لم تكن ليلة الرابع من نوفمبر 2026 ليلة انتخابية عادية في ولاية ميشيغن. كانت ليلة تعبر فيها أمريكا عتبة لم تعبرها منذ تأسيس مجلس شيوخها عام 1789. هناك، في قلب ديترويت، وقف رجل في الثانية والأربعين من عمره، بملامح مصرية، ونطق اسمه كاملاً دون أن يختصره أو يخففه: "اسمي عبد الرحمن محمد السيد".
الزغرودة:
قبل أن يُكمل جملته الثانية: "الحمد لله.. أنجزنا المهمة"، انطلقت من بين الحضور زغرودة مصرية أصيلة، طويلة وممتدة، شقت صمت القاعة الأمريكية، وحولت لحظة سياسية باردة إلى لحظة إنسانية حارة.
لم تكن الزغرودة مجرد صوت فرح، كانت توقيعاً مصرياً على وثيقة أمريكية. كانت أم مصرية تقول للعالم: ابننا وصل. ورد عليها السيد بابتسامة، وأكمل جملته التي ستصبح عنوان المرحلة: "انتقلنا من إن شاء الله إلى الحمد لله".
المعركة:
فاز السيد بمقعد ولاية ميشيغن بعد معركة وُصفت بالأشرس في انتخابات التجديد النصفي. حصل على 50.92% من الأصوات، مقابل 47.10% لمنافسه الجمهوري مايك روجرز، بعد فرز أكثر من 3.7 مليون صوت.
لكن الأرقام لا تحكي كل الحكاية. فقد خاض السيد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في أغسطس، وفاز بفارق أقل من نقطة مئوية واحدة على النائبة هايلي ستيفنز، التي عادت قبل أيام من الاقتراع وأعلنت دعمها لمنافسه الجمهوري، على خلفية الخلاف حول موقفه من إسرائيل.
وواجه خلال الحملة هجوماً غير مسبوق، بلغ ذروته حين وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه "جهادي"، وقال إنه "سيتعين عليه المرور عبر جهاز كشف المعادن قبل السماح له بدخول مجلس الشيوخ". كما صورته إعلانات الجمهوريين على أنه "وجه الاشتراكية".
الرد الهادئ:
في خطاب النصر، لم يرفع السيد صوته، بل رد بسخرية هادئة وواثقة، توجه بها إلى نائب الرئيس جي دي فانس قائلاً: "جاي دي، حبيبي.. السخرية هي أنك ملزم دستورياً بتنصيبي رسمياً مع أداء اليمين في يناير".
ثم توجه إلى ترامب: "دونالد، أعرف أنك تعاني مع اسمي، لذا بعد أن ينصّبني جاي دي في يناير، يمكنك ببساطة أن تناديني سيناتور".
أما منافسه روجرز، فقال له جملة واحدة حاسمة: "استمتع بتقاعدك، لقد اخترت الكراهية وميشيغان اختارت الأمل".
الطبيب الذي دخل السياسة:
عبد الرحمن السيد ليس سياسياً تقليدياً. هو طبيب ومتخصص في الصحة العامة، تولى إدارة الصحة العامة في مقاطعة واين، أكبر مقاطعات ميشيغن، وكان في الصف الأول وقت الجائحة. وفي عام 2018 خاض سباق حاكم الولاية وخسر، لكنه لم ينسحب.
وبفوزه، يصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، وأول طبيب ديمقراطي يدخل مجلس الشيوخ منذ عام 1969.
برنامجه يقوم على ثلاث ركائز: الرعاية الصحية الشاملة للجميع، خفض تكاليف المعيشة، والحد من نفوذ المال في السياسة، إلى جانب دعوته الصريحة لوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
هكذا ..
في ديترويت، لم تنتصر أرقام فقط، انتصر معنى. انتصر ابن مهاجر مصري جاء والده يحمل حقيبة وأملاً، فعاد الابن يحمل مقعداً في مجلس الشيوخ.
والزغرودة التي انطلقت في القاعة لم تكن احتفالاً بنهاية سباق، كانت إعلاناً لبداية أخرى: أن أمريكا، رغم كل ضجيجها، ما زالت قادرة على أن تسمع صوتاً يقول "الحمد لله" ويصدقه.





