03 - 11 - 2026

الرأسمالية لم تنتصر على الاشتراكية.. واليسار يعود إلى قلب المشهد السياسي

الرأسمالية لم تنتصر على الاشتراكية.. واليسار يعود إلى قلب المشهد السياسي

اعتقد أنصار الرأسمالية، عقب انهيار المعسكر الاشتراكي، أن التاريخ قد حسم معركته لصالحهم، وأن الاشتراكية أصبحت صفحة من الماضي، وأن الرأسمالية واقتصاد السوق هما النظام الأوحد القادر على إدارة المجتمعات وتحقيق التنمية.

لكن تطورات العقود التالية أثبتت أن هذا الاعتقاد كان متسرعًا، وأن انتصار الرأسمالية على خصمها السياسي لم يكن انتصارًا على أزماتها وتناقضاتها الداخلية.

فمع تزايد تركّز الثروة، واتساع الفجوة بين أرباح رأس المال ودخول العاملين، وتراجع الأجور الحقيقية، وتصاعد أشكال الاستغلال وعدم تكافؤ الفرص، ازدادت المطالبة بالعدالة الاجتماعية، وحرية الإنسان وكرامته، وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة والعمل. وهكذا عادت الأفكار اليسارية إلى الواجهة، ليس باعتبارها حنينًا إلى تجربة تاريخية مضت، وإنما باعتبارها استجابة لاختلالات واقعية في المجتمعات الرأسمالية نفسها.

ولعل اللافت أن بعض الحكومات والقوى المحافظة في الغرب باتت تنظر بقلق إلى صعود اليسار، وتحمّله مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية، بينما يعكس انزعاج الرئيس الأمريكي ترامب والحزب الجمهوري من المرشحين التقدميين واليساريين داخل الحزب الديمقراطي إدراكًا لتأثير هذه الأفكار في قطاعات متزايدة من الناخبين.

والحقيقة أن الاشتراكية لم تختفِ بسقوط الاتحاد السوفيتي، كما أن الرأسمالية لم تصبح نظامًا بلا بديل. فالتاريخ لا يتوقف عند تجربة سياسية بعينها، والأفكار لا تقاس فقط بما حققته تجارب تطبيقها، وإنما أيضًا بقدرتها على تقديم حلول لمشكلات الواقع. وليس المطلوب

استنساخ تجربة المعسكر الاشتراكي، وإنما الاستفادة من قيم العدالة الاجتماعية، ودور الدولة في حماية المواطنين، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق التوازن بين حقوق العمل ومصالح رأس المال.

ومن هنا تأتي الرسالة إلى الحكومة المصرية: إن الحكمة السياسية تقتضي الإصغاء إلى رؤية اليسار المصري، وفي القلب منها رؤية حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، بما يملكه من تاريخ وخبرة سياسية وطرح اجتماعي واقتصادي يوازن بين متطلبات التنمية وحقوق المواطنين، وبين تشجيع الاستثمار ومنع الاحتكار، وبين كفاءة السوق وعدالة توزيع ثمار النمو.

إن مصر، في ظل تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية، ليست في حاجة إلى صوت واحد أو رؤية واحدة، وإنما إلى تعددية حقيقية في صنع السياسات، وإلى مشاركة القوى السياسية صاحبة الرؤى والبرامج في تحمل مسؤولية الحكم، لا الاكتفاء بدورها في إبداء الرأي أو المعارضة.

إن إشراك اليسار في الحكومة ومواقع صنع القرار ليس مجاملة لحزب أو تيار، وإنما استثمار في التعددية السياسية، وتوسيع لقاعدة المشاركة الوطنية، وضمان لوجود البعد الاجتماعي في السياسات الاقتصادية.

فالتنمية التي لا يشعر المواطن بثمارها ليست تنمية مكتملة، والرأسمالية التي تنفرد بالقرار دون ضوابط اجتماعية تفقد قدرتها على تحقيق الاستقرار. والدرس الذي يقدمه العالم اليوم هو أن العدالة الاجتماعية ليست عائقًا أمام التنمية، بل أحد شروط استدامتها.
--------------------------------
بقلم: كامل السيد


مقالات اخرى للكاتب

الرأسمالية لم تنتصر على الاشتراكية.. واليسار يعود إلى قلب المشهد السياسي