19 - 10 - 2026

معادلة الوقت مقابل المال

معادلة الوقت مقابل المال

لفتني مؤخرًا مقال نشرته "سكاي نيوز عربية" عن نيويورك، المدينة التي لا تنام، لا يتحدث عن ناطحات السحاب ولا المطاعم ولا حتى عن الحياة السريعة، إنما عن شيء أكثر قيمة: الوقت..

ففي نيويورك، الانتظار والزحام للحصول على بعض الخدمات يعتبر جزءًا من "اقتصاد الوقت"، لذا ظهرت خدمات يدفع الناس مقابلها ليوفروا على أنفسهم ساعات أو حتى دقائق من الانتظار، لهذا فكرت: ماذا لو وضعنا الفكرة نفسها أمام المرآة المصرية؟ هل نحن أيضًا ندفع من أعمارنا ثمنًا لأشياء لا نشتريها بالمال؟

الأرقام تقول نعم، فبحسب مؤشر حركة المرور العالمي لـ"TomTom" لعام 2025، بلغ متوسط مستوى الازدحام في القاهرة 40.5 بالمئة، حيث يخسر السائق في المتوسط نحو 74 ساعة سنويًا بسبب الزحام؛ بحسبه بسيطة أكثر من ثلاثة أيام كاملة من عمره لا يفعل شيئًا سوى الانتظار على الطريق، وفي ساعات الذروة المسائية، تستغرق رحلة عشرة كيلومترات في المتوسط نحو 28 دقيقة.

المشكلة في مصر لا تتوقف عند السيارات، ففي يوم عادي، تخرج من بيتك إلى عملك، فتقضي وقتًا في الطريق، أحياناً تقف في طابور مصلحة حكومية منتظراً دورك، تعود إلى الطريق من جديد في رحلة انتظار لا تنتهي، وقد تكون الخدمة التي ذهبت للحصول عليها لا تحتاج أكثر من عشر دقائق، لكن الوصول إليها والانتظار من أجلها يستهلكان ساعات.

فيصبح السؤال الحقيقي هنا: كم من عمرك دفعت مقابل خدمة كان يفترض ألا تكلفك كل هذا الوقت؟

سبق أن تناولت "سكاي نيوز عربية" تكلفة الازدحام في القاهرة الكبرى، ونقلت تقديرات للبنك الدولي وضعت الخسائر الاقتصادية للزحام عند نحو 8 مليارات دولار لكن هناك خسارة لا تظهر في التقارير الاقتصادية...

الأب الذي يصل إلى منزله متأخرًا فلا يرى أبناءه إلا وهم يستعدون للنوم

الأم التي تقضي جزءًا من يومها في المواصلات بدلًا من أن تقضيه مع أسرتها

الموظف الذي يصل إلى عمله مستنزفًا قبل أن يبدأ يومه

والشاب الذي يكتشف في نهاية الأسبوع أنه لم يجد وقتًا حتى لزيارة صديق أو قراءة كتاب أو ممارسة شيء يحبه وإنهاكه مقابل لا شيء

كل هذه تكلفة للزحام لا تظهر في الحسابات، وربما هي الأخطر، فنحن عادةً نحسب سعر البنزين، أجرة المواصلات، وتكلفة السيارة، لكننا نادرًا ما نحسب قيمة الساعات التي اختفت من يومنا، تطوير الطرق والمواصلات مهمان، لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الكباري والطرق التي بُنيت، وإنما بعدد الدقائق التي وفرها المواطن من يومه.

في نيويورك، بدأت تظهر خدمات تقوم فكرتها على أن يدفع الإنسان مقابل الحفاظ على وقته، أما في مصر، فبدأت تتوفر هذه الخدمة عبر شركات وسيطة لكنها تظهر على استحياء، لرفض بعض المصالح وجود بديل عن صاحب المصلحة واشتراط حضوره شخصياً وإن كان الأمر لا يتطلب، فهل نعتبر هذه بيروقراطية بلا داعِ؟!

في النهاية، ربما تكون الثروة الحقيقية التي يبحث عنها المصري اليوم هي أن ينهي "المشوار اللي وراه" ويعود إلى بيته قبل أن ينتهي اليوم، أن يجد ساعة يقابل فيها أقاربه أو أصدقائه، يجلس مع أسرته براحة، فكم ساعة من أعمارنا ندفعها يومياً فقط لأن الوصول إلى أي شيء يحتاج إلى وقت أطول مما ينبغي؟
--------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

مقالات اخرى للكاتب

معادلة الوقت مقابل المال