15 - 10 - 2026

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 25

إبداعات | رواية مايا - الجزء الثاني - الفصل 25

25

بيروت، 25 ديسمبر 2015

ارتباك واضطراب يسيطران عليّ.. أكاد أرى شظاياي تتطاير في كل الاتجاهات.. لا أكاد أستجمع شتات نفسي.. ألوم نفسي وأُعنّفها أن طاوعت عقلي على زيارة دكتور صبره.. ما كان لهذه الزيارة أن تتم.. كان أجدى لي أن أبقى في حلم التحسن من أن أستيقظ على واقع مرير أكتشف فيه تردّي حالتي بعد أن نطق الطبيب باسمٍ يخيفني.

استيقظتُ هذا الصباح على ضحكات ساندرا وهي تفتح هدايا عيد الميلاد في الصالة، تعبر الباب المغلق كأنها آتية من بيتٍ آخر لا شأن لي به. وقفتُ عند عتبة غرفتي أنظر إليها دون أن أدخل المشهد: ابنتي بين أوراق التغليف الملونة، والخادمة تلملم الشرائط، وعلى الكوميد خلفي علبة الدواء بتعليماتها الجديدة، موضوعة إلى جوار الدفتر كأنهما اتفقا عليّ. نادتني ساندرا "ماما، تعي شوفي!"، فقلت "عيوني حبيبتي"، وعرفتُ وأنا أمشي نحوها أنني أكذب كذبة صغيرة جديدة، لأن ما كان يمشي نحوها لم يكن واثقًا أنه كله أنا.

ثم جاءني الصوت الذي ظننته صوت عقلي، فإذا هو أقرب إلى صوت تلك المرأة الأخرى التي حدثتك عنها في آذار؛ أجرأ مني وأكثر فوضى. وقفت خلف كتفي وقالت بهدوء لا يشبه الغضب: "انظري إلى ما فعله بكِ قلبكِ". ثم أضافت، وهنا تجمدت يدي على الورقة: "ومن قال إنكِ أنتِ مَن ارتمى في حضنه تلك الليلة؟". لم أجد جوابًا. وحين هممتُ أن أنهرها تذكرتُ أن اليد التي تمسك القلم الآن قد تكون يدها، وأن هذه السطور نفسها قد لا أذكر غدًا أنني كتبتُها.

يا لك من مسكين أيها القلب.. طوحت بي في بحر الحب حتى إذا ما غاب الشاطئ وارتفعت الأمواج، تركتني أُجدف وحدي، لا أدري من أنا، ولا أين أنا.

أهملت علاجي، ورسمت لي الفرحة خيالات وأوهامًا. ما كنت أظنه تمام الشفاء، تحول في لحظة إلى برهان على تدهور حالتي.

ما صدمني فعلًا لم يكن اسم المرض، بل الطريقة التي اعتدل بها دكتور صبره في جلسته وأعاد عليّ السؤال بصيغ تتبدل ومعنى واحد: كم من حياتي لا أذكرها؟ وأي مسافة بين ما أحسبه حدث وما حدث فعلًا؟ استمرت أسئلته لدقائق بلغتُ خلالها ذروة القلق، كنت أنكمش في مقعدي وأنزوي كطفل لا حول له ولا قوة ينتظر سماع درجة امتحان يعلم مسبقًا أنه فشل فيه، ومع هذا كنت أتعلق بقشة المعجزات، وتذكرت قول أبي الذي كثيرًا ما ردده: "هل أفلس زماننا من المعجزات، أم أنه لا يوجد شيء يُدعى معجزات؟".

وفوق ذلك كله جملته الأخيرة، حين نزع عنه ثوب الطبيب وتكلم كعمِّ للعائلة: "راجعي حالِك بموضوع هالشب". هو لا يعرف هاشمًا ولم يرَه، ومع ذلك حذّرني منه كما يُحذَّر المرء من نهر لم يعبره. هل يخاف عليّ من هاشم، أم يخاف عليّ من حاجتي إلى هاشم؟ لم أسأله، وهذا وحده يكفي لأعرف أنني أخشى الجواب.

قالها الطبيب بصوتٍ خافت، وأعرف الآن أن الكلمة ليست جديدة؛ كانت في الدرج منذ آذار، وكل ما فعله أنه فتح الدرج. وفي يدي القصاصة التي طلب مني أن أكتب عليها جملة تُنبّهني. جلستُ إلى حافة السرير وقلم الرصاص يتردد فوق الورقة الصغيرة. ماذا يكتب المرء لنفسه حين لا يثق بمن سيقرأه؟ كتبتُ، ثم مسحتُ، ثم كتبتُ: "اسألي أحدًا غيركِ: هل هذا حقيقي؟". ثم طويتها ودسستها في علبة السجائر، حيث سقطت ذات صباح ورقةٌ أخرى بخط يدي، لا أذكر أنني كتبتها، ولم أجرؤ بعدُ على قراءتها مرة ثانية.

كما أنني أعرف أن هذا الدفتر، الذي لم يعد لي وحدي. كان صديقًا يسمع ولا يعقّب، فإذا به يتحول إلى ملف. سيأتي يوم، وربما قبل المرة القادمة، يُفتح فيه على طاولة دكتور صبره، وتمر عليه عينان لا تعرفان أن الكلمة حين تُكتب لصديق تختلف عنها حين تُكتب لقارئ. أراني منذ الآن أراجع السطور وأنا أكتبها: هذه تُقال، وهذه تُحذف، وهذه تُقال بصيغة أخرى. هكذا يتغير الحبر حين يعرف أن له قارئًا: يتعلم الكذب بأدب.

..........................................

قررتُ الليلة أن أعامل ذاكرتي كما يعامل المحقق شاهدًا مشكوكًا فيه. كتبتُ على هامش الصفحة أسماء من رأوا هاشمًا: جان التي سبقتني إلى الحديث عن "الكيميا" قبل أن أعترف لنفسي بشيء؛ وروكسانا التي رأت وجهي حين نهضتُ فجأةً عند الحلاب؛ والمدير الذي قال "شكلك بخير اليوم يا مايا" يوم عدتُ من الغداء الأول؛ ورفاق الكورنيش وصيحتهم الممطوطة "صباحووو". ثم فتحتُ الهاتف وقلّبتُ محادثتنا من أولها إلى آخرها: "وصلت؟"، و"الحمد لله.. طمنيني عنك". أما "وحشتيني" فلا أجد لها أثرًا مكتوبًا؛ قالها بصوته على الهاتف، ومن يشهد على الصوت؟ هاشم إذن ليس وهمًا. لكن هذا لا يطمئنني كما ينبغي، فالمرات التي سقطت من ذاكرتي لم تترك رسائل ولا شهودًا، وما يخيفني ليس أن يكون هاشم غير موجود، بل أن تكون هناك ساعات معه عشتُها ولا أعرف عنها شيئًا. وهناك المرة الثالثة التي سألني عنها الطبيب ولم أتذكرها. جلستُ أمام تقويم الهاتف أبحث في أسابيع الخريف عن ثقبٍ في الزمن، فلم أجد سوى أيام ممتلئة بهاشم، ولم يطمئنني ذلك؛ فالثقب لا يُرى حين يكون محشوًّا بما نحب.

هل أخطأت حين أحببت هاشما98390؟ وهل نُلام على شيء يقع لنا خارج إرادتنا؟

إن تعمدنا فعلًا بعينه، فبلا شك نستحق اللوم! وهذا خلاف فعل الحب. في الحب أنت لا تملك اتخاذ القرار، قد تحب شخصًا تبغضه الدنيا، لكنك أنت تحبه، تتلهف إلى لقائه، بل ولعلك لا تعرف سببًا لهذا الحب الجارف. كثيرًا ما نُخطئ عندما نُخضع الحب لقوانين نيوتن، بل دعني أقول يا دفتري العزيز إنه ما من حُبٍّ امتحنه أصحابه بتلك القوانين إلا وفشل.

في الحب عليك أن تعترف بالجاذبية ولا تستخدم قوانينها، وعليك أن تعترف أيضًا بحالة انعدام الوزن في فضاء المحبوب، وبأن الوصول إلى قلبه على الأرض يستدعي مركبة فضاء، فما بالك إن كان يسكن فضاء روحك!

تبحث عنه في أوقات الضعف والقوة، وهو أول من يطرق ذهنك في أوقات الحزن والسعادة.

ولكن من قال إننا في الحب نتعمد؟

حب بدأ بقطرة صغيرة لا تكاد تُرى، وعندما تشكلت في الأفق غمامة، ظننتها غمامة صيف، لا تعرف شيئًا عن هذا الحب، فإذا غمامة اليوم قطرة الأمس، محملة بمطر حب الأولين والآخرين.

إياك وأن تُبدي تعجبًا أيها الدفتر، نعم تحولت القطرة إلى غمامة هائلة، كما تتحول البذرة الصغير على طرف الأصبع، إلى شجرة عملاقة تناطح السحاب، ويمتد ظلها في كل الأنحاء.

.......................................

 قوة هائلة خفية تدفعني أن أكون مع هاشم، ألازمه ولا أفارقه. وصلنا إلى حد أننا بالفعل لا نكاد نفترق، فما أن يمضي كل منا إلى سبيله حتى أجدني أطلبه على الهاتف، أو أتبادل معه الرسائل.

لكنني يا دفتري العزيز لا أريد أن أختبئ خلف نيوتن ولا خلف المطر. إن كان الحب لا يُلام، فإن ما يُفعل به يُلام. أنا التي صرتُ أجيب إيلي في مكالمة الصباح بكلمتين باردتين لأن الكلمات الدافئة صارت تنتظر غيره؛ وأنا التي لم أعد أستطيع أن أنظر إلى صورة إيلي وهو يحمل ساندرا على كتفيه أمام برج خليفة دون أن أُغلق الشاشة، بينما بقيت يدي ليلة المحاضرة تحمل رائحة رجل آخر. لم يحدث ما يُسمّى خيانة، هكذا أقول لنفسي وأنا أعدّ على أصابعي مرات العناق، والقبلات القريبة من زاوية الشفتين، والكلمات التي همس بها هاتفي. أعدّها كمن يحصي ثمن شيء اشتراه وهو يعرف أن الفاتورة تنتظره في درجٍ ما.

..................................

هل كان الفراغ الذي خَلَفه سفر إيلي سببًا في قربي من هاشم؟ ربما. بعد سفره للعمل في أبو ظبي اعتدنا لفترة ليست بالقصيرة أن نلتقي على شاشة الهاتف أو الكمبيوتر كل مساء، وتحديدًا في الثامنة، ونتحدث قدر ما نستطيع، نفرغ شحنات ضيقنا ووحدتنا، ثم نتبادل القبلات على الأثير ونخلد للنوم. والجواب الذي أخشاه: لا، لم يخلق الفراغ هاشمًا، لكنه ترك الباب مواربًا. وهاشم لم يدخل ليحلّ محل إيلي، بل ليجلس في تلك الزاوية مني التي تعوّدت أن يُنصَت إليها فلم تجد من ينصت.

لم يكن قرار سفر إيلي سهلًا؛ اتخذناه ونحن نعرف أنه أخف الأضرار. جاءني ذات يوم بين الحزن والفرح: عقد مميز في شركة عالمية بأبو ظبي يكفي لسداد ديوننا في شهور، وحزنٌ لأننا سنفترق. ألحّ عليّ أن أترك الإسكوا وألحق به، فخفتُ إن تركتها أن أخسر كل شيء حين ينتهي عقده.

دعاني ليلة سفره إلى سهرة في فندق ريجينسي بالاس بجونيه، حاولت إثناءه والاكتفاء بالعشاء في أحد مطاعم بيروت، بدلًا من هذه المصاريف الباهظة، لكنه أصر، ولم أشأ أن أغضبه في ليلة سفره، كنت أُقدّر الضغط النفسي الذي يعانيه جراء بُعده عنا وسفره وحيدًا، فضلًا عن ضغوط الديون المتراكمة علينا.

كنا على الشرفة المطلّة على خليج جونيه، وأضواء الميناء تتمايل في الماء متجاهلة –كعادتها- كل ما بنزلاء الفندق من هموم. أشار إيلي للنادل أن يضيف زجاجة نبيذ لا حاجة لنا بها، فضغطتُ على كفّي تحت المائدة وبدأ الجدال همسًا حتى لا تسمعنا الطاولة المجاورة:

- بعرف إنو المصاري للراحة والاستمتاع، بس في فرق كبير بين الصرف والتبذير حبيبي

- أنا ما بصرف إلا إذا كنت مقتنع

- مقتنع بشو؟ نصرف كل اللي معنا ونرجع نستدين؟

- وإذا فينا نستدين ونسدّد، ليه لأ نصرف؟

- بس أنا مرتك... شريكتك... وساندرا كمان معنا... اللي بيأثّر عليك بيأثّر علينا كلنا...

رد بعصبية، وهو يُدير كأس الماء بين أصابعه دون أن يشرب:

-  مايا... لا تفتحي هالموضوع مرّة تانية... هيدي حياتي وأنا بعرف كيف دبّرها

- حبيبي  ما هي حياتك لحالك... حاول تفهم يا إيلي... نحنا شركا، وكلنا عم ندفع التمن

- فاهم... وعم دبّر حالي

كان يكرر الجملة كأنه يُقنع بها نفسه قبل أن يُقنعني.

-           ....

وحين جاء الحساب، مدّ يده إليه قبل أن تصل عيني، وقرأ الرقم كمن يقرأ نتيجة مباراة خسرها، ثم وضع بطاقته دون أن ينظر إليّ. رأيتُ في تلك الحركة كل ما لا يقوله: أنه خائف، وأنه لا يعرف كيف يتوقف، وأنني لن أستطيع أن أكرهه كما أتمنى.

وككل مرة، ينتهي الجدال إلى لا شيء، فقط مزيد من الاختلاف وتعكير المزاج، مللت ولا أدري ماذا أفعل وصرت أكره ما يشتريه بالدين، وتجنبت ارتداء فستان سهرة من تصميم إيلي صعب أهداه إليّ في عيد ميلادي.

كم هو رائع هذا الفستان بلونه الأحمر القاني وتصميمه الأنيق، وعندما عرفت أنه استدان ليسدد ثمنه الباهظ، عضضت شفتي عندما وجدت فاتورة الحساب بالصدفة في أحد أدراجه.

وللقدر نكاته الصغيرة: رجلٌ اسمه إيلي يهدي زوجته فستانًا من تصميم إيلي آخر، كأنه أراد أن يُلبسني اسمه. علّقتُه في آخر الخزانة، بعيدًا عن بقية ثيابي، وكنتُ أمرّ عليه كما نمرّ على غرفة في بيتٍ قديم أُغلقت بعد جنازة. والليلة، قبل أن أكتب إليك، فتحتُ الخزانة ولمستُ القماش الأحمر. لم ألبسه. وقفتُ أمامه حتى تذكرتُ اليوم الذي ضحكتُ فيه مع هاشم على أناقتي. كم كان خيالي كريمًا يومها، وكم أنا الآن فقيرة إلى أبسط الحقائق: أي الرجلين كان يستحق أن أرتدي له هذا الأحمر؟

اعتدتُ شراء أفضل الملابس دون أن أُثقل كاهلي بأعباء مادية، وأحرص على تنويع ما أرتديه من قطع مع بعضها البعض، حتى أن ملابسي تبدو دائمًا جديدة. أتذكر يومًا كنت فيه مع هاشم نتناول القهوة في أحد مقاهي بيروت، عندما شرد بعينيه نحوي لبرهة، ثم علق مُثنيًا على أناقتي، ثم وهو يبتسم في مجاملة يصفني بأنني أرتدي كل يوم زيًا جديدًا. ضحكت يومها طويلًا، ورحت أتقمص دور سيدة بالغة الثراء، تتخلص كل مساء مما ارتدته في الصباح، وأطلقت العنان لخيالي وأنا أرتج من الضحك حتى دمعت عيناي.

ضحك هاشم يومها كما لم يضحك من قبل، وقال إن لي خيالًا يصلح للقصص والروايات، ولم يعرف أنه وضع إصبعه على الدرج الوحيد في حياتي الذي لا أستطيع أن أغلقه. أنا أكتب منذ تسعة أشهر يا هاشم، أكتبك أنت. أكتب رائحتك حين يميل رأسي نحو كتفك، وصوتك حين قلتَ "وحشتيني" ولم يكن معنا أحد.

لحظتها شردتُ وتغير وجهي وكساه هدوء، وتساءلتُ، والدفتر على ركبتي: ماذا لو عرف هاشم بالدفتر؟ ماذا لو قرأ ما كتبتُه عنه، وعن إيلي، وعن المرأة الأخرى؟ سأُخفيه عن الطبيب إن استطعت. أما عن هاشم، فلا أعرف: أأخفيه لأني أخشى أن يقرأ، أم لأني أخشى ألا يقرأ أبدًا؟
---------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

* * *