03 - 11 - 2026

بين دخان الممرّات ورماد القضية

بين دخان الممرّات ورماد القضية

على الدرب أستكمل رحلتي محاولا طرح رؤيتي لما يحدث غاضباً من ازدواجية المعايير معلناً رفضي للمؤسسات الدولية وسخطي عليها و منحازاً فقط للدم الفلسطيني دون اي حياد، أملاً في إنقاذ الإنسان والأرض وبناء مجتمع حرّ رغم أنف العالم الذي تُدار فيه الحروب لصالح أقليات تحكمها حسابات المنفعة.

كيف يُعاد رسم جغرافيا الشرق الأوسط :

في أوقات التحول الكبرى في التاريخ لا تُقاس الحروب بحجم القذائف الساقطة على الجبهات فحسب، بل تُقاس بالخرائط التي تُنعشها الضغوط في الغرف المغلقة تحت غطاء التصعيد الميداني، وما يشهده الشرق الأوسط اليوم لم يعد مجرد جولة تكتيكية لإدارة قواعد الاشتباك بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة، وطهران وحلفائها من جهة أخرى، بل هو استراتيجية متكاملة لإعادة هندسة الإقليم تقف في قلبها فلسطين كضحية للمناورة بالتشتيت وتواجه فيها مصر اختباراً حاسماً لجدار دفاعها الجيوسياسي والاقتصادي

فرض الواقع تحت غطاء الضباب:

تستغل تل أبيب حالة الاستقطاب والتصعيد الإقليمي لتجعل من الصراع الممتد عباءة سياسية وأمنية لتمرير ما كان مستحيلاً في أوقات الهدوء، وبينما ينشغل العالم بمتابعة أسعار النفط العالمية وسلاسل الإمداد وسلامة الملاحة في المضائق الحيوية يمضي المخطط الإسرائيلي على أرض فلسطين بتسارع الميدان، إنها استراتيجية تغيير الحقائق الهيكلية بحيث تُعاد صياغة جغرافيا الضفة الغربية عبر توسيع الاستيطان وتقطيع أوصال المناطق وحسم السيادة الميدانية بالتوازي مع خنق قطاع غزة وتجريده من مقومات الحياة الأساسية، والهدف النهائي يتجاوز حدود تقليم الأذرع أو إنهاك شبكات الدعم إلى محاولة إزاحة الفكرة الوطنية الفلسطينية وكافة المؤسسات الوطنية التاريخية برمتها وتحويل القضية من حق سياسي أصيل في تقرير المصير والدولة إلى ملف إنساني وأمني مغلق يُدار برغبة الاحتلال

مصر في قلب العاصفة / معركة الحدود والشريان :

على الضفة الأخرى من هذا المشهد الصاخب تجد القاهرة نفسها في صدارة الأطراف المستهدفة بالضغوط الجيوسياسية الناجمة عن هذا التصعيد حيث تمتد التداعيات لتصيب شرايينها الاقتصادية وتطرق أبواب أمنها القومي المباشر.

نزيف قناة السويس واضطراب الطاقة.. لم تكن التحولات الملاحية واستهداف حركة السفن في البحر الأحمر مجرد حادث عابر بل تحولت إلى استنزاف ممتد لواحد من أهم موارد الدولة السيادية، حيث كبدت اضطرابات الملاحة قناة السويس خسائر متراكمة بالتوازي مع تقلبات سوق الطاقة وتدفقات الغاز الإقليمي وهو ما يضع الاقتصاد المصري أمام تحديات هيكلية متزايدة ومفاجئة.

صخرة رفح والخط الأحمر للتهجير.. ويبقى المخطط الأشد خطورة هو السعي الضمني أو الصريح لخلق ظروف طاردة دفعاً للفلسطينيين باتجاه الحدود المصرية في سيناء تتجاوز هذه الفكرة أبعادها الإنسانية لتتحول إلى تصفية عملية للقضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية وهو ما يصطدم بالخط الأحمر القاطع والمبدئي للقاهرة إذ ترى فيه تمزيقاً لمرجعيات السلام وتعدياً على السيادة الوطنية المصرية لا يمكن التسامح معه تحت أي ظرف.

بين تفكيك الإقليم وفرض الهيمنة:

إن ما يُنفّذ اليوم تحت عناوين تفكيك النفوذ الإقليمي أو إعادة ضبط التوازن الأمني هو في جوهره مسعى لبناء شرق أوسط بلا قضية مركزية، إقليم تُعاد فيه هيكلة الممرات التجارية والترتيبات الأمنية لتكون تل أبيب هي العقدة الحاكمة بينما تُترك الدول العربية الكبرى لإدارة أزماتها الاقتصادية والحدودية الناجمة عن هذا التحول القسري.

لكن الرهان على قدرة القوة الغاشمة وحده يتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ، فالصمود الفلسطيني على الأرض والموقف المصري الثابت والمتمسك بأمن حدوده وسيادته الوطنية يشكلان معاً العائق الهيكلي والأساسي الذي يمنع هذا المخطط من التحول إلى واقع مكرس، ولنظل نذكر أنفسنا أن أمن الأوطان لا يحتاج لشجاعة حمقاء بل إلى المقاوم الواعي الذي يحرص على التوازن بين الشجاعة والعقلانية الثورية ليحمي شعبهُ ليعيش حراً ويصون أرضهُ لبناء مستقبل مؤكداً أن جهاد الحياة هو البناء والغايات وجهاد الحرب هو الدرع والسياج ولا قيمة لدرع لا يحمي عمراناً ولا بقاء لعمران لا يحميه درع.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
فنان و كاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

الهيمنة المتمددة