11 - 10 - 2026

سوء صناعة القرار: أزمة الاختيار في دوائر الحكم المصرية

سوء صناعة القرار: أزمة الاختيار في دوائر الحكم المصرية

من خلل اختيار المسؤول إلى اختلال كