- مبادرة مصرية لوقف التصعيد بالمنطقة وحل الأزمة اليمنية سياسيا
لم يحسم 596 نائباً بالبرلمان المصري، أمرهم بشأن قرار تفويض تقديم الدعم العسكري للسعودية، والذي طلبه الرئيس السيسي للمشاركة في الدفاع عن السعودية بإرسال قوات من الجيش المصري لمساعدتها ضد هجمات حكومة "البناء والتغيير" في صنعاء، وتقودها جماعة "أنصار الله"، التي يعرفها إعلام التحالف السعودي "تحالف الشرعية" ومناصريه من العرب والأوروبيين باسم "الحوثيين" نسبة للقبيلة التي أسست الجماعة.
عدم حسم البرلمان المصري أمره، رغم عقد جلستين متتاليتين (يومي الأحد والإثنين 18 و19 أكتوبر 2026) وتأجيل حسم قراره إلى يوم الإثنين 26 أكتوبر 2026، أثار حالة من الجدل، والترقب، والتكهنات بشأن أسباب التأجيل. خاصة وأن الأحزاب السياسية المؤيدة للرئيس السيسي، أو "الموالاة" تمتلك 410 مقاعد إلى جانب 28 نائباً بالتعيين، أي مامجموعه 438 نواب، مما يمكنها من تأمين التصويت لصالح قرار التفويض، الذي يتطلب موافقة 398 صوتاً على الأقل.
بعض التحليلات ذهبت إلى تأجيل التصويت لعدم انتهاء المفاوضات بين مصر والسعودية على تجديد ودائع سعودية بقيمة 5.3 مليار دولار، والتي يحين موعد استحقاقها في أكتوبر الجاري. إلا أن ولي العهد السعودي عند زيارته للقاهرة في 15 سبتمبر 2026، أتفق مع الرئيس السيسي على تجديد الوديعة البالغة 5.3 مليار دولار، وزيادة حجم الاستثمارات السعودية في مصر لنحو 10 مليارات دولار. لكن قناة "الشرق بلومبيرغ" السعودية، ذكرت أن المفاوضات تتركز بين القاهرة والرياض حول تحديد أجل جديد لهذه الودائع، من دون التوصل بعد إلى اتفاق نهائي بشأن فترة التجديد.
هذا في الوقت الذي تحدثت فيه وسائل إعلام يمنية (يوم الأحد الماضي) عن هبوط طائرة مصرية عسكرية (C 130) بمطار الملك فهد بالدمام، وهو من ضمن أهداف حكومة "البناء والتغيير" في صنعاء، والتي أعلنت صراحة أن مطارات السعودية ومجالها الجوي مسرحاً لعملياتها العسكرية باستثناء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكذلك الموانئ بما فيها ميناء ينبع المطل على البحر الأحمر، ومقرات شركة أرامكو النفطية، وناشدت صنعاء العاملين بتلك الأهداف الثلاثة ـ التي تعد العمود الفقري للاقتصاد السعودي ـ بالابتعاد عنها. مع تواتر أنباء عن وجود قوات مصرية في السعودية، وهو غير معلن، وغير مستبعد، خاصة وهناك واقعة مماثلة بسرب الطيران الحربي المصري الموجود في الإمارات وكشفت عن وكالة الأنباء الإماراتية خلال زيارة الرئيس السيسي لمقر الطياريين والطائرات المصرية.

وترجع ما يوصف بالتسريبات البرلمانية، تأجيل التصويت على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات لدعم الدفاع عن السعودية بإفساح المجال أمام التحركات الدبلوماسية التي تجريها القاهرة لاحتواء التصعيد، لأن القاهرة لديها مبادرة لوقف الأعمال العدائية ضد السعودية ودول عربية أخرى، وضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية، إلى جانب إطلاق مسار سياسي يمهد للتفاوض على تسوية للأزمة اليمنية. وأن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ناقش مع نظيره الإيراني عباس عراقجي على هامش اجتماع وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي بالعراق، تفعيل المبادرة، التي لم تتوافر تفاصيل رسمية مستقلة بشأن بنودها أو آليات تنفيذها، ولم تتناقلها أي وسيلة إعلامية. وربما يكون ذلك ما ألمح له المتحدث باسم الرئاسة المصرية، عقب اجتماع مجلس الدفاع الوطني المصري برئاسة الرئيس السيسي (الأحد 18 أكتوبر 2026) بقوله "إن المجلس قرر مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلمياً".
وهناك تسريبات أخرى، ترجع التأجيل للإثنين 26 أكتوبر 2026، لكثرة طلبات الإدلاء بكلمات من النواب، فلقد تحدث 140 نائباً وهناك طلبات لـ 300 نائب. وأن الجلسات التي عُقدت بشكل سري على مدار يومين شهدت نقاشات موسعة حول تداعيات القرار والأبعاد الاستراتيجية والأمنية لمشاركة القوات المسلحة في مهام دفاعية خارج الحدود، فضلاً عن وجود طلبات إيضاح بشأن طبيعة التحرك المصري، ووجود تباين في وجهات النظر أو تحفظات أبداها بعض الأعضاء، كعمل قوات الجيش المصري تحت إمرة ضباط سعوديين، وعدم الدخول في مواجهة مع اليمنيين. وأوضحت التسريبات أن كثرة طلبات التوضيح بطبيعة الدعم المقدم للسعودية، وشكل التحرك المصري للدفاع عن أمنها واستقرارها استدعى مد فترة المناقشات وجلسات الاستماع لعدة أيام.
ورغم الموقف الثابت للقيادة السياسية ومجلس الدفاع الوطني المصري، الذي أستبق مجلس النواب وأعلن دعمه العسكري للسعودية، وأحزاب "الموالاة" ومنها (مستقبل وطن، حماة وطن، الجبهة الوطنية، الشعب الجمهوري) والتي تمتلك الأغلبية بـ 403 مقاعد، وعدد من أحزاب المعارضة (الوفد "12 مقعدا"، العدل "11 مقعدا"، المؤتمر"4 مقاعد") وهي أحزاب أصدرت بيانات بالموافقة على تفويض الرئيس السيسي.. وكذلك حزب النور "ذو التوجه السلفي" وله 6 مقاعد، والذي أصدر بيانا أكد خلاله نائب الأول لرئيس الحزب جلال مرة، أن الأمن القومي المصري يمتد إلى محيطه العربي، وأن استقرار الدول العربية يمثل ركيزة أساسية لأمن مصر، مشيرا إلى أن التطورات الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب أظهرت مدى ارتباط الأمن الإقليمي بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية المصرية.
إلا أن هناك موجة رفض أيضاً للتفويض، منها الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي يمتلك 12 مقعداً، وأعلن رئيس هيئته البرلمانية محمود سامي الإمام، رفض الحزب للتفويض.. وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، الذي يمتلك 5 مقاعد، وقوى سياسية وبرلمانية أخرى.
وقي ذات السياق أعلن حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، رفضه المبدئي والقاطع لأي تفويض من شأنه توريط القوات المصرية في حروب خارج حدود الوطن. مشدداً في بيان له على الخيار الدبلوماسي في التعامل مع النزاعات العربية والإقليمية، مع العمل على جهود الوساطة السلمية لحقن الدماء ووقف الدمار وإحلال السلام في المنطقة. إنطلاقاً من موقف الحزب الثابت بضرورة رفض التدخل في شؤون الدول الأخرى، والرفض التام لوجود أي قواعد عسكرية أجنبية في الدول العربية والمنطقة.
كما أكدت الحركة المدنية الديمقراطية، رفضها انخراط القوات المسلحة المصرية في أي حرب إقليمية لصالح أي طرف من أطرافها، وشددت في بيان لها، على ضرورة أن تكون المصالح الوطنية المصرية هي المحدد الأساسي لأي قرار في هذا الشأن، كما ترفض الحركة أن يكون الموقف المصري مرتبطًا بأي «توجيهات» من أي طرف خارجي.
وأكدت الحركة على أن الدور الأساسي والأهم الذي يقع على عاتق مصر هو دور الوساطة الحكيمة لإقرار السلم، ونزع فتيل الأزمة والتوترات الإقليمية، والحفاظ على أرواح الشعوب العربية ومقدراتها، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.

أما نقابة الصحفيين يمكن وصف موقفها بـ "الرفض المبطن" فقد أكدت في بيانها رفضها أي محاولة لجر المنطقة إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة - وهو ما أكدته التصريحات المتعقلة لعددٍ من القادة العرب، الذين أدركوا مخاطر فرض حرب على المنطقة، وانتهجوا منطق عدم التورط في صراعات لا تخدم مصالح شعوبنا - وتشدد على أن هذا المنهج نفسه لا بد أن يكون عنوانًا للسياسة العربية في كل ما يخص العلاقات بين الأشقاء.
وتشدد النقابة ـ وفق بيانها عبر صفحتها على الفيسبوك ـ على أن الدماء العربية كلها حرام، وأن على جميع دول المنطقة أن تعمل معًا من أجل فرض السلام، وحقن الدماء بين الشعوب العربية الشقيقة، وصون الإخوة التي تجمع بينها.
ودعت النقابة إلى إعلاء لغة الحوار والحلول الدبلوماسية في الصراعات العربية-العربية جميعها، وتؤكد أن العدو الصهيوني هو المستفيد الأول من هذه الصراعات، وإن أي اقتتال بين الأشقاء إنما يخدم مشروعًا خارجيًا لا يريد خيرًا لأمتنا.
من الواضح أن جلسات مجلس النواب السرية على مدار اليومين، شهدت مشادات حادة وغير مسبوقة، واحتجاجات شديدة من النواب لمعرفة طبيعة المهمة العسكرية المطلوبة، بالتزامن مع تسريبات بأن المهمة لن تقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية، بل تشمل مشاركة قوات مصرية في عمليات قتالية برية داخل الأراضي اليمنية، تحت قيادة ضباط سعوديين، وهو ما رفضه كثير من النواب مهددين بالتصعيد خارج المجلس في حال تم إرسال الجيش للقتال في اليمن، أو عمل تحت قيادة عسكرية أجنبية.






