ربما لكونهما كانا يشتركان في نفس المهنة، وربما لأنهما كانا من مصادر الأخبار في تلك البلدة البعيدة، وربما لأنهما كانا يشجعان أكبر ناديين مصريين، وربما لكل هذه الأسباب مجتمعة، كان بين صاحبينا شيء من تنافس وغيرة، يصيح أطولهما "ماسك الهوا"، فيحاول الآخر الاختباء عن الأنظار ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
يسعى كل منهما لتوسيع دائرة زبائنه، ولمَ لا وكلاهما يسعى مجتهدًا متأبطًا الجرائد والمجلات تحت ذراعه الأيسر، ملوحًا بأكثر عناوينها إثارة وجذبًا للجمهور، وقت كان الجورنالجي الأول، محمد حسنين هيكل يرأس الأهرام، وموسى صبري في الأخبار، وفتحي غانم في الجمهورية. عمالقة، ومن خلفهم صفوف من العماليق ساهموا في صناعة وجدان المحروسة.
ولعلنا لا نبالغ، إن قلنا إن كل قلم كبير كان يحمل شيئًا من الغيرة تجاه أقرانه، ومن ثم فإن ما كان بين صاحبينا؛ الدمرداش ومنصور، كان أيضًا، من قبيل السلوك الحميد بين أبناء الكار الواحد، يتنافس الكُتاب والصحفيون في بلاط صاحبة الجلالة، ويتنافسان في بيع فيض حبرهم، وهو سلوك حميد ما التُزمت قواعد المنافسة الشريفة، وقد كان.
كانت الجريدة وقتها نافذة رئيسية لمعرفة وفهم ما يجري على الساحتين الداخلية والخارجية، صحف تتجاور فيها أعمدة كبار الكتاب وتتناطح، ورجل الشارع متلهفٌ إلى قراءة تحليلاتهم وكشف ما يدور خلف كواليس الأحداث؛ في وقت كانت للكلمة المقروءة هيبة لا تعرفها اليوم.
إلا أن الصورة الفكاهية الجميلة التي كانت ترسم البسمات على الوجوه وتنتزع الضحكات من الصدور الحزينة، كانت تتجلى صبيحة تلك اللقاءات الرياضية التي يتنافس فيها أحد قطبي الرياضة المصرية؛ الأهلي أو الزمالك، أو يكونا هما طرفي اللقاء، فيقتنص أحد الفريقين نقطة تعادل، أو نقطتي الفوز، عندها يتلهف الشارع على رؤية وجهي صاحبينا، أكثر من تلهفه لقراءة تحليلات المباراة.
ففي صباح كل مباراة قمة تنتهي بفائز، وغالبًا - ولأسباب لا أعرفها - يكون الأهلي، يتكرر لقاء قمة أبطاله منصور والدمرداش حين يلتقيان وجهًا لوجه متأبطًين بضاعتهما من جرائد ومجلات، عندها يهدر صوت الدمرداش بمانشيت صاغه عمنا نجيب المستكاوي بحرفية أسطى نقد رياضي معجون بمحبة الأهلي، فما إن يتناهى صوته إلى أذن منصور، حتى يجري الأخير محتارًا في أي الاتجاهات يتوارى عنه، والناس من حوله يطاردونه ضاحكين بتعليقاتهم ونكاتهم، وهو عنهم منشغلٌ غارق في اضطرابه، ولو مضى في طريقه، معرضًا عما حوله، لكفته قامته القريبة من الأرض، لشدة قصره، مشقة التخفي.
لكنه كان بفعله هذا المتكرر، هدفًا لمشاغباتهم، يعيدون على مسامعه كيف مرر مختار الكرة إلى الخطيب فأسكنها قوية شباك عادل المأمور، حتى إنها من فرط سرعتها أفلتت من بين يديه، فيعقب أحدهم مقلدًا عبد الحليم حافظ مغنيًا (واتريني .. ماسك الهوا بإيديا، ماسك الهوا).
ومع هذا، عزيزي القارئ، لم تكن تلك الحالة من الدعابة تفسد روح صاحبينا، ولا روح شارع تربى على الشهامة والتساند وقت الحاجة، ليس في بلدتنا الصغيرة عن العاصمة وحسب، بل وفي أرجاء المحروسة.
للأسف، دهست تريلات الانفتاح تلك الروح حين حوّلت كل شيء، حتى المعنوي منه، إلى بضاعة لها ثمن؛ فتحولت المنافسة من مزاحٍ بين صاحبين، إلى تجارة بين خصمين، بينما يتردد في المدى صدى صرخة أمل دنقل: "هي أشياء لا تشترى".
----------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






