22 - 10 - 2026

الشباب بين التكبير والتكبيس | من "الله أكبر" التي صنعت طريق النصر.. إلى أزرار تصنع أوهام الشهرة

الشباب بين التكبير والتكبيس | من

في السادس من أكتوبر عام 1973، ارتفعت صيحة «الله أكبر» من حناجر الجنود المصريين وهم يعبرون قناة السويس، لم تكن مجرد هتاف في ميدان المعركة، بل تعبيرًا عن إيمان راسخ بأن النصر بيد الله، ويقينًا بأن الأخذ بالأسباب والعمل الجاد هما طريق تحقيقه.

لقد جمع أبطال أكتوبر بين الإيمان والاستعداد، وبين التوكل على الله وبذل أقصى الجهد، فلم ينتظروا النصر بالأماني، بل صنعوا أسبابه بالتدريب والتخطيط والصبر والتضحية، فكان التكبير روحًا تسند العمل، وإيمانًا لا ينفصل عن المسؤولية.

بين "تكبير" الأمس و"تكبيس" اليوم.. مفارقة تستحق التأمل

فقد أصبح «التكبيس» على منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لحصد المشاهدات والهدايا والشهرة، وتربح الأموال، حتى تحول عند البعض من أداة للتفاعل إلى غاية قد تبرر الإسفاف والابتذال وإهدار الوقت والكرامة في سبيل أرقام عابرة.

ولا تكمن المشكلة في التكنولوجيا أو الشهرة ذاتها، وإنما في أن يصبح عدد المتابعين مقياسًا للقيمة، وأن يتقدم الضجيج على المضمون، والتفاهة على الإبداع، والسعي إلى الإعجاب على حساب احترام الذات وعقول الآخرين.

لقد كان جندي أكتوبر يسعى إلى هدف يتجاوز ذاته، ويضحي من أجل وطنه، بينما يطارد بعض صناع المحتوى ان صح اطلاق هذا المسمى عليهم انتباه الآخرين من أجل مكسب سريع.

فارق بين ثقافتين

والفارق هنا ليس بين جيلين، بل بين ثقافتين: إحداهما تجعل القيمة أساس النجاح، والأخرى تختزله في أرقام المشاهدات والإعجابات.

ومع ذلك، ليس من العدل أن ندين الشباب جميعًا، ففيهم المبدع والطموح وصاحب الرسالة، ومنهم من يستخدم التكنولوجيا في التعلم والعمل ونشر المعرفة، لكن الإنصاف يقتضي ألا نصمت عن ظاهرة تختزل النجاح في الانتشار، ولو كان الثمن التخلي عن القيم والذوق العام.

فليس كل ما يجذب الانتباه جديرًا به، وليس كل ما يحقق الربح يضيف قيمة، وليس كل ما ينشر يستحق أن ينتشر.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ما، هو أن تتغير معاييره دون أن ينتبه، فيصبح التافه مشهورًا لمجرد تفاهته، ويصبح الجاد غريبًا لأنه اختار طريقًا أصعب، ويشعر صاحب الموهبة أن عليه التخلي عن وقاره كي يُرى، وأن عليه التخلي عن رسالته كي يُسمع.

وحين يحدث ذلك، لا نخسر محتوى جيدًا فحسب، بل نخسر تدريجيًا القدرة على التمييز بين ما يستحق الإعجاب وما يستحق التجاهل.

إن استلهام روح أكتوبر لا يعني العودة إلى الماضي، بل استحضار قيمه في الحاضر، فكما احتاج الوطن إلى شباب أعدوا أنفسهم للمعركة، فإنه يحتاج اليوم إلى شباب يتسلحون بالعلم والوعي والأخلاق، ويجعلون من التكنولوجيا وسيلة للبناء لا بابًا للابتذال.

ولا يكفي أن نلوم الشباب، بل ينبغي أن نقدم لهم القدوة والبدائل، ونرعى مواهبهم، ونشجع المحتوى الهادف، ونعيد الاعتبار للعمل الجاد والإبداع الحقيقي.

فالتكبير الذي وحّد القلوب في أكتوبر كان إيمانًا ترجمه العمل، أما التكبيس حين يصبح غاية، فقد يكون ضجيجًا بلا قيمة.

وليس المطلوب أن نرفض أدوات العصر، بل أن نمتلكها دون أن تمتلك وعينا، وأن نستخدمها لنضيف إلى الحياة لا لنستهلكها فيما لا ينفع.

لقد صنع أبطال أكتوبر مجدهم لأنهم أدوا واجبهم حين احتاج إليهم الوطن، لا لأنهم سعوا إلى تصفيق الآخرين. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى شباب اليوم: لا تسألوا فقط كم عينًا تتابعكم، بل اسألوا كم عقلًا تنيرون، وكم قيمة تضيفون، وماذا سيبقى منكم حين تنطفئ الشاشات ويهدأ التصفيق.

فالتاريخ لا يحفظ عدد مرات الضغط على أزرار الإعجاب، بل يحفظ ما يتركه الإنسان من أثر.

والسؤال: من ميادين النصر إلى شاشات الشهرة.. أين تكمن قيمة الإنسان؟
--------------------------------
بقلم: محمد شوبك


مقالات اخرى للكاتب

الشباب بين التكبير والتكبيس | من