ما أشد حاجة الإنسان إلى ما يعرف به نفسه، وما أشد خطر ما يعرف به نفسه حين يجعله سلاحا يعرف به أعداءه والمختلفين معه، والحد الفاصل بينه وبينهم، فالهوية في أصلها بيت تسكن إليه الذات والروح، وتأنس فيه إلى ماضيها، وتستظل بذكرياتها، غير أنها قد تتحول، إذا ضاق بها العقل واستبد بها التعصب، إلى جدار يحجب الإنسان عن أخيه الإنسان، فلا يرى وراءه إلا غريبا ينبغي أن يخشاه، أو مخالفا ينبغي أن يقصيه.
من هذه المقدمة تأتي أهمية كتاب "ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي" لصديقي العزيز الدكتور هاني نسيرة، الصادر حديثًا عن دار رؤية بالقاهرة، وما أثاره من أسئلة مهمة وتأملات عميقة في قضايا الدين والدولة والانتماء، فرأيت أن وراء مباحثه الفكرية والسياسية معنى إنسانيا يستحق الوقوف عنده، وهو أن الإنسان قد يكون أسيرا لهويته، لا لأنها ضاقت به، ولكن لأنه ضيقها على نفسه، حتى لم يعد يرى في هذا العالم الواسع إلا صورته، ولا يسمع من أصوات الناس إلا صدى صوته.
ولعل أول ما يستحق التأمل في أطروحة كتاب هاني نسيرة تأكيده على أن الهوية كائن حي، وليست كيانا أو بعدا أحاديا مغلقا، كما قد يتصور البعض، بل هي نسيج مركب من روافد وانتماءات متعددة، تتفاعل فيما بينها، وقد يتقدم أحدها إلى الواجهة حين تواجه الجماعة تحديا تشعر أنه يمس وجودها أو مكانتها. وهنا لا تعود الهوية مجرد إجابة عن سؤال: من نحن؟ بل تمتد إلى أسئلة أكثر تعقيدا: من يملك حق تعريفنا؟ ومن يحدد مكانتنا في المجتمع؟ وهل نحظى بالاعتراف بحقوقنا وخصوصيتنا، أم ندفع إلى الهامش لأننا مختلفون؟
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الهوية مجرد ذاكرة نستدعيها كلما حننا إلى الماضي، وإنما تصبح أيضًا مجالا تتداخل فيه الثقافة والسياسة والسلطة، وتتجاذبه المصالح والتصورات والصراعات. فالانتماء، حين يتجاوز حدود الشعور الشخصي إلى المجال العام، قد يتحول إلى وسيلة للحشد والتعبئة، ويغدو الخطاب الذي يستدعي التاريخ أو الرموز المقدسة قادرا على توجيه مشاعر الجماعات وتحديد موقفها من الآخرين. وهنا تكمن إحدى المفارقات: فما يمنح الجماعة شعورا بالتضامن والقدرة على الدفاع عن ذاتها، قد يصبح في ظروف أخرى أداة لإقصاء المختلف أو حرمانه من حقوقه.
وهنا تبدو لي إحدى القيم الإنسانية العميقة التي يفتح الكتاب أبواب التأمل فيها. فليست أزمة الهوية دائما أزمة أفكار تتنازع، أو مصالح تتصارع، بل قد تكون قبل ذلك أزمة نفوس لم تتعلم كيف تحب ما لديها دون أن تحتقر ما لدى الآخرين. وحين يستقر هذا الخلل في النفس، تصبح العقيدة التي كان ينبغي أن تهذب صاحبها ذريعة لقسوته، ويغدو التاريخ الذي كان ينبغي أن يعلمه الحكمة وقودا لأحقاده، ويتحول الانتماء الذي يمنحه الطمأنينة إلى خوف دائم من كل مختلف.
ولعل أهمية المقاربة التي يتبناها الدكتور نسيرة أنها لا تكتفي بالنظر إلى الهوية من زاوية واحدة، بل تسعى إلى تفكيك مكوناتها وخطاباتها، والاستعانة بأدوات تحليلية من مجالات متعددة، تشمل تاريخ الأفكار وعلم النفس والاجتماع السياسي والنقد الثقافي. ومن خلال تتبع السرديات التاريخية والمتخيلة، والرموز المقدسة، وما تحمله الخطابات من معان ظاهرة وأخرى مضمرة، يصبح ممكنا فهم الكيفية التي تتشكل بها تصورات الجماعات عن ذواتها، وكيف تتحول هذه التصورات أحيانا إلى أدوات للمقاومة والمطالبة بالاعتراف، وأحيانا أخرى إلى مبررات للصدام والإقصاء.
فالمشكلة، إذن، ليست في أن تكون للإنسان هوية يعتز بها، وإنما في الطريقة التي يفهم بها هذه الهوية، وفي الحدود التي يرسمها بينها وبين هويات الآخرين. فالهوية التي تمنح صاحبها الثقة بجذوره يمكن أن تفتح له أبواب التواصل مع العالم، أما الهوية التي لا تستمد شعورها بالقوة إلا من نفي الآخرين، فإنها تظل أسيرة الخوف، مهما رفعت من شعارات الاعتزاز بالماضي أو الدفاع عن المقدسات.
ومن هنا تتجاوز قضية الهوية حدود الجدل الفكري إلى سؤال المواطنة والعدالة. فحين تتحول الاختلافات الدينية أو الثقافية أو القومية إلى أساس لتفاوت الحقوق، يصبح الانتماء مدخلًا إلى التمييز بدلًا من أن يكون مساحة للتعارف. ولا يكفي، في مواجهة هذا الخطر، أن نرفع شعارات التسامح أو التعايش، بل ينبغي أن تتحول المساواة إلى ممارسة مؤسسية تحمي الحقوق، وتضمن المشاركة، وتمنع تحويل الاختلاف إلى ذريعة للصراع. ولعل هذه إحدى أهم الرسائل التي تبرز في أطروحة الكتاب: ضرورة الانتقال من الهويات الصدامية إلى مواطنة جامعة، لا تطلب من الناس التخلي عن خصوصياتهم، بل تتيح لهم الاحتفاظ بها دون أن تنتقص من حقوق غيرهم.
وقصارى القول، إن القيمة التي أجدها جديرة بالتأمل في هذا الكتاب ليست في كشف ما تفعله الهويات بالمجتمعات فحسب، بل في دفعنا إلى مساءلة أنفسنا عما نفعله نحن بهوياتنا. فليس الامتحان الحقيقي أن نعرف من نكون، وإنما أن نعرف كيف نكون أنفسنا دون أن ننكر حق الآخرين في أن يكونوا أنفسهم. وليس المطلوب أن نتخلى عن ذاكرتنا أو ننكر خصوصيتنا، وإنما أن نتحرر من ذلك الوهم الذي يجعل الانتماء نقيضا للإنصاف، والاختلاف نقيضا للمواطنة، والاعتراف بالآخر انتقاصا من الذات.
وما أجمل الهوية حين تكون وطنا تسكنه الروح، وما أقبحها حين تصبح سجنا لا يرى الإنسان من نوافذه إلا نفسه.
---------------------------------
بقلم: د. سعيد العويم
* كاتب وأكاديمي إماراتي







