19 - 10 - 2026

من يصنع الرئيس القادم؟ | حين تتحول الأكاديمية العسكرية إلى سؤال عن مستقبل الحكم في مصر

من يصنع الرئيس القادم؟ | حين تتحول الأكاديمية العسكرية إلى سؤال عن مستقبل الحكم في مصر

ثمة لحظات في السياسة لا تكمن أهميتها فيما يُقال فيها فحسب، بل فيما تكشفه من تحولات في طريقة تفكير الدولة في نفسها، وفي مستقبل السلطة، وفي هوية الذين سيحملون مسؤولية قيادتها، ومن هذا النوع تأتي فكرة إعداد مرشحين لتولي رئاسة الجمهورية، إلى جانب تأهيل كوادر للوزارات والبرلمان والمحافظات والمؤسسات الحيوية، عبر برنامج تتولاه الأكاديمية العسكرية المصرية، وفق ما نقلته التغطيات الصحفية عن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر مبادرة لتطوير الكفاءات، وسد فجوة التأهيل بين امتلاك المؤهلات العلمية والقدرة الفعلية على إدارة الدولة، لكن التوقف قليلًا أمام الفكرة يكشف أن المسألة تتجاوز التدريب الإداري إلى سؤال أكثر عمقًا وحساسية: من يملك حق إعداد القيادة السياسية؟ ومن يحدد معايير الكفاءة التي ينبغي أن تتوافر فيمن يحكم؟ وهل نحن أمام دولة تسعى إلى بناء مؤسسات تنتج قياداتها بصورة مستدامة، أم أمام توجه يمنح مؤسسة بعينها دورًا متزايدًا في تشكيل النخبة التي ستتولى إدارة المجال العام؟

إن الفارق بين السؤالين ليس لغويًا ولا إجرائيًا؛ إنه الفارق بين إعداد القادة وإعادة تشكيل قواعد إنتاج السلطة. 

مفارقة الكفاءة: هل نتعلم كيف نحكم أم كيف نُختار للحكم؟

لا جدال في أن إدارة الدولة ليست مهمة يمكن اختزالها في الشعبية أو الخطابة أو الحصول على شهادة جامعية، فالرئاسة مسؤولية تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية وإدارة الأزمات، وتتطلب قدرة على الموازنة بين المصالح المتعارضة، واتخاذ القرارات في ظروف عدم اليقين، واستيعاب النتائج الاجتماعية للسياسات العامة. 

ومن ثم، فإن التفكير في تأهيل المرشحين للمناصب العليا ليس أمرًا مستغربًا في ذاته؛ بل قد يكون استجابة لحاجة حقيقية إلى تطوير جودة القيادة العامة، لكن المفارقة تبدأ حين ننتقل من ضرورة التأهيل إلى الجهة التي تتولاه، ومن قيمة التدريب إلى السلطة التي تحدد من يستحقه.

فإذا كان الهدف هو إعداد رئيس قادر على إدارة دولة حديثة، فإن المعرفة العسكرية والأمنية تمثل أحد مكونات التأهيل، لكنها لا تستوعب وحدها تعقيدات الحكم المدني، فالرئيس لا يدير دولة باعتبارها وحدة عسكرية كبيرة، ولا تُقاس قدرته على القيادة بمدى انضباط المرؤوسين لتوجيهاته، وإنما بقدرته على إدارة مؤسسات مستقلة نسبيًا، وتنسيق المصالح المتعارضة، واحترام القانون، والاستماع إلى النقد، وتصحيح القرارات حين تكشف الوقائع عن قصورها.

إن الدولة ليست ثكنة، والمجتمع ليس وحدة تنظيمية، والسياسة ليست مجرد إصدار للأوامر، ففي المجال العسكري، قد يكون وضوح التسلسل القيادي شرطًا للحسم والتنفيذ؛ أما في المجال المدني، فإن تعدد مراكز الخبرة، وتعارض وجهات النظر، والرقابة المستقلة، والتفاوض بين المصالح، ليست عيوبًا ينبغي التخلص منها، بل آليات ضرورية لتجنب احتكار الحقيقة والقرار.

