس النواب.

وتتجاوز أهمية هذه النتيجة حدود التنافس التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ إذ جرت الانتخابات في ظل مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجه الولايات المتحدة، بدءاً من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولاً إلى الرسوم الجمركية، التي تُعدّ الحرب غير القانونية على إيران العامل الرئيسي وراء هذه الأزمة.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية أكبر لكونها جرت في منتصف الولاية الرئاسية الثانية لترامب، وتحولت عملياً إلى تقييم لأداء العامين الأولين من إدارته، ولمدى نجاحه في تحويل شعاراته السياسية إلى إنجازات ملموسة.

ومن هذا المنظور، دخلت الحرب على إيران في صلب تحليل نتائج الانتخابات، وأصبحت عاملاً حاسماً في تقييمها؛ إذ إن الحرب على إيران تُعدّ من أبرز الملفات التي أسهمت في تصاعد حالة الاستياء الشعبي وتغيير أولويات الناخبين الأميركيين.

 الحرب على إيران؛ من قرار البيت الأبيض إلى أزمة في بنية النظام السياسي الأميركي

تتمثل إحدى أبرز تحديات هذه الحرب في أن إدارة ترامب دخلت مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، من دون إعلان رسمي للحرب من جانب الكونغرس، ومن دون الحصول على تفويض قانوني خاص لمواصلة العمليات العسكرية.

وهنا ينبغي التمييز بين إعلان الحرب ومنح التفويض باستخدام القوة العسكرية. فالدستور الأميركي يمنح الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، في حين يتمتع الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بصلاحيات تنفيذية وعسكرية، غير أن هذه الصلاحيات ليست مطلقة.

وتنص المادة الأولى من الدستور الأميركي على أن صلاحية إعلان الحرب تقع ضمن اختصاص الكونغرس. كما يفرض قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 قيوداً على إدخال القوات العسكرية الأميركية في الأعمال العدائية واستمرار مشاركتها في العمليات العسكرية.

والأهم من ذلك أن هذا الخلاف لم يبقَ محصوراً في إطار النقاشات القانونية، بل شهد شهرا يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2026 تحركات واضحة داخل الكونغرس لتقييد الصلاحيات العسكرية لترامب تجاه إيران.

ففي الرابع من يونيو/حزيران، صوّت مجلس النواب على مشروع يتعلق بصلاحيات الحرب، كما شهد مجلس الشيوخ تحركات مماثلة. وفي 23 يوليو/تموز، أقرّ مجلس النواب مشروعاً يطالب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران في حال عدم حصول الرئيس على تفويض من الكونغرس. وقد أُقرّ المشروع بأغلبية 214 صوتاً مقابل 208 أصوات، في حين تعثّر إجراء مماثل في مجلس الشيوخ بنتيجة 49 صوتاً مقابل 47 صوتاً.

وتُظهر هذه التطورات أن الحرب على إيران لم تحظَ بدعم وإجماع كاملين داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، بل تحولت إلى أحد محاور الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى داخل الحزب الجمهوري نفسه.

لكن على المستوى الدولي، تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي مشروعية استخدام القوة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

فالمبدأ الوارد في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة يحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية للدول أو استقلالها السياسي. ويتمثل الاستثناءان الرئيسيان لهذه القاعدة في صدور تفويض عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من الميثاق، وحق الدفاع المشروع وفقاً للمادة 51، في حال وقوع هجوم مسلح، مع مراعاة شروط الضرورة والتناسب وإبلاغ مجلس الأمن.

وبناءً على ذلك، فإن الهجوم الأميركي على إيران يُعدّ، من منظور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، غير قانوني تماماً ومداناً. لكننا، وللأسف، لم نشهد أي تحرك واضح من الأمم المتحدة لإدانة الولايات المتحدة، بسبب حالة الانكفاء والعجز التي أظهرتها المنظمة الدولية في مواجهتها.

وهنا يبرز السؤال السياسي الجوهري: كيف يمكن لدولة ترفع شعار الدفاع عن النظام الدولي أن تخوض حرباً خارجية من دون تفويض دولي، وفي ظل خلاف داخلي حول صلاحياتها القانونية؟

 كيف انتقلت كلفة الحرب إلى الداخل الأميركي؟

تتمثل إحدى أبرز تداعيات الانتخابات في أن الحرب على إيران لم تعد محصورة في حسابات البنتاغون والبيت الأبيض، بل امتدت إلى الحياة اليومية للمواطنين الأميركيين.

فارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، وتكاليف العمليات العسكرية، والمخاوف من اتساع نطاق المواجهة، كلها عوامل جعلت الحرب أحد الموضوعات الحاضرة في النقاشات الانتخابية الأميركية.

