11 - 10 - 2026

يريفان في عامها الـ2808.. مدينة الجذور العريقة والهوية الراسخة والآفاق الجديدة

يريفان في عامها الـ2808..  مدينة الجذور العريقة والهوية الراسخة والآفاق الجديدة

تحتفل العاصمة الأرمينية يريفان بالذكرى الـ2808 لتأسيسها، في مناسبة تاريخية تدعونا إلى تجاوز مظاهر الاحتفال واستعادة المسيرة الاستثنائية لمدينة تمتد جذورها إلى أكثر من ثمانية وعشرين قرناً، وتحمل في ذاكرتها حكاية حضارة وهوية وطنية وثقافية متجددة.

فمنذ عام 782 قبل الميلاد، حين أسس الملك أرغيشتي الأول، ملك أورارتو، حصن إريبوني على تلة آرين بيرد، واصلت المدينة مسيرتها عبر العصور، حاملةً إرث الماضي إلى تحديات الحاضر وفرص المستقبل.

إنها يريفان، المدينة التي استطاعت أن تجمع بين عمق التاريخ وحيوية الحياة المعاصرة، وأن تحافظ على مكانتها في الوجدان الأرمني بوصفها عاصمة سياسية وثقافية ورمزاً للهوية الوطنية.

من إريبوني إلى يريفان: تاريخ محفور في الحجر

إن أصول يريفان ليست مجرد رواية تاريخية متوارثة، بل تستند إلى شواهد أثرية موثقة، في مقدمتها النقش المسماري الذي عُثر عليه في تلة آرين بيرد، والذي يسجل تأسيس حصن إريبوني على يد الملك أرغيشتي الأول.

ويشير النقش إلى تأسيس الحصن في ظل عظمة الإله خالدي، ويذكر اسم الملك أرغيشتي بن مينوا، واسم إريبوني الذي أُطلق على الحصن.

ويشكل هذا النقش شهادة تاريخية استثنائية تربط يريفان الحديثة بالعالم السياسي والعسكري والثقافي لمملكة أورارتو القديمة، المعروفة أيضاً باسم مملكة فان.

وقد أُنشئت إريبوني بوصفها حصناً استراتيجياً في سهل أرارات، لتعزيز نفوذ المملكة في المنطقة. ولم تكن مجرد منشأة عسكرية، بل كانت جزءاً من حضارة امتلكت أنظمة إدارية منظمة، ومؤسسات دينية، ونشاطاً زراعياً، وقدرات معمارية وهندسية متقدمة بالنسبة إلى عصرها.

ولا تزال بقايا إريبوني الأثرية حتى اليوم تذكّرنا بأن تاريخ يريفان يمتد إلى ما قبل قيام الدولة الأرمينية الحديثة بقرون طويلة، وأن المدينة تمثل صلة جغرافية وتاريخية حية بماضي المنطقة وحضارات المرتفعات الأرمينية.

ويؤكد النقش المسماري، الذي بقي شاهداً على تأسيس إريبوني، أهمية عام 782 قبل الميلاد في تحديد العمر التاريخي الذي تحتفل به يريفان.

عاصمة صنعتها التحولات التاريخية

شهد تاريخ يريفان تحولات سياسية وثقافية واجتماعية متعاقبة، انعكست على مكانتها الإقليمية وتطورها العمراني ودورها في الحياة الأرمينية.

وفي عام 1918، أصبحت يريفان عاصمة جمهورية أرمينيا الأولى، لتكتسب مكانة جديدة بوصفها المركز السياسي لدولة أرمينية مستقلة حديثة النشأة.

ثم شهدت المدينة تحولاً عمرانياً مهماً في القرن العشرين، عندما وضع المعماري الأرمني ألكسندر تامانيان عام 1924 مخططاً رئيسياً لتطوير العاصمة الحديثة.

وقد أسهم هذا المخطط في تشكيل ملامح وسط المدينة، بشوارعه الواسعة وساحاته العامة ومبانيه ذات الطابع المعماري المميز، في إطار رؤية طموحة لإنشاء عاصمة حديثة تعكس تطلعات الشعب الأرمني الوطنية والثقافية.

ومن حجارة إريبوني القديمة إلى شوارع يريفان وساحاتها الحديثة، تتجسد علاقة متواصلة بين الإرث التاريخي ومشروع بناء الدولة والمجتمع.

مدينة الثقافة والذاكرة والإبداع

تتجاوز أهمية يريفان كونها المركز الإداري والاقتصادي لأرمينيا؛ فهي أيضاً أحد أهم مراكز الحياة الثقافية والفكرية والفنية الأرمنية.

تحتضن المدينة المتاحف والمكتبات والمسارح وقاعات الموسيقى والمعارض الفنية والمعالم التاريخية التي تحفظ إبداعات الأجيال المتعاقبة، وتربط الآثار والعمارة بالأدب والموسيقى والرسم والسينما والفنون المعاصرة.

ولا يمكن فصل هوية يريفان عن أبنائها من الأدباء والمفكرين والموسيقيين والفنانين والمعماريين، الذين أسهموا في صياغة ملامح الثقافة الأرمنية الحديثة وإغنائها.

كما تمثل المدينة نقطة التقاء بين الأجيال؛ فمعالمها التاريخية تستحضر عمق الماضي، بينما تعكس جامعاتها ومؤسساتها الثقافية ومقاهيها ومساحاتها الإبداعية مجتمعاً يسعى إلى تطوير علاقته بالعالم الحديث دون التخلي عن جذوره.

وبالنسبة إلى الأرمن المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، تحمل يريفان أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية. فهي نقطة التقاء بالوطن، ومرجع للهوية الوطنية، ورمز ثقافي وفكري يجمع أبناء الشعب الأرمني حول ذاكرة مشتركة وتطلعات مستقبلية.

إنها مدينة لا تنتمي إلى سكانها وحدهم، بل تحتل مكانة خاصة في وجدان الأرمن في أرمينيا والشتات، باعتبارها أحد أبرز رموز الاستمرارية الحضارية والثقافية الأرمنية.

«إريبوني – يريفان»: احتفال بالمدينة وأبنائها

تحوّل الاحتفال السنوي «إريبوني – يريفان» إلى مناسبة تجمع بين التاريخ والحياة، وتنقل الإرث الحضاري من صفحات الكتب والمتاحف إلى شوارع المدينة وساحاتها.

وبحسب تقرير ArmInfo والتغطيات الإخبارية الأرمنية، أُقيمت احتفالات عام 2026 يومي 9 و10 أكتوبر، وتضمنت مجموعة متنوعة من الفعاليات الثقافية والموسيقية والفنية في أنحاء العاصمة.

يريفان تنتمي إلى المستقبل بقدر انتمائها إلى الماضي

لا يمكن اختزال تاريخ مدينة تأسست عام 782 قبل الميلاد في احتفال سنوي أو مرحلة تاريخية واحدة أو نمط معماري محدد.

إنها حكاية من الاستمرارية والتحول، تبدأ من حصن إريبوني القديم، وتمتد إلى عاصمة أرمينيا المستقلة، ومن النقش المسماري للملك أرغيشتي الأول إلى المؤسسات الثقافية والساحات العامة في العاصمة الحديثة.

ومن هنا، فإن الاحتفال بالذكرى الـ2808 ليس مجرد احتفاء بعمر المدينة، بل مناسبة لتأكيد عمق التاريخ الأرمني، والاعتزاز بتراثه الحضاري، وتقدير قدرة الشعب الأرمني على صون هويته وتجديدها عبر الأجيال.

فكل جيل يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث وإغنائه، حتى تظل يريفان مركزاً للثقافة والمعرفة والإبداع والحياة الوطنية الأرمنية.