وهنا يظهر السؤال الذي يتجاوز تفاصيل البرنامج: هل سيُعِدُّ المرشحون للتعامل مع الدولة كما هي، أم سيساعدهم التأهيل على تطوير الدولة كما ينبغي أن تكون؟

المفارقة الثانية: إعداد المرشحين لا يعني بالضرورة إعداد الديمقراطية

تثير فكرة إعداد مرشحين لرئاسة الجمهورية مفارقة أكثر دقة؛ فالرئيس يمكن أن يتلقى أفضل تدريب ممكن، وأن يمتلك معرفة واسعة بالإدارة والاقتصاد والأمن القومي، ومع ذلك لا تصبح كفاءته الفنية بديلًا عن الشرعية السياسية. هناك فرق جوهري بين أن تكون مؤهلًا لتولي المنصب، وأن تكون مخولًا بتوليه، الأولى تتعلق بالمعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار؛ والثانية تتعلق بالدستور وإرادة المواطنين والقواعد التي تنظم الوصول إلى السلطة.

قد يُحسِّن التدريب قدرة المرشح على فهم الملفات المعقدة، لكنه لا يمنحه تفويضًا شعبيًا، ولا يحسم المفاضلة بين البرامج السياسية، ولا يجيب عن سؤال من يملك حق الاختيار النهائي، فالانتخابات ليست اختبارًا مهنيًا تمنح نتيجته لجنة متخصصة، والرئاسة ليست وظيفة تنفيذية يُحسم شغلها بمجرد اجتياز برنامج تأهيلي.

ومن هنا، فإن القيمة السياسية الحقيقية لأي برنامج من هذا النوع تتوقف على أن يظل التأهيل منفصلًا عن التحكم في الاختيار، وأن تتاح للكفاءات مسارات متعددة لاكتساب الخبرة، وألا يتحول اجتياز البرنامج إلى امتياز احتكاري أو شرط غير دستوري للوصول إلى المنصب. فالدولة التي تُحسِّن كفاءة المرشحين لا تصبح بالضرورة أكثر ديمقراطية؛ لكنها تصبح أقرب إلى ذلك حين تجمع بين الكفاءة وحرية الاختيار وتكافؤ الفرص والمساءلة.

المفارقة الثالثة: المؤسسة التي تحمي الدولة، هل ينبغي أن تحدد من يحكمها؟

تستمد الأكاديمية العسكرية مكانتها من ارتباطها بمؤسسة تؤدي وظيفة أساسية في حماية الأمن القومي، ولا خلاف على أهمية إعداد القيادات العسكرية وفق أعلى معايير الانضباط والكفاءة، لكن توسيع دور مؤسسة عسكرية ليشمل إعداد المرشحين للمناصب السياسية والمدنية العليا يطرح سؤالًا يتعلق بتوازن المؤسسات وحدود الاختصاص.

المشكلة هنا ليست في الاستفادة من خبرة المؤسسة العسكرية، ولا في أن يتلقى المدنيون تدريبًا داخل مؤسساتها، وإنما في طبيعة الدور الذي ستؤديه: هل ستكون جهة تدريب من بين جهات متعددة، أم ستصبح بوابة مركزية لتحديد معايير القيادة السياسية والإدارية؟

وإذا اقتصر دور الأكاديمية على تقديم برامج تأهيلية مفتوحة وفق معايير معلنة، وبالتعاون مع الجامعات ومؤسسات الإدارة والاقتصاد والقانون، فقد يسهم ذلك في تطوير الخبرات العامة، أما إذا ارتبطت فرص الوصول إلى المناصب العليا بمسار واحد تتحكم فيه مؤسسة بعينها، فإن المسألة ستتجاوز تطوير المهارات إلى التأثير في بنية النخبة الحاكمة.

وهنا تكمن المفارقة: قد تبدأ المبادرة بهدف تحسين أداء الدولة، لكنها قد تثير - إذا غابت الضمانات المؤسسية - أسئلة عن حدود استقلال المؤسسات المدنية، وعن التوازن بين الخبرة العسكرية والخبرة المدنية، وعن الجهة التي تملك تعريف المصلحة العامة.

إن قوة الدولة الحديثة لا تأتي من تركيز كل الخبرات والقرارات في مركز واحد، بل من قدرتها على توزيع الاختصاصات، وتنسيقها، وإخضاعها للمساءلة، والاستفادة من التنافس بين مدارس التفكير المختلفة، فالمؤسسات القوية لا تحتاج إلى أن تتمدد داخل اختصاصات غيرها كي تثبت قوتها؛ بل تثبتها حين تؤدي اختصاصها بكفاءة، وتحترم الحدود التي تجعل الدولة أكبر من أي مؤسسة منفردة.

المفارقة الرابعة: سبعة آلاف وخمسمائة ساعة لا تصنع وحدها رجل دولة

وفق ما أذاعه الخطاب الرسمي، يمتد البرنامج المقترح لأكثر من 7500 ساعة، ويستهدف متقدمين تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين عامًا، مع التركيز على الجدارة والقدرة. هذه التفاصيل توحي بمحاولة نقل عملية إعداد القيادة من الانطباعات العامة إلى التأهيل المنظم، لكنها تفتح سؤالًا حول طبيعة الكفاءة السياسية ذاتها.

فهل يمكن قياس القدرة على الحكم بعدد ساعات التدريب؟ وهل تكفي المعرفة النظرية لإعداد قائد يستطيع إدارة أزمة اقتصادية، أو احتواء صراع اجتماعي، أو التفاوض مع قوى دولية متعارضة، أو اتخاذ قرار صعب ثم الاعتراف بخطئه؟

الخبرة السياسية لا تتكون في القاعات وحدها؛ إنها تنشأ أيضًا من الاحتكاك بالمجتمع، وفهم احتياجاته، والعمل داخل المؤسسات، والتعامل مع الاختلاف، والخضوع للمساءلة، والتعلم من النتائج، وقد يمتلك المرء معرفة واسعة بالنظم الإدارية، لكنه يعجز عن الإصغاء إلى المواطنين؛ وقد يكون بارعًا في التخطيط، لكنه يفتقر إلى المرونة اللازمة لمراجعة خطته حين تتغير الظروف.

كذلك، فإن تحديد الفئة العمرية بين الأربعين والخمسين قد يستهدف أشخاصًا راكموا قدرًا من الخبرة المهنية، لكنه يطرح سؤالًا عن المعايير التي استُبعدت أو رُجِّحت عند تحديد هذه الفئة، فالعمر ليس مقياسًا كافيًا للنضج السياسي، كما أن الخبرة المهنية لا تعني بالضرورة الخبرة في إدارة التعدد المجتمعي أو التنافس الديمقراطي.

وإذا كان الهدف هو اكتشاف الأكفأ، فإن الاختبار الحقيقي ليس في مدة البرنامج، بل في مدى تنوع خبراته، وموضوعية معاييره، وقدرته على كشف نقاط الضعف، وربط التأهيل بأداء فعلي يمكن تقييمه.

المفارقة الخامسة: إذا كانت الكفاءات موجودة، فلماذا تحتاج إلى بوابة جديدة؟

إن التأكيد على أن مصر تمتلك من الكفاءات ما يؤهلها لإنتاج قيادات أفضل يطرح سؤالًا لا يقل أهمية عن البرنامج نفسه: هل المشكلة في نقص الكفاءات، أم في آليات اكتشافها واختيارها وتمكينها؟

قد تمتلك الدولة خبراء في الاقتصاد والطب والهندسة والقانون والعلاقات الدولية والإدارة العامة، لكنها لا تستفيد منهم بالقدر الكافي إذا كانت مسارات الترقّي غير شفافة، أو إذا غلبت الثقة الشخصية على معايير الأداء، أو إذا لم تتوافر آليات تسمح بتداول الخبرات بين المؤسسات.

وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة الأساسية في غياب مدرسة لإعداد القادة، بل في طبيعة النظام الذي يقرر من يدخلها، ومن يتخرج منها، ومن يحصل على فرصة تولي المسؤولية.

فإنشاء برنامج جديد لا يعالج تلقائيًا خللًا محتملًا في قواعد الاختيار القديمة، قد يتحول، إذا لم تصحبه إصلاحات مؤسسية، إلى طبقة إضافية من التأهيل فوق منظومة لاتزال تعمل بالمعايير نفسها. أما إذا ارتبط البرنامج بإصلاح أوسع يضمن تكافؤ الفرص، وشفافية التعيينات، وتقييم الأداء، وحماية الخبرة المهنية من التسييس، فإنه قد يصبح مدخلًا لتطوير الإدارة العامة، لا مجرد وسيلة لإعداد مجموعة جديدة من المرشحين.

إن مصر لا تحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون كيف يديرون الدولة؛ بل تحتاج أيضًا إلى نظام يتيح لأفضل الأشخاص أن يصلوا إلى مواقع المسؤولية، ويمنع احتكار الفرص، ويتيح استبدال المسؤول حين يفشل، مهما بلغت مؤهلاته.

المفارقة السادسة: إعلان نهاية الولاية وبدء التفكير في الرئيس التالي

يكتسب الحديث عن إعداد مرشحين للرئاسة دلالة إضافية حين يتزامن مع تأكيد الرئيس أن عام 2030 سيكون نهاية ولايته، فهنا ينتقل الخطاب من إدارة الحاضر إلى التفكير في مرحلة ما بعد القيادة الحالية.

وقد يُقرأ ذلك باعتباره إقرارًا بأهمية الاستعداد المبكر للانتقال السياسي، بدلًا من ترك المسألة للحظات الأخيرة، وهذه خطوة يمكن أن تكون ذات قيمة إذا تحولت إلى بناء قواعد واضحة لتداول المسؤولية، وإعداد مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتوفير بيئة تنافسية تتيح ظهور بدائل متعددة.

لكن ثمة فارقًا بين إعداد مرشحين محتملين وبين إعداد نظام سياسي قادر على إنتاج قيادة جديدة بصورة منتظمة، الأول قد ينتهي إلى مجموعة من الأسماء المؤهلة، أما الثاني فيتطلب قواعد دستورية مستقرة، ومؤسسات مستقلة، وتنافسًا حقيقيًا بين البرامج، وحق المواطنين في الاختيار.

وإذا أصبحت عملية إعداد المرشحين جزءًا من مسار مؤسسي شفاف لا يحتكر الوصول إلى السلطة، فقد تسهم في تقليل مخاطر الانتقال المفاجئ، أما إذا ارتبطت ببوابة واحدة أو بمعايير لايستطيع المجتمع الاطلاع عليها، فقد تنقل الغموض من سؤال من سيحكم إلى سؤال من يملك حق تحديد من يجوز له أن يحكم.

وهنا تصبح المسألة أبعد من شخص الرئيس القادم؛ إنها تتعلق بطبيعة النظام الذي سيأتي به، وبقدرته على اكتساب الشرعية والاستمرار من خلال المؤسسات لا من خلال الامتداد الشخصي للقيادة السابقة.

المآلات المحتملة: ثلاثة مسارات أمام الدولة

لا يمكن الجزم بمستقبل المبادرة من إعلانها وحده، لكن يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة يتوقف تحققها على قواعد التنفيذ والاختيار والرقابة.

المسار الأول هو أن تتحول إلى برنامج وطني حقيقي لإعداد القيادات، يجمع بين التدريب العسكري والمدني، ويستفيد من الجامعات ومراكز البحث وخبراء الاقتصاد والقانون والإدارة، ويتيح فرصًا متكافئة للمتقدمين من خلفيات مهنية متنوعة، وفي هذه الحالة، قد تسهم المبادرة في تحسين جودة الإدارة العامة، وتطوير قدرات المسؤولين، وبناء قاعدة أوسع من الكفاءات.

المسار الثاني هو أن تصبح برنامجًا مركزيًا لإعداد النخب، يضيف مستوى جديدًا من التأهيل دون أن يغير بصورة جوهرية قواعد اختيار المسؤولين أو مساءلتهم، وفي هذه الحالة، قد تتحسن المهارات الفنية لبعض المتقدمين، بينما تظل المشكلات الأساسية المتعلقة بالشفافية وتكافؤ الفرص واستقلال المؤسسات قائمة.

أما المسار الثالث، والأكثر حساسية سياسيًا، فهو أن يتحول البرنامج إلى بوابة شبه احتكارية لإنتاج القيادات العليا، بحيث يتزايد دور مؤسسة واحدة في تحديد معايير الوصول إلى المناصب المدنية والسياسية، وإذا حدث ذلك، فقد يثير مخاوف بشأن تعددية مصادر الخبرة، وحدود الدور المدني، وطبيعة المنافسة السياسية.

هذه ليست تنبؤات محسومة، بل احتمالات يمكن التمييز بينها من خلال مؤشرات عملية: شروط القبول، وشفافية لجان الاختيار، وتنوع المشاركين، وطبيعة المناهج، ونتائج الخريجين، وحدود العلاقة بين التأهيل والتعيين والترشح.

الخاتمة: الدولة تُعِدُّ رئيسًا، أم تُعِدُّ نفسها لتغيير رئيس؟

في نهاية المطاف، ليست المسألة أن تتولى الأكاديمية العسكرية تدريب مرشحين للرئاسة، ولا أن تكتسب الدولة خبرة إضافية في تأهيل القيادات؛ فهذه أمور يمكن أن تحمل قيمة حقيقية إذا وُضعت داخل إطار مؤسسي واضح.

المسألة الأعمق هي أن إعداد القائد لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار لتعريف الكفاءة، وأن التأهيل لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن الشرعية، وأن الخبرة لا ينبغي أن تحل محل حق المجتمع في الاختيار.

إن الدولة التي تفكر في مستقبلها لا تكتفي بإعداد أشخاص يصلحون للحكم؛ بل تبني نظامًا يستطيع أن يختار بينهم بحرية، ويحاسبهم بعد تولي المسؤولية، ويستبدلهم حين يفشلون، ويحافظ على استمرارية المؤسسات مهما تغيرت الأسماء.

فالرئيس القادم قد يكون خريج برنامج تأهيلي، وقد يأتي من مسار سياسي أو مهني آخر؛ لكن الأهم من خلفيته هو النظام الذي سيمنحه حق تولي المسؤولية، والضوابط التي ستحدد سلطاته، والمؤسسات التي ستراقب أداءه، والمواطنون الذين سيحاسبونه.

فالدولة القوية ليست التي تعرف كيف تصنع رئيسًا، بل التي لا يتوقف مستقبلها على شخص الرئيس؛ وليست التي تحتكر فيها مؤسسة واحدة إعداد النخب، بل التي تتيح لمجتمعها أن ينتج قياداته من مسارات متعددة، ثم يختار بينها وفق قواعد عادلة وشفافة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تبدأ الفكرة بسؤال عن كيفية إعداد الرئيس القادم، لكنها تنتهي بسؤال أكثر أهمية: هل نحن بصدد إعداد شخص لقيادة الدولة، أم إعداد دولة تستطيع أن تنتج قيادتها، وتراجعها، وتغيِّرها، دون أن تهتز قواعدها أو تتعطل مؤسساتها؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي، وما عداه يظل تفاصيل في برنامج، مهما بلغت ساعات تدريبه أو ارتفعت مكانة المؤسسة التي تتولى تنفيذه.
----------------------------------
بقلم: 
أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

من يصنع الرئيس القادم؟ | حين تتحول الأكاديمية العسكرية إلى سؤال عن مستقبل الحكم في مصر