وتشير تقارير وكالتي أسوشيتد برس، ورويترز بشأن الانتخابات إلى أن الحرب على إيران، إلى جانب التضخم وارتفاع الأسعار والقلق من أداء الحكومة، كانت من بين العوامل التي أسهمت في تأجيج حالة الاستياء لدى الناخبين.

وهنا تتجلى مفارقة استراتيجية واضحة:

ترامب الذي أراد نقل الضغط إلى طهران، وجد نفسه في مواجهة ضغط انتخابي متصاعد في واشنطن.

والإدارة التي سعت إلى توظيف القوة العسكرية لإعادة صياغة معادلات الردع في المنطقة، باتت اليوم مطالبة بتفسير كلفة هذه المواجهة وتداعياتها أمام الناخبين الأميركيين.

ولا تقتصر المسألة على حجم النفقات العسكرية، بل تتجاوزها إلى أسئلة يطرحها المواطن الأميركي: ما الذي حققته هذه الحرب؟ وهل كانت المصالح الأميركية تستدعي الدخول في مواجهة بهذا الحجم؟ ومن يتحمل مسؤولية تداعياتها الاقتصادية والأمنية؟

لقد تحولت هذه الأسئلة إلى جزء من المنافسة الانتخابية، وهو ما أدخل إيران، بصورة غير مباشرة، في معادلات السياسة الداخلية الأميركية.

 خسارة الأغلبية في الكونغرس؛ تراجع هامش المناورة أمام البيت الأبيض

إن انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين يفتح مرحلة مختلفة في العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.

فالكونغرس ليس مجرد مؤسسة تشريعية، بل يمتلك أدوات دستورية ورقابية مهمة، أبرزها:

1. **الرقابة والتحقيق: استدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، وفتح التحقيقات بشأن القرارات العسكرية وتكاليف الحرب والأسس القانونية التي استندت إليها الإدارة.

2. **الصلاحيات المالية: التأثير في مخصصات العمليات العسكرية والنفقات الدفاعية، ومراقبة كيفية إنفاق الموارد العامة.

3. **صلاحيات الحرب: إعادة طرح القرارات التي تقيّد العمليات العسكرية، وإلزام الإدارة بالحصول على تفويض قانوني من الكونغرس.

4. **المساءلة السياسية: توسيع نطاق الرقابة على أداء الإدارة، بما في ذلك التحقيق في القرارات التنفيذية المثيرة للجدل.

وبالتالي، فإن فقدان الجمهوريين للأغلبية في المجلسين يعني فرض قيود غير مسبوقة على صلاحيات ترامب، وتراجعاً حاداً في قدرته على مواصلة تنفيذ برامجه السياسية والأمنية.

كما أن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ تُدخل المعادلات المتعلقة بالتعيينات القضائية والإدارية في مرحلة جديدة من التوازنات السياسية.

والأهم من ذلك أن الإدارة الأميركية ستجد نفسها أمام كونغرس أكثر استعداداً للمساءلة والاستجواب بشأن الحرب وتكاليفها والنتائج التي أفضت إليها.

 هل تحوّلت المواجهة مع إيران إلى عبء استراتيجي على ترامب؟

يمكن تحليل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران من زاويتين مختلفتين:

الزاوية العسكرية: تتعلق بنتائج العمليات، والقدرات العسكرية، والردع، وحسابات الأمن الإقليمي.

الزاوية السياسية والاستراتيجية: تتعلق بقدرة الإدارة الأميركية على تحمّل تداعيات الحرب، والحفاظ على الدعم الداخلي، وإقناع المجتمع الأميركي بضرورة استمرار المواجهة ومنافعها.

قد تحقق دولة ما مكاسب عسكرية في ميدان العمليات، لكنها تواجه في الداخل تكاليف سياسية؛ لأن المعيار العسكري لا يتطابق بالضرورة مع المعيار السياسي.

وهذه واحدة من أبرز معضلات الحروب الحديثة؛ إذ لا يكفي مجرد امتلاك التفوق العسكري، بل ينبغي للدولة أن تكون قادرة على تحويل هذا التفوق إلى نتائج سياسية مستدامة وقابلة للاستمرار.

ومن هذا المنظور، فإن فقدان الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس يطرح تساؤلات جدية بشأن قدرة ترامب على تحويل الضغط العسكري على إيران إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.

وفي المقابل، تستطيع إيران توظيف هذه التطورات على المستويين السياسي والدبلوماسي، من خلال إبراز الخلافات داخل بنية النظام السياسي الأميركي، والتأكيد على أن استمرار المواجهة لم يعد مجرد قرار تنفيذي، بل تحول إلى موضوع للصراع السياسي الداخلي.

إن هذه المكاسب السياسية تُعدّ انتصاراً عسكرياً لإيران. ويمكن لنتائج الانتخابات الأميركية أن تثبت انتصار إيران في الحرب، وإن كان ذلك لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن خياراتها العسكرية.

 إيران والولايات المتحدة؛ من معادلة الردع إلى معادلة الاستنزاف السياسي

أثبتت التجربة التاريخية للولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية.

فالحروب الطويلة تستنزف الموارد، وتُضعف الإجماع الداخلي، وتمنح خصوم الإدارة الحاكمة فرصة لتحويل الإخفاقات إلى أدوات للمنافسة السياسية.

وفي الملف الإيراني، تبرز خصوصية أخرى تضفي مزيداً من التعقيد على هذه المعادلة، تتمثل في الموقع الجيوسياسي لإيران، وتأثير المواجهة على أمن الطاقة والملاحة الدولية، ودورها في حسابات القوى الإقليمية والدولية.

وبذلك، لم تعد الحرب مجرد مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل أصبحت مرتبطة بمعادلات أوسع تشمل أسواق الطاقة، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، ومواقف القوى الكبرى.

ومن هذا المنظور، فإن خسارة حزب ترامب للأغلبية في الكونغرس تضع الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران أمام اختبار جديد:

هل تستطيع الإدارة الأميركية مواصلة سياسة الضغط العسكري على إيران في ظل تراجع الدعم السياسي الداخلي؟

وهل تستطيع واشنطن الانتقال من المواجهة العسكرية إلى مسار التفاوض، من دون أن يظهر تغيير مسارها باعتباره تراجعاً عن الأهداف التي أعلنتها؟

إن هذه الأسئلة ستشكّل جزءاً أساسياً من معادلات المرحلة المقبلة.

 ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة إلى إيران؟ ثلاثة مسارات استراتيجية

يمكن تحليل التداعيات المحتملة لهذه التطورات على إيران من خلال ثلاثة مسارات:

1. المسار السياسي: إن اتساع الخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس يتيح لطهران فرصة لإبراز الانقسام داخل البنية السياسية الأميركية بشأن الحرب، وتعزيز خطابها الدبلوماسي حول ضرورة احترام القانون الدولي ورفض فرض الإرادة بالقوة.

2. المسار التفاوضي: إن تراجع هامش المناورة السياسية أمام ترامب قد يدفع إدارته إلى إعادة النظر في أدوات سياستها الخارجية، بما في ذلك الخيارات الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الكونغرس الجديد سيتبنى سياسة أكثر ليونة تجاه إيران؛ إذ إن مواقف الحزبين ليست موحدة أيضاً.

3. المسار الاستراتيجي: ستتحول تكاليف استمرار الحرب إلى أحد المتغيرات المؤثرة في حسابات واشنطن. وكلما ارتفعت التكاليف الاقتصادية والسياسية، ازدادت أهمية البحث عن مخرج من الأزمة، من دون التخلي عن المصالح الأميركية المعلنة.

 الخلاصة؛ ترامب يخسر في واشنطن وإيران تدخل في معادلات الحسابات الأميركية

تكشف القراءة الأعمق لنتائج الانتخابات النصفية الأميركية أن تداعيات الحرب على إيران تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، ووصلت إلى قلب البنية السياسية للولايات المتحدة.

لقد بدأ ترامب الحرب في وقت كان فيه الحزب الجمهوري يمتلك الأغلبية في الكونغرس، لكنه يواجه اليوم واقعاً سياسياً مختلفاً، بات فيه الديمقراطيون يسيطرون على مجلسي المؤسسة التشريعية.

واللافت أن الحرب التي أرادت واشنطن من خلالها فرض معادلات جديدة على طهران، تحولت اليوم إلى أحد الملفات التي بات يتعين على البيت الأبيض تقديم إجابات بشأنها أمام الناخبين الأميركيين.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار نتائج الانتخابات تراجعاً سياسياً مهماً لترامب والحزب الجمهوري؛ وهو تطور يكشف حدود القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى رصيد سياسي وانتخابي.

لكن الأهم من ذلك أن إيران أصبحت حاضرة اليوم في معادلات السياسة الداخلية الأميركية أيضاً؛ ليس باعتبارها مجرد منافس خارجي، بل باعتبارها أحد الملفات التي تربط بين حسابات الأمن القومي والاقتصاد والانتخابات والصراع على صلاحيات السلطة.

وهذا هو التناقض ذاته الذي تفرزه الحرب: قد تبدأ الحرب بقرار من البيت الأبيض، لكنها لا تنتهي بالضرورة في ميدان المعركة؛ بل قد تعود تكاليفها إلى واشنطن، ويُحسم جزء من تداعياتها في صناديق الاقتراع.

وهذه هي الدلالة الاستراتيجية الأهم في المشهد: إن الهزيمة السياسية في واشنطن تعني انتصاراً عسكرياً لإيران.إن تراجع الدعم الشعبي والبرلماني للحرب سيؤدي، من دون شك، إلى تغيير ظروف المواجهة والحسابات المرتبطة باستمرارها.
------------------------------------
بقلم: د.جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران