ما الذي يحدث في أوروبا، لماذا اشتعلت الاحتجاجات فجأة في القارة العجوز وانتقلت من دولة إلى أخرى كالنار في الهشيم، حتى صار يطلق عليها خريف الغضب؟ هل اتسعت الفجوة بين الأجيال إلى هذا الحد نتيجة تفاقم أزمات المعيشة والسكن ووضعت الحكومات أمام اختبار صعب أمام شعوبها بعد أن فقدت القدرة على استعادة الثقة الاجتماعية والسياسية وتوفير حياة كريمة للمواطنين وكبح إرتفاع الأسعار الذي لم يعد يطاق، وفي الوقت الذي شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجوماً حاداً على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكداً أنه حذره قبل سنوات من تداعيات سياسات الهجرة، وأبلغه بضرورة إغلاق الحدود حتى لا تفقد فرنسا السيطرة على مستقبلها، متهماً المهاجرين بأنهم السبب في إندلاع هذه الاحتجاجات وفق منشورمطول عبر حسابه الرسمي على منصة «تروث سوشيال»، قال فيه إن فرنسا تواجه، تدهوراً خطيراً بسبب الهجرة غيرالمنضبطة، متهماً سياسيين أوروبيين بالسماح بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين دون مراعاة تداعيات ذلك على مجتمعاتهم، لقد قلت للرئيس ماكرون عندما التقيته للمرة الأولى قبل سنوات عديدة، أغلق حدودك وإلا فستكون تلك نهاية فرنسا، معتبراُ أن فرنسا، التي وصفها بأنها كانت دولة عظيمة، تواجه تحديات تهدد هويتها وثقافتها، محملاً سياسات الهجرة مسؤولية ما وصفه بتراجع الأوضاع فيها، فيما أرجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سبب الاحتجاجات والغلاء في فرنسا إلى تداعيات الحرب في إيران وارتفاع أسعار الطاقة وتكلفة المعيشة، رافضاً الطروحات التي تربط المظاهرات وأعمال الشغب بسياسات الهجرة أو المهاجرين والتي تبناها قادة مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومشيراً إلى وجود تلاعب خارجي بالمعلومات تسبب في تضخيم الأزمة، مؤكداً أن ترامب سيشرب من الكأس نفسها في الثالث من نوفمبر المقبل عندما يخسر الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي.
تاريخياً تعود تسمية «الربيع الأوروبي»، إلى ثورات عام 1848 المعروفة بربيع الشعوب، بينما يُستخدم المصطلح أحياناً لوصف موجة الاحتجاجات الشعبية الراهنة في خريف 2026، ولذا أطلق عليها خريف الغضب، اندلعت هذه الثورات في أكثر من 50 دولة أوروبية بين عامي 1848 و1849 نتيجة، عدم الرضا السياسي، وانتشارالاستبداد، وغياب الحريات والديمقراطية وحرية الصحافة، ورغبة الشعوب في إسقاط الملكيات المطلقة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، ونقص حاد في المحاصيل والمجاعات خاصة بعد عام 1846، وارتفاع الأسعار فضلاً عن تطلع المجموعات القومية المختلفة في إمبراطوريات مثل (النمسا - المجر وألمانيا) إلى الاستقلال وتشكيل دولهم الوطنية، وضغوط العمال والطبقة الوسطى لتحسين ظروف العمل والمعيشة وإلغاء القنانة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الاَن هل تنتقل ثورات الربيع الأوروبي إلى دول منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من أوضاع اقتصادية متدهورة نتيجة الصراعات والحروب في مقدمتها الحرب الأمريكية على إيران؟ أرى أن استمرارهذه الحرب سيضع المنطقة في مأزق كبير وأمام أزمات لا يمكن حلها، وتالياً ستكون مرشحة لمواجهة مثل هذه الظروف القاسية فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الكثير من هذه الدول ليست أفضل من أوروبا التي تواجه هذه الظروف الصعبة، إذ من الصعب تخيل أن أوروبا التي تابعت قبل خمسة عشر عاماً أحداث الربيع العربي وحللت أسبابه، تجد نفسها حالياً أمام موجة احتجاجات متزامنة يطلق عليها الإعلام اسم 'الربيع الأوروبي'، فمن باريس إلى تيرانا، ومن روما وميلانو إلى بروكسل ولشبونة ومدريد وأثينا، تتكرر مشاهد المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وما بدأ كحركة طلابية محدودة في سبتمبر 2026، تحول خلال أسابيع قليلة إلى حالة من عدم الاستقرار القاري، يصفها البعض بـ"خريف الغضب".
تفجرت الاحتجاجات في أواخر سبتمبر الماضي عندما خرج تلاميذ ثانوي في ضواحي باريس احتجاجاً على الاكتظاظ في الفصول ونقص المدرسين، وتدهور تجهيزات المدارس، بعد إعلان الحكومة إلغاء 3256 وظيفة تدريس في ميزانية 2026، وزيادة ميزانية التعليم بنسبة 1.7 % فقط، وهي نسبة أقل من التضخم، وسرعان ما انضمت الجامعات، ثم النقابات العمالية وحركة السترات الصفراء، واتسعت المطالب لتشمل تحسين التعليم، وزيادة الأجور والمعاشات، وخفض تكاليف المعيشة، وإعادة فرض ضريبة الثروة، وفي 17 و18 أكتوبر، وصلت الاحتجاجات إلى ذروتها وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بـ550 ألفاً، بينما قالت الكونفدرالية العامة للعمل في فرنسا، إن العدد وصل إلى 800 ألف وشهدت باريس ومرسيليا وليون وليموج مواجهات عنيفة، ومحاولات لاقتحام متاجر مثل 'غاليري لافاييت' ونهب محلات، وإحراق سيارات ومبانٍ عامة، بينها بلدية ليموج التاريخية، التي يبلغ عمرها 140 عاماً، واحترق برجها، وأعلنت الداخلية توقيف أكثر من 1200 شخص في يوم واحد، وجرح نحو 1000 عنصر أمني، ووصفها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بأنها أثقل حصيلة في النظام المدرسي منذ عقود، مع إصابة 215 مراهقاً و85 من طاقم المدارس، وما يميز هذا الحراك أنه غير منسق مركزياً، لكنه متزامن في التوقيت والأسباب، ويُصنَّف ضمن احتجاجات جيل زد.
وأقول لكم، إن المظاهرات تتوسع حتى وصلت إلى بلجيكا، إذ بدأ طلاب في لييج ثالث أكبر مدينة في بلجيكا الاحتجاج مطلع أكتوبرضد إصلاحات ترفع الرسوم الدراسية إلى 1194 يورو للعام 2026-2027، وتقلص التمويل، وامتدت الاحتجاجات إلى بروكسل، وفي ألبانيا اختلطت مطالب الطلاب المتعلقة بجودة الجامعات وفرص العمل مع حركة أوسع تُسمى 'ثورة الفلامينجو'، ضد مشروع منتجع فاخر على الساحل مرتبط بجارد كوشنر، وتطالب برحيل رئيس الوزراء إيدي راما، ولاحقاً تحولت المظاهرات في تيرانا إلى مواجهات استُخدمت فيها خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، واعتُقل أكثر من 100 شخص، وفي اليونان، نصب طلاب خياماً في ميدان سينتاغما، مقابل البرلمان، في 13 أكتوبر ، احتجاجاً على الإيجارات التي تصل إلى 500-600 يورو للشقق الصغيرة، مطالبين بضبط الإيجارات وزيادة السكن الطلابي، وفي إيطاليا والبرتغال وإسبانيا توسعت التظاهرات في روما وجنوى وتورينو وباري، حيث خرج عشرات الآلاف احتجاجاً على تردي المنظومة التعليمية وارتفاع تكاليف الحياة، رافعين شعارات تندد بتمويل النزاعات المسلحة بدلاً من التعليم، وفي لشبونة وبورتو وكويمبرا، خرجت مسيرات ضد الغلاء وأزمة السكن، بينما بدأ حراك محدود في برلين وهامبورغ تضامناً مع المحتجين، وفي الواقع تكشف الاحتجاجات عن أزمة أعمق من مجرد رسوم دراسية، فقد أظهر مسح يوروباروميتر التابع للمفوضية الأوروبية أن 41 % من الشباب يعتبرون تكلفة المعيشة الهاجس الأكبر، تليها مشكلتا السكن والعمل بنسبة 23 % لكل منهما، وفي المقابل ارتفعت أسعار المنازل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 53 %، والإيجارات بنسبة 25 في المئة، بين عامي 2010 و2024.
--------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






