أحدث التطور التكنولوجي في مجال الصحافة تحولًا كبيرًا في صناعة الإعلام، فتراجعت الصحف الورقية في اهتمامات القراء، وصعدت المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية لتصبح رقمًا صعبًا في معادلة الصحافة، بل تصدرت المشهد الصحفي في مصر.
ومع هذا التحول، برزت أزمة الصحفيين الإلكترونيين الذين يمارسون العمل الصحفي يوميًا، لكنهم يواجهون صعوبات في الحصول على مظلة نقابية تحمي حقوقهم المهنية والاجتماعية. وتطرح هذه الأزمة تساؤلات مهمة حول مدى ملاءمة التشريعات المنظمة لنقابة الصحفيين لطبيعة الصحافة الحديثة، وكيفية حماية حقوق العاملين فيها دون الإخلال بالمعايير المهنية أو السماح بانتشار كيانات موازية تضعف العمل النقابي.
وتكمن المشكلة الأساسية في الفجوة بين تطور الممارسة الصحفية والتحول الرقمي من جهة، والضوابط القانونية والإجرائية المنظمة للقيد في نقابة الصحفيين من جهة أخرى. فقد يعمل الصحفي الإلكتروني في موقع إخباري مرخص، ويقدم محتوى صحفيًا أصيلًا، ويتمتع بخبرة واسعة، لكنه يصطدم بعقبات تتعلق بطبيعة جهة العمل، وإثبات العلاقة الوظيفية، وانتظام الأجر، والتأمينات الاجتماعية، ومدى توافق نشاط المؤسسة مع شروط القيد.
وزادت أنماط العمل الحديثة، مثل العمل عن بُعد والعمل الحر والتعاقد بالمهمة، من تعقيد المشكلة؛ إذ لم تعد العلاقة بين الصحفي والمؤسسة دائمًا علاقة تقليدية تقوم على التعيين الدائم والراتب الشهري الثابت. كما أن بعض المؤسسات الرقمية لا توفر عقودًا واضحة أو تأمينًا اجتماعيًا للعاملين بها، ما يضع الصحفي أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في العمل واستيفاء متطلبات العضوية النقابية.
- قانون النقابة.. عائق أمام قيد الصحفيين الإلكترونيين
ينظم قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 شروط العضوية والقيد في جداول النقابة، وقد صدر في فترة كانت الصحافة الورقية ووكالات الأنباء تمثلان الإطار الأساسي للعمل الصحفي. وتظهر أبرز الإشكاليات عند النظر في عدد من مواده.
فنجد أن المادة الرابعة تنص على إنشاء جداول للنقابة تشمل الصحفيين المشتغلين وغير المشتغلين والمنتسبين وتحت التمرين. ويثير هذا التنظيم أهمية تطوير آليات تستوعب التخصصات الرقمية الحديثة، مع الحفاظ على التمييز بين الأوضاع المهنية المختلفة.
أما المادة الخامسة، فتحدد الشروط العامة للقيد، ومنها احتراف الصحافة، والجنسية المصرية وفق الصياغة القانونية، وحسن السمعة، والحصول على مؤهل دراسي عالٍ. ولا تتضمن المادة حظرًا عامًا وصريحًا على الصحافة الإلكترونية، لكن تطبيق مفهوم الاحتراف وإثبات ممارسة المهنة قد يثيران خلافًا عند التعامل مع أنماط العمل الرقمي الحديثة.
وتتناول المادة السادسة تعريف الصحفي المشتغل، وتربط هذا الوصف بممارسة الصحافة بصورة أساسية ومنتظمة في صحيفة يومية أو دورية مطبوعة أو وكالة أنباء، مقابل أجر ثابت، مع عدم ممارسة مهنة أخرى، فضلًا عن أحكام تتعلق بفئات تحريرية متخصصة. وهنا تظهر إحدى أبرز المشكلات؛ إذ تركز الصياغة الأصلية على أنماط العمل التقليدية، ولا تعالج بصورة تفصيلية جميع أشكال العمل في المواقع والمنصات الرقمية.
وتتيح المادة الثانية عشرة قيد فئات من الصحفيين المنتسبين وفق شروط محددة، لكنها لا تمثل بديلًا شاملًا لكل صحفي إلكتروني يتعذر عليه استيفاء شروط القيد في الجداول الأخرى. كما تنص الفقرة «ج» منها على قيد غير المحترفين للمهنة ممن يسهمون مباشرة في أعمال الصحافة، متى توافرت لديهم شروط المادة الخامسة، باستثناء شرط الاحتراف.
وبما أن معظم العاملين في المواقع الإلكترونية يمارسون الصحافة بوصفها مهنة احترافية، فإن إلحاقهم بجدول المنتسبين استنادًا إلى هذا الاستثناء قد يفتح الباب للطعن على عضويتهم.
وفي المقابل، ينظم قانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، ويتضمن تعريفات للصحيفة والموقع الإلكتروني، ويضع قواعد لترخيص المواقع وتنظيم المسؤولية التحريرية، بما يؤكد أن الصحافة الرقمية أصبحت جزءًا معترفًا به من البيئة القانونية للإعلام.
ومن هنا، فإن فتح الباب لتفسير مواد قانون النقابة تفسيرًا عصريًا، كما اقترح نقيب الصحفيين خالد البلشي، قد يبدو حلًا للبعض ، لكنه ينطوي على مخاطر إذا تحول إلى سابقة تسمح بالتوسع في التأويل خارج الضوابط القانونية. فالمطلوب ليس مجرد اجتهاد في التفسير، بل معالجة قانونية واضحة تضمن حقوق الصحفيين وتحمي النقابة من أي ممارسات قد تضر بها مستقبلًا.
- تعديل قانون النقابة.. مخاطرة لا تُحمد عقباها
تعالت مؤخرًا الأصوات المطالبة بتعديل قانون نقابة الصحفيين. وقد وصف أحد أعضاء مجلس النقابة القانون بأنه بلغ من العمر عتيًا، واشتعلت مواده شيبًا، وهو توصيف يصعب الاختلاف معه.
لكن المطالبة بالتغيير في ظل البيئة التشريعية الحالية تضع أصحابها أمام مسؤولية تاريخية: فمن يضمن أن يأتي التعديل وفق مشروع تعده النقابة نفسها، ويعزز مكتسبات القانون الحالي ويتلافى عيوبه؟
لا أحد يرفض إصدار قانون جديد يواكب تطورات المهنة ويليق بالنقابة ويعزز حريتها، لكن الخشية أن يأتي التعديل بنتائج عكسية، وهل هناك عاقل يرفض ان نُدخل غزل قانونا جديد لماكينة التشريعات فتخرج لنا ثوبا يليق بمهنتنا ونقابتنا ويعزز حريتنا، ولكن إذا خرج من هذا الغزل حبلا يضاف للحبال الموضوعة على أعناق الصحفيين ومهنتهم ونقابتهم ،عندها ستكون الخسارة كبيرة، ولن ينسى التاريخ النقابي والمهني مسؤولية من تسبب في هذه الجريمة.
- الحلول المقترحة لمعالجة الأزمة وحماية الصحفيين الإلكترونيين
بداية، يجب التأكيد أن حصول أي موقع إلكتروني على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مقابل رسوم قد تصل إلى نحو 50 ألف جنيه، لا يعني بالضرورة أنه أصبح مؤسسة صحفية مستقرة. فالأمر يتطلب التحقق من وجود هيكل مؤسسي واضح، واستقرار البنية الصحفية والمهنية، وتوافر ضمانات جدية لاستمرار لمدة لا تقل عن خمسة سنوات.
ومن هنا، أطرح فكرة «تكويد» المواقع الإلكترونية الجادة لدى النقابة، وفق معايير تضمن استقرارها وجديتها المهنية حتى يتم الأخذ منها بجدول المنتسبين . ويمكن تلخيص الحلول المقترحة فيما يلي:
- فتح جدول الانتساب أمام الصحفيين الإلكترونيين: يمكن بحث الاستفادة من الفقرة «ج» من المادة الثانية عشرة، من خلال قرار تتخذه الجمعية العمومية، يتيح قيد بعض الصحفيين الإلكترونيين غير المتعاقدين رسميًا مع المواقع ضمن جدول المنتسبين، باعتبارهم من الفئات التي لا ينطبق عليها شرط الاحتراف وفق هذا المسار، مع ضرورة التحقق من سلامة هذا التفسير قانونيًا، حتى لا تصبح عضويتهم عرضة للطعن.
- إلزام المؤسسات الصحفية الإلكترونية بحماية العاملين: ينبغي تشجيع المؤسسات الرقمية على إبرام عقود واضحة، وصرف أجور منتظمة، والالتزام بالتأمينات الاجتماعية، مع وضع آليات لمساءلة المؤسسات التي تستفيد من عمل الصحفيين دون منحهم حقوقهم الأساسية ، وهنا ستقوم النقابة بالدفاع عن حقوقهم كممارسين للمهنة ليسوا كأعضاء وهذا امر أقره القانون الحالى .
- إصدار غطاء ورقي دوري للمواقع الإلكترونية: يمكن إصدار مطبوعات أسبوعية أو شهرية للمواقع الإلكترونية، بما يتيح فتح مسارات للقيد في جداول النقابة المختلفة، وفقًا للقانون، ويساعد على تجاوز بعض العقبات المرتبطة بطبيعة النشر الرقمي. وهناك مواقع، مثل «القاهرة 24» و«بصراحة» و«تليجراف مصر»، وغيرها الكثير ، يمكنها دراسة هذه الخطوة بحكم استقرار نشاطها، بما يفتح أبواب النقابة أمام محرريها، ويسهم في تنشيط سوق الصحافة الورقية بمطبوعات جديدة تستفيد من خبرة المؤسسات الرقمية وتقنياتها الحديثة.
- تحديث قانون النقابة ولائحة القيد: يجب السعي الجاد إلى تحديثهما بضمانات صارمة تحفظ مكتسبات القانون الحالي، وتعزز الحريات الصحفية وتحول دون فرض قيود جديدة. كما ينبغي أن يتضمن التحديث نصوصًا تسمح بقيد الصحفي الإلكتروني، ولو في جدول مستقل، مع الاعتراف بالاحتراف الصحفي في المواقع والمنصات الإخبارية المرخصة، ووضع معايير مهنية واضحة تمنع التوسع غير المنضبط في العضوية.
- وضع معايير عادلة لإثبات ممارسة العمل الصحفي: يمكن الاستناد إلى عقود العمل، والأعمال المنشورة، وشهادات الخبرة، وسجلات التكليفات والتحرير، وغيرها من الأدلة المهنية الموثوقة، بما يسمح بتقييم كل حالة وفق طبيعتها، دون الاقتصار على نموذج وظيفي واحد.
- ضمان الشفافية في قرارات القيد: من المهم إعلان الشروط والمستندات المطلوبة بوضوح، وتسبيب قرارات الرفض، وإتاحة آلية فعالة للتظلم، بما يحقق تكافؤ الفرص ويحد من تفاوت الاجتهادات.
- تعزيز التوعية القانونية: ينبغي توعية الصحفيين الشباب بالفارق بين العضوية الرسمية في نقابة الصحفيين والعضوية في الجمعيات أو الروابط المهنية، والتحذير من الجهات التي تقدم وعودًا مضللة بشأن الحقوق القانونية والنقابية
مخاوف مشروعة
لا ينكر أحد أن لدى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين مخاوف مشروعة من فتح أبواب النقابة على مصراعيها دون ضوابط، بما قد يهدد مستقبل المهنة أو ينتقص من مكتسبات ناضل الصحفيون طويلًا من أجل الحصول عليها.
ومن أبرز هذه المكتسبات «بدل التدريب»، الذي يطالب البعض بإلغائه دون مراعاة التفاوت الكبير في الظروف الاقتصادية بين الصحفيين. فبينما يعمل بعضهم في مؤسسات مستقرة توفر لهم دخلًا مناسبًا، لأنها مرضى عنها ، يواجه آخرون الفصل التعسفي وإغلاق الصحف وتقييد الحريات الصحفية، ويصبح البدل بالنسبة إليهم سندًا أساسيًا، رغم أنه لم يحقق الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
لذلك، فإن معالجة أزمة الصحفيين الإلكترونيين يجب ألا تكون على حساب الحقوق المكتسبة للصحفيين، بل ينبغي أن تقوم على التوازن بين توسيع مظلة الحماية النقابية والحفاظ على مكتسبات المهنة.
خطورة الكيانات الموازية لنقابة الصحفيين
في ظل صعوبة القيد أمام الصحفيين الإلكترونيين، استغل بعض الأشخاص هذه الأزمة للدعوة إلى إنشاء كيانات أو اتحادات تحمل أسماء مهنية، وتصدر بطاقات أو شهادات عضوية، أو تعلن قدرتها على تمثيل العاملين في المجال الصحفي، وينخرط فيها ملاك المؤسسات وصحفيون.
وتتمثل أبرز مخاطر هذه الكيانات في إضعاف وحدة الصف الصحفي، عبر توزيع العاملين بين جهات متعددة تختلف في طبيعتها القانونية ومعايير العضوية وقدرتها على الدفاع عن الحقوق المهنية. كما قد تستغل حاجة الشباب إلى الاعتراف المهني، فتحصل منهم رسومًا مقابل بطاقات أو شهادات لا تمنح بالضرورة أي حقوق قانونية أو نقابية.
ويتمثل الخطر الثالث في إرباك المعايير المهنية؛ إذ قد يؤدي غياب الضوابط الواضحة للتحقق من ممارسة الصحافة إلى الخلط بين الصحفي المحترف وممارسي أنشطة أخرى على الإنترنت. كما قد تمنح هذه الكيانات بعض العاملين شعورًا زائفًا بالحماية، دون توفير ضمانات قانونية مماثلة لتلك التي يتيحها الإطار النقابي الرسمي.
وهنا تجدر الإشارة إلى المادة الخامسة من قانون النقابة، وتحديدًا الفقرة «أ»، التي تشترط، وفق نصها الأصلي، أن يكون العضو صحفيًا محترفًا غير مالك لصحيفة أو وكالة أنباء تعمل في الجمهورية العربية المتحدة أو شريكًا في ملكيتها أو مساهمًا في رأس مالها.
ويعكس هذا النص مبدأ الفصل بين الانتماء النقابي للصحفيين ومصالح ملاك المؤسسات الصحفية. ولو طُبق هذا الشرط بحذافيره على جميع الحالات القائمة، فقد يثير تساؤلات بشأن مدى توافق أوضاع بعض الأعضاء مع شروط العضوية.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمع بين ملاك الصحف والمواقع الإلكترونية والصحفيين في كيانات تدعي تمثيل المهنة يثير إشكاليات قانونية ومهنية تستوجب التوقف عندها، خصوصًا في ضوء دور النقابات المهنية في تنظيم شؤون أعضائها والدفاع عن حقوقهم، وفقًا للدستور والقوانين المنظمة.
إن أزمة الصحفيين الإلكترونيين في مصر ليست مجرد خلاف حول بطاقة عضوية، بل قضية تتعلق بالعدالة المهنية والحماية الاجتماعية ومستقبل التنظيم النقابي في عصر الإعلام الرقمي ، ولكن يحتاج ذلك لضوابط صارمة حول من هو الصحفي الحقيقي الممارس للمهنة بالمعايير المهنية .
والحل ليس في إغلاق أبواب النقابة أمام التطور، ولا في فتحها دون ضوابط، وإنما في استيعاب الصحفيين الإلكترونيين ضمن إطار قانوني واضح، ومعايير مهنية منضبطة، وضمانات تحمي مكتسبات الصحفيين وحرياتهم ووحدة نقابتهم.
-------------------------------------
بقلم: د. هانى صلاح الدين






