تفجر منصات التواصل الاجتماعي عديد الموضوعات والمشكلات الاجتماعية؛ بل وتحولها لقضايا رأي عام؛ حيث الهيمنة الذهنية على عقول المتصفحين، ومزاجهم العام، من خلال استغلال قدراتها الفائقة علي التفاعلية، وتعددية الوسائط الإعلامية، فضلًا عن اختراق الحدود الجغرافية والزمنية، وتوظيف الإستراتيجيات الاتصالية، التي يمكنها تجسيد ثنايا المجتمع، ونقل الوقائع والأحداث بأسلوب جذاب ومؤثر؛ يهيمن علي عقول المستخدمين.
وتفسر نظرية استجابة الكائن الحي للتحفيز؛ كيف يمكن للإشارات الإلكترونية، والمحفزات الرقمية أن توجه المتصفحين نحو تبني مواقف معينة، بل وتغيير اتجاهاتهم؛ وفقًا لآراء الأغلبية؛ حيث يميل الإنسان طواعية نحو الشعور بالانتماء، والتقدير الاجتماعي، من خلال ارتباطه بمجموعة اجتماعية معينة.
وتتعدد المحفزات الإلكترونية بين معدلات الإعجاب، والتعليقات، والمشاركات، فضلًا عن تباين تأثيرها؛ وفقًا لتفاوت الوزن النسبي لصاحب الصفحة الإلكترونية؛ هل يتمتع بشعبية وتأييد اجتماعي أم لا؟ وقد تكون هذه الحالة المزاجية مصاحبة لحالة الخمول المعرفي؛ التي تؤدي إلى اتجاه المتصفح من تلقاء نفسه؛ نحو تعطيل منبهاته الذهنية؛ كي يتبنى الخيار الأكثر راحة وسهولة؛ وهو حالة التقليد، واختيار القرار الشائع؛ وإن كان خاطئًا.
وعلى الرغم من نجاح شبكات التواصل الاجتماعي في إثارة حالة عامة من الجدل والنقاش المفيد حولها؛ بين كلا الطرفين المؤيد والمعارض، المتعاطف والمتعصب، الساخر والجاد، الموضوعي والمتحيز؛ إلا أن الوجه الآخر لهذه المنصات الإلكترونية يكمن في كونها واقعًا افتراضيًا قد لا يمت للواقع بصلة، فمن الصعب إدراك الحقيقة المطلقة والمؤكدة في أغلب هذه الوقائع، أو إدراك هوية الجهة المسؤولة عن تسليط الضوء علي هذه الظواهر وطرحها في فترة زمنية معينة كي تصبح “تريند” يتناقله الجمهور، هل لأغراض توعوية تثقيفية؟ أم لأغراض سياسية؟ أم لأغراض دعائية خبيثة؟.
سيشهد الإعلام الرقمي بلاشك مستجدات تكنولوجية متلاحقة، وستؤثر هذه التطورات علي شكل المحتوي وأسلوب تقديم الرسالة، لكن يبقي الرهان كامنًا في عقلك أنت عزيزي القارئ؛ أنت وحدك من تقرر الانجراف خلف “التريند المصطنع” والانغماس فيما يثيره من جدل وبلبلة؛ أنت أحد أطرافها دون أن تشعر! أم ستدرك بحكمتك ووعيك وثقافتك هوية “التريند” الحقيقي، بل وتميزه عن الزائف؛ فترتقي بنفسك عن الانخراط في مستنقعات “التعليقات البلهاء” المكتظة بعبارات وإشارات التهكم والسخرية والازدراء التي ترفضها الأديان والقيم الأخلاقية الأصيلة.
كما ستنحي نفسك جانبًا عن الانغماس في حلقات النميمة حول أخبار الفنانين وزيجاتهم وملابسهم؛ تاركًا لفطرتك السليمة وعقلك الموضوعي حرية ترتيب الأولويات، ومن ثم إعداد أجندة فكرية من القضايا والموضوعات؛ التي يتقدم فيها المهم علي السطحي… الحقيقي علي المصطنع…الموضوعي علي المتحيز.
----------------------------------
بقلم: نورهان علاء الدين






