يبدو أننا على موعد مع الاحداث السريعة المتصاعدة، فقد فاجأ الرئيس من جديد الجميع في حفل تخريج دفعة جديدة من الاكاديمية العسكرية بأن آخر يوم لحكمه سيكون في ٢٠٣٠، وان كل من مصطفى بكري واحمد موسى راجعاه في ذلك لكنه اصر على موقفه.
لم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد، إذ أنه طرح أمرين آخرين، الأول هو وضع خطة او سيناريو لاختيار الحاكم الذي يأتي من بعده، مفسرا المادة التي وضعت في دستور ٢٠١٤ والتي تنص على ان القوات المسلحة تحمي الديمقراطية وتصون الدولة المدنية، بأن من حق القوات المسلحة عدم ترك الدولة تذهب للخونة والمجرمين، ومن ثم طرح تشكيل لجنة من القوات المسلحة والازهر والكتيسة ومؤسسات اخرى لاختيار ثلاثة آلاف شخص من حملة الماجستير والدكتوراه، يتم تعليمهم ما الذي تعنيه كلمة دولة، وكيف تدار الدولة، ممن اعمارهم ما بين ٤٠ الى ٥٠ عاما، وذلك لتجهيزهم ليس للرئاسة فقط ولكن لباقي المؤسسات في الدولة.. ويستثنى من ذلك الشرط كل من عمل في الوزارات مدة ست سنوات فما أكثر.
المفاجأة الثانية هي تقديم التحية العسكرية لدول الخليج التي ساندت مصر بعد أحداث ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣، والتي ساعدتها بالقمح والغاز والنفط وغيره، وأنه لابد من رد الجميل لهذه الدول وهي السعودية والإمارات والكويت، وذلك عبر إرسال قوات للدفاع عنها بناء على توجيهات الملك سلمان ورئيس دولة الامارات محمد بن زايد، وأن الامر يحتاج إلى موافقة من البرلمان، ولذا فإنه يرجو من البرلمان أن يوافق عليه.
هكذا نجد أنفسنا أمام ثلاث مفاجآت الاولى تخص التزام الرئيس بالخروج عن الحكم في ٢٠٣٠. وهي بمثابة المكافأة الكبرى، في مقابل المفاجأتين التاليتين، والأولى هي تفسير غريب غير دستوري لكون القوات المسلحة راع للديمقراطية وصائن لها، وذلك عبر تشكيل لجنة واختيار ٣٠٠٠ شخص لتعليمهم مدة عامين ونصف في الأكاديمية العسكرية (يذكرنا ذلك بمؤتمر الشباب وإعداد القادة)، ثم الاختيار من بينهم من يصلح رئيسا للبلاد، كي لا يحكمها مجرم او خائن. وهذا تفسير غريب ومدهش لهذه المادة، لأنه يلغي فكرة الدستور والقانون وما تنص عليه بنودهما في طريقة اختيار الرئيس، سواء من خلال عدد من أعضاء البرلمان، او توكيلات من نحو ثلاثة آلاف مواطن من ١٥ محافظة على الأقل. دون شرط سوى الصحة البدنية والنفسية والحصول على مؤهل عال وكون المرشح من أب وأم وجدين مصريين، وألا يحمل جنسية أخرى. فهذه هي الشروط التي ينص عليها الدستور وطريقة الانتخاب ومراجعة الأوراق من قبل اللجنة العليا للانتخابات.. أما وجود لجنة غير لجنة الانتخابات.. أو اختيار أناس من حملة الماجستير والدكتوراه، وتعليمهم مدة ثلاثين شهرا في الأكاديمية العسكرية، فذلك كله غير دستوري، لأسباب كثيرة، أولها أن الدستور لم ينص عليها، ثانيا أن القول بان القوات المسلحة هي المؤسسة الأكثر وطنية في المجتمع غير صحيح، والقول بأنها الوحيدة التي تعرف معنى الدولة وكيفية الحفاظ عليها أيضا غير صحيح، والقول بأن أي شخص يرشح للرئاسة لابد ان يكون قد تعلم مدة عامين ونصف في الأكاديمية العسكرية يعني ان كل التعليم المدني لا معنى له، وأن الدولة المصرية هي دولة عسكرية، وهذا أيضا غير دستوري وغير صحيح. وأن هذا التفسير غريب ومدهش. لأن نص المادة الواردة في دستور ٢٠١٤ يعني أنه في حال وجود انقلاب على الديمقراطية في الحكم فإنه يحق للمؤسسة العسكرية التدخل لإعادة الأمور الى نصابها الصحيح، وان عليها ان ترفض أي محاولات لتديين الدولة أو مؤسساتها او تغيير هويتها المدنية، وأن تمنع قيام احزاب دينية. وليس اختيار من يصلح للحكم.
المفاجأة الثانية هي إرسال قوات من الجيش للحرب في دول الخليج، حتى وإن قيل للدفاع وليس الحرب، وهو الأمر الذي يحتاح الى ثلاثة موافقات، الاولى من الجيش نفسه لأنهم ابناؤه، والثانية من البرلمان الذي ينص الدستور بعدم خروج أي قوات مسلحة إلى خارج البلاد إلا بموافقة منه، والثالثة من الشارع العام الغاضب. والذي تم التكريس له على مدار الشهور السابقة، أن جيش مصر لها وحدها، وان مصر لا تدخل في تحالفات.
لكن فيما يبدو أن مصر كانت بحاجة إلى تعديل أوضاعها، والبحث عن صيغة يمكنها من خلالها تطمين الأطراف الداخلية، ومنح كل منهم ما يريده، بحيث يحصل المعارضون، خاصة الإسلاميين منهم، على وعد بعدم التجديد للرئيس، وأن الرجل الذي أخرج الإخوان من الحكم سيخرج أيضا مثلهم، ويعطي للمؤسسة العسكرية تطمينا بأن الحكم لن يخرج عنهم، كما يعطي المدنيين وعدا بان يكون الرئيس القادم مدنيا يحمل درجة الماجستير أو الدكتوراه، لكن ليس شرطا أن يكون الرئيس من بين هؤلاء الثلاثة آلاف شخص المختارين للتعلم مدة ثلاثين شهرا في الأكاديمية العسكرية، فقد ينافسهم كل من عمل ٦ سنوات أو أكثر في اروقة مؤسسات ووزرات الدولة، أي ان من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن. ويتساوى مع جلس في بيته او في المسجد الحرام.
ومن ثم يمكن القول أن إعلان الرئيس عدم تمديد مدة حكمه هي بمثابة مقاصة تقدم عدم التجديد في مدة الحكم، وأن يكون الحاكم القادم مدنيا بخلفية عسكرية، في مقابل السماح بذهاب قوات للحرب في الخليج. وأن هذا خطاب للمؤسسة العسكرية بالدرجة الاولى، أكثر منه خطاب للداخل المدني.
------------------------------------
بقلم: صبحي موسى
* نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك






