ربما تكون الحرب في الخليج العربي قد انتهت، ولكن الشرق الأوسط لم ينتهِ من الحرب بعد، فالحرب التي دارت فوق سماء إيران، وعلى تخوم إسرائيل، وفي مياه الخليج والبحر الأحمر، لم تكن مجرد جولة عسكرية جديدة في صراع الشرق الأوسط الطويل، بل كانت أشبه بعملية جراحية كبرى، نزفت خلالها المنطقة، وانكشفت شرايينها، وسقطت أوهام كثيرة، والأهم أنها كشفت أن الشرق الأوسط الذي عرفناه لعقود لم يعد موجودًا بالصيغة نفسها، ولكن الأخطر من ذلك أن البديل لم يولد بعد.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، فالتاريخ لا يصبح خطيرًا عندما يولد نظام جديد، بل يبدأ عندما يفقد النظام القديم قدرته على الاستمرار، وقبل أن يجد العالم صيغة مستقرة لملء الفراغ، وهذا بالضبط ما يحدث في الشرق الأوسط الآن، فنحن لا نقف أمام "شرق أوسط جديد" مكتمل، نحن نقف في المنطقة الرمادية بين النظامين، لا القديم قادر على استعادة صورته السابقة، ولا الجديد امتلك بعد ملامحه النهائية، نحن أمام شرق أوسط قيد إعادة التكوين.
من هنا يجب أن نقرأ حرب إيران، لا باعتبارها سؤالًا عن الصواريخ التي أُطلقت، ولا عن المنشآت التي دُمِّرت، ولا عن المدن التي تعرضت للهجوم، بل باعتبارها سؤالًا أكبر بكثير: من سيضع قواعد اللعبة في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل؟ ذلك هو السؤال، وكل ما عداه تفاصيل.
---
فطوال عقود، قامت المعادلة الأمنية في المنطقة على مركز واضح، وهو أن واشنطن الضامن الخارجي لأمن المنطقة في الخلفية، إسرائيل في المقدمة، والخليج تحت المظلة، وإيران في موقع القوة المضادة، وتركيا تتحرك داخل النظام الغربي، وإن احتفظت لنفسها بهامش واسع من المناورة، أما بقية الدول، فكانت تتحرك داخل هذه الدائرة بدرجات متفاوتة من الاستقلال والمناورة، ولكن هذه البنية بدأت تتآكل، ليس لأن الولايات المتحدة غادرت المنطقة، ولن تغادرها بسهولة، ولكن لأن دول المنطقة نفسها ونتيجة مباشرة للحرب بدأت تتصرف على أساس أن الاعتماد على قوة واحدة لم يعد كافيًا.
وهنا يكمن التحول، دول المنطقة بدأت تبحث عن أمنها بأكثر من باب، عن شراكات متعددة، عن ترتيبات إقليمية، عن قوى بديلة، عن هامش أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، وهذا ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، إنه تغيير في فلسفة الأمن نفسها، فالمنطقة تتحرك ببطء من نظام يقوم على مركز واحد إلى بيئة تتعدد فيها مراكز القوة، ومن النظام الهرمي إلى النظام التعددي، ومن التحالفات الثابتة إلى الشراكات المرنة، ومن سؤال "من حليف من؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "من يحتاج إلى من؟"
فالسعودية تبحث عن ترتيبات أمنية أوسع، وتركيا توسع مجال حركتها، ودول الخليج تنوع شراكاتها، والصين تدخل من بوابة الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية، وروسيا تحاول الحفاظ على مواقعها وأدوات تأثيرها، وإيران رغم الضربات التي تلقتها، لاتزال تمتلك أوراقًا جغرافية وإقليمية لا يمكن محوها بضربة جوية، أما إسرائيل فقد أثبتت قدرتها العسكرية الهائلة، لكنها اصطدمت بالسؤال الأصعب: ماذا تفعل بالقوة بعد أن تنتصر في المعركة؟ وهنا يبدأ الفرق بين الحرب والسياسة، فالحرب تستطيع أن تهدم، لكن السياسة مطالبة بأنتبني، والقوة تستطيع أن تزيح خصمًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تملأ الفراغ الذي يتركه، وهذه هي العقدة التي ستحدد مستقبل المنطقة.
---
وإيران مثال صارخ، فقد تكون إيران قد تلقت ضربات قاسية، وقد تكون أدوات نفوذها قد تعرضت للتآكل، فإذا كان الهدف من الحرب هو تقليص قدرة إيران على تهديد خصومها، فإن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق فقط بما خسرته طهران، بل بما بقي لديها، فإيران ليست برنامجًا نوويًا فقط، وليست صواريخ فقط، وليست جماعات مسلحة فقط، إيران دولة ذات جغرافيا هائلة، تقف عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتطل على الخليج، وتتحكم في واحدة من أكثر نقاط الاختناق حساسية في الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز، ولهذا فإن الجغرافيا تتحول هنا إلى سلاح، فقد تستطيع أن تدمر منشأة، لكن لا تستطيع أن تدمر موقعًا جغرافيًا، وقد تستطيع إضعاف جيش، لكن لا تستطيع إزالة مضيق من الخريطة، وهذه هي المفارقة، ففي الشرق الأوسط، لاتزال الجغرافيا تقاوم التكنولوجيا.
وهنا تتغير فلسفة القوة، فالقوة ليست فقط أن تستطيع ضرب خصمك، القوة أيضًا أن تستطيع رفع تكلفة الحرب عليه، وأن تستطيع تهديد مصالحه، وأن تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي للضغط الدولي لوقف الحرب دون أن تطلق حربًا شاملة، وهذا ما جعل مضيق هرمز يتحول من مجرد ممر مائي إلى ورقة استراتيجية في قلب الصراع.
---
لكن هرمز ليس وحده، فمن هرمز تبدأ قصة أخرى؛ باب المندب، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وشرق المتوسط، فإذا نظرت إلى هذه النقاط منفردة، ستبدو مجرد مواقع جغرافية متباعدة، ولكن إذا وضعتها على خريطة واحدة، ستكتشف أنها تمثل شريانًا استراتيجيًا واحدًا، وهنا يصبح الصراع على الممرات البحرية جزءًا من الصراع على النظام العالمي نفسه، فالسفينة التي تتأخر ليست مجرد سفينة، وسعر النفط الذي يرتفع ليس مجرد رقم، وقناة الملاحة التي تتعطل ليست مجرد أزمة نقل، كل ذلك يتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد يتحول إلى سياسة، والسياسة تتحول إلى قوة، ولهذا لم يعد البحر الأحمر هامشًا في معادلة الأمن الإقليمي، لقد أصبح في قلبها، إنها جميعًا أجزاء من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.
من هنا يمكن فهم خطورة اليمن، فاليمن ليس مجرد دولة تعاني حربًا أهلية، إنه يقع عند بوابة بحرية تتحكم في جزء بالغ الحساسية من التجارة بين الشرق والغرب، ومن يملك القدرة على تهديد باب المندب، يستطيع أن يرفع تكلفة التجارة العالمية، وهذه ليست قوة عسكرية تقليدية، إنها قوة تعطيل، وأحيانًا تكون قوة التعطيل أخطر من قوة الهجوم.
---
وهنا تظهر مصر، بقوة، وبحساسية أكبر، ليس باعتبارها دولة تقع على هامش هذه التحولات، بل باعتبارها إحدى الدول التي تمر الخريطة الجديدة من فوق مصالحها مباشرة، فأمن قناة السويس لا يبدأ عند قناة السويس، إنه يبدأ بعيدًا عنها، في باب المندب، وفي البحر الأحمر، وفي استقرار الخليج، وفي قدرة المنطقة على حماية خطوط التجارة والطاقة، فالجغرافيا هنا أصل استراتيجي، غزة في الشرق، والسودان في الجنوب، وليبيا في الغرب، والبحر الأحمر في الشرق والجنوب الشرقي، وقناة السويس في القلب، وشرق المتوسط في الشمال، فالجغرافيا المصرية لا تسمح لمصر بأن تكون متفرجًا، لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي، وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية.
فالموقع ميزة، أما النفوذ فهو صناعة، فقد تمتلك الدولة قناة عالمية، ولكن السؤال: هل تستطيع تحويلها إلى نفوذ اقتصادي وسياسي؟ وقد تمتلك جيشًا قويًا، لكن السؤال: هل تستطيع تحويل القوة العسكرية إلى ردع واستقرار؟ وقد تمتلك علاقات مع الجميع، لكن السؤال: هل تستطيع تحويل العلاقات إلى تأثير؟ هذه هي المعادلة التي ستحدد وزن مصر في الشرق الأوسط القادم، فليس المطلوب أن تدخل مصر سباق المحاور، بل أن تصبح قادرة على الحركة بين المحاور دون أن تصبح أسيرة لأي منها، وهذا هو معنى الاستقلال الاستراتيجي.
---
والسعودية تواجه معادلة مختلفة، فهي لم تعد تنظر إلى الأمن باعتباره مسألة عسكرية فقط، هي تريد بناء اقتصاد جديد، اقتصاد لا يعتمد فقط على النفط، وتريد استثمارات ضخمة، وسياحة، وتكنولوجيا، ومشروعات عملاقة، لكن كل هذه الطموحات تحتاج إلى شيء واحد قبل كل شيء: إلى بيئة إقليمية مستقرة، فلا يمكن بناء مدينة مستقبلية في بيئة إقليمية مشتعلة، ولا يمكن جذب الاستثمارات الكبرى إلى منطقة لا يمكن التنبؤ بأمنها، ولا يمكن حماية سلاسل الطاقة والتجارة إذا أصبحت الممرات البحرية رهينة للصراعات، ومن هنا يأتي التحول السعودي، فلم تعد الرياض تبحث فقط عن حماية خارجية، بل بدأت تنظر إلى بناء شبكة أمن إقليمية أوسع، وهنا تظهر تركيا، وتظهر باكستان، وتظهر ترتيبات عربية جديدة، وهذا لا يعني أن المظلة الأمريكية انتهت، بل يعني شيئًا أكثر دقة؛ أن احتكار الأمن الإقليمي لم يعد كما كان، وهذه نقطة فاصلة.
أما تركيا، الدولة التي تقع عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، الدولة التي تمتلك جيشًا كبيرًا، وجغرافيا مؤثرة، وعلاقات مع الناتو، وعلاقات مع روسيا، وحضورًا في سوريا والعراق، وصلات قوية مع الخليج، إنها ببساطة دولة يصعب تجاهلها عندما يعاد رسم خريطة الإقليم، فقد وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية، لأن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة، عندما تتراجع قوة، بل تتحرك قوة أخرى لتملأ الفراغ، وسوريا هي المثال الأوضح، وفرصة تركيا التاريخية، فسوريا ليست مجرد دولة تحاول إعادة بناء نفسها، إنها نقطة تقاطع بين تركيا وإسرائيل وإيران والعالم العربي والولايات المتحدة وروسيا، ولهذا فإن مستقبل سوريا سيكون جزءًا من مستقبل النظام الإقليمي نفسه، إذا استقرت سوريا، تغيرت معادلات المشرق، وإذا بقيت كساحة تنافس، استمر النزاع، وإذا أصبحت ساحة نفوذ لقوة واحدة، اختل ميزان القوى، لهذا فإن سوريا ليست ملفًا، إنها ميزان.
---
ثم تأتي غزة، القضية التي ترفض أن تتحول إلى هامش، فقد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، وقد تتغير الأسلحة، لكن القضية الفلسطينية تظل قادرة على العودة إلى مركز المشهد كلما ظن أحد أنها خرجت منه، والسبب بسيط، لأن غزة لم تعد قضية إنسانية فقط، لقد أصبحت عقدة استراتيجية، فأمن إسرائيل مرتبط بها، وشرعية الأنظمة العربية تتأثر بها، والدور الأمريكي مرتبط بها، وإيران تستخدمها في معادلاتها، وتركيا تتحرك من خلالها، والخليج ينظر إلى مستقبلها باعتباره جزءًا من مستقبل المنطقة، لذلك فإن السؤال بعد الحرب ليس فقط: من يحكم غزة؟ السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف مستقبلها؟ ومن يدفع تكلفة إعادة إعمارها؟ ومن يوفر أمنها؟ ومن يمثل الفلسطينيين سياسيًا؟ وهل يمكن أن تظهر صيغة فلسطينية - إقليمية - دولية تمنع عودة الحرب؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل ما بعد الحرب، إنها جزء من هندسة الشرق الأوسط القادم، ولهذا فإن أي نظام إقليمي جديد سيظل ناقصًا ما لم يجد صيغة سياسية للقضية الفلسطينية.
---
أما إسرائيل، فالمعضلة أمامها أكثر تعقيدًا، فلقد أثبتت الحرب مرة أخرى قدرتها على استخدام التفوق العسكري والتكنولوجي، ذلك التفوق الذي يستطيع تدمير القوة، ولكن لا يستطيع وحده صناعة الاستقرار، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فيمكنك أن تهزم خصمًا، لكن ماذا تفعل بالفراغ الذي يتركه؟ يمكنك أن تضعف إيران، لكن من يملأ المساحة التي كانت تشغلها؟ يمكنك أن تضعف حزب الله، لكن ماذا سيحدث للبنان؟ ويمكنك أن تغير المعادلة في سوريا، لكن من يضمن ألا تنتج سوريا الجديدة تهديدًا آخر؟ ويمكنك أن تنهي حرب غزة، لكن من يحكم غزة؟ ومن يعيد إعمارها؟ ومن يوفر الأمن فيها؟ ومن يملك الشرعية السياسية لإدارتها؟ هنا تنتهي حدود القوة العسكرية، وهنا تبدأ السياسة، ولهذا تبقى غزة عقدة النظام الإقليمي الجديد.
---
ولكن هناك أيضًا تحولًا أخطر، الصراع نفسه يتغير، فلم تعد الحروب تُدار فقط بين جيوش نظامية، لقد أصبح الشرق الأوسط مسرحًا لصراعات شبكية، طائرات مسيرة، صواريخ بعيدة المدى، هجمات سيبرانية، جماعات مسلحة، أذرع محلية، حروب اقتصادية، ضغوط على الطاقة، تهديد للسفن، واستهداف للبنية التحتية، ولم يعد من الضروري أن تدخل الدولة الحرب رسميًا حتى تكون جزءًا منها، وهنا يصبح الردع أكثر صعوبة، لأن الردع التقليدي يقوم على فكرة واضحة: الدولة تعرف الدولة، أما الصراع الشبكي، فيخلق مناطق رمادية، من نفذ؟ ومن أمر؟ ومن موّل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وفي المنطقة الرمادية تبدأ أخطر الحروب.
---
لهذا كله، فإن النظام القادم لن يكون بالضرورة أمريكيًا، ولن يكون إيرانيًا، ولن يكون تركيًا، ولن يكون إسرائيليًا، وقد لا يكون عربيًا بالمعنى التقليدي، والأرجح أننا نتجه نحو نظام متعدد الأقطاب الاستراتيجية (Strategic Multipolarity) قوى إقليمية تتنافس، وتتعاون، وتصطدم، ثم تعود إلى التفاوض، وإلى تحالفات مؤقتة، وشراكات وظيفية، ومصالح متقاطعة، فدولة تتحالف مع واشنطن هنا، وشريكة مع الصين هناك، وتنسق مع تركيا في ملف، وتختلف معها في ملف آخر، وهذا يعني أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة يصبح فيها التحالف أقل ثباتًا، والمصلحة أكثر حضورًا، وهنا ستصبح القدرة على المناورة أهم من مجرد اختيار معسكر، وهذا يعني أن مفهوم "المحور" أو "التكتل" نفسه قد يتغير، فلن تكون التحالفات بالضرورة غرفًا مغلقة، بل شبكات متداخلة، وهنا يمكن أن نصل إلى الخلاصة الكبرى، فحرب إيران لم تنهِ الصراع على الشرق الأوسط، هي فقط غيرت طبيعته.
---
ولكن يبقى السؤال الأخطر: هل نحن أمام ولادة نظام إقليمي جديد فعلًا؟ ليس بعد، فنحن أمام مخاض نظام جديد، وهناك فرق كبير، حيث أن النظام الجديد يحتاج إلى قواعد، وإلى توازنات، وإلى مؤسسات، وإلى تفاهمات، وإلى خطوط حمراء معترف بها، أما ما نراه الآن، فهو صراع على تحديد هذه القواعد نفسها، ولهذا فإن المرحلة القادمة قد تكون أكثر اضطرابًا من المرحلة السابقة، ليس لأن الجميع يريد الحرب، بل لأن الجميع يريد تحسين موقعه قبل أن تستقر الخريطة، وهذه أخطر مراحل التحول، حين لا يعرف أحد شكل النظام القادم، لكن الجميع يريدون أن يكونوا جزءًا من صناعته.
---
وفي قلب هذا المشهد تقف مصر، وليس أمامها رفاهية الانكفاء، ولا مصلحة لها في الارتهان لمحور، ولا ضرورة لأن تدخل كل معركة، لكن عليها أن تعرف أين تقف، وأين تتحرك، ومتى تتدخل، ومتى تترك الآخرين يصطدمون، ومتى تحول الأزمة إلى فرصة، هذه هي السياسة في معناها الاستراتيجي، ليست أن تدخل كل حرب، بل أن تعرف كيف تمنع الحرب من الوصول إليك، وليست أن تمتلك أكبر قدر من القوة، بل أن تعرف كيف تجعل قوتك مؤثرة عندما تستخدمها، ومصر تمتلك عناصر نادرة في هذه المعادلة، الجغرافيا، الجيش، قناة السويس، السكان، العمق العربي، العلاقة مع إفريقيا، الارتباط بالمتوسط، والقدرة على التواصل مع أطراف مختلفة، لكن امتلاك العناصر شيء، وتركيبها داخل استراتيجية واحدة شيء آخر، وهنا يعود السؤال الذي يتجاوز حرب إيران نفسها: هل تستطيع مصر أن تتحول من دولة تمتلك عناصر القوة إلى دولة تنتج منها قوة إقليمية مستدامة؟ إنه سؤال المستقبل.
---
فالشرق الأوسط لا يعاد رسمه بالسلاح وحده، إنه يعاد رسمه بالاقتصاد، وبالممرات البحرية، وبالطاقة، وبالتكنولوجيا، وبالسكان، وبالمياه، وبالتحالفات، وبالشرعية، وبالقدرة على بناء الدولة، ولهذا فإن القوة العسكرية التي لا تسندها قدرة اقتصادية تبقى محدودة، والاقتصاد الذي لا تحميه دولة قوية يبقى هشًا، والدولة التي لا تمتلك رأس مال بشريًا قادرًا على الابتكار تظل مستهلكة للقوة لا منتجة لها، والدبلوماسية التي لا تستند إلى أوراق قوة تتحول إلى طلب، ومن هنا فإن مستقبل المنطقة لن يحسمه صاحب الصاروخ الأطول، بل صاحب القدرة الأشمل على تحويل الموارد إلى قوة، والقوة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قواعد، وهنا نصل إلى جوهر اللحظة، فحرب إيران لم تكن نهاية شيء، بل كانت كاشفةً، كشفت حدود القوة، وكشفت قيمة الجغرافيا، وكشفت هشاشة الأمن القائم على طرف واحد، وكشفت أن الممرات البحرية يمكن أن تصبح ساحات استراتيجية، وكشفت أن الدول الإقليمية لم تعد مستعدة للوقوف طويلًا في مقاعد المتفرجين.
ولكنها كشفت أيضًا شيئًا أخطر، أن الشرق الأوسط يستطيع أن ينتج الحروب أسرع مما يستطيع أن ينتج نظامًا قادراً على منعها، وهذه هي المعضلة الحقيقية، لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغل صانع القرار العربي ليس: من انتصر في حرب إيران؟ فالنصر العسكري، مهما كان، لا يجيب عن سؤال المستقبل، والسؤال هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب، ويبدأ الجميع في كتابة قواعد ما بعدها؟ هناك فقط ستظهر الإجابة، هناك سنعرف من كان يملك القوة، ومن كان يملك الرؤية، ومن كان يملك القدرة على تحويل الاثنين إلى نفوذ، فالشرق الأوسط بعد حرب إيران ليس شرق أوسط جديدًا مكتملًا، إنه شرق أوسط قيد التكوين.
---
قد تنتهي الحروب، لكن آثارها تبقى في الخرائط، وفي التحالفات، وفي أسعار الطاقة، وفي الممرات البحرية، وفي ذاكرة الشعوب، وفي حسابات الدول، والشرق الأوسط الآن يقف أمام واحدة من تلك اللحظات التي لا تتكرر كثيرًا في التاريخ، لحظة تتراجع فيها قواعد قديمة، وتبحث المنطقة عن قواعد جديدة، ولحظة لا يكون فيها السؤال: من يحكم الشرق الأوسط؟ بل: من يستطيع أن يشارك في صياغة القواعد الجديدة للشرق الأوسط؟ وهنا يصبح المستقبل مفتوحًا، ليس على حرب جديدة بالضرورة، بل على صراع طويل من نوع آخر، صراع على النفوذ، وعلى الأمن، وعلى الاقتصاد، وعلى الجغرافيا، وعلى الشرعية، وعلى القدرة على إنتاج القوة، ومن يفهم هذه الحقيقة مبكرًا، لن ينتظر أن تفرض عليه الخريطة الجديدة موقعه، بل سيحاول أن يكون من الذين يرسمونها.
ففي لحظات التحول الكبرى، لا تكون الجغرافيا قدرًا نهائيًا، ولا تكون القوة ضمانًا أبديًا، ولا يكون التاريخ مجرد ماضٍ، فالتاريخ في تلك اللحظات يصبح مادة خامًا للمستقبل، والشرق الأوسط الآن يعاد تشكيله، والسؤال الذي سيجيب عنه العقد القادم ليس من يملك السلاح الأكثر تدميرًا، بل من يملك القدرة على تحويل الفوضى إلى توازن، والتوازن إلى نظام، والنظام إلى استقرار، وهنا فقط... ستظهر ملامح الشرق الأوسط الذي ولد من رحم الحرب.
------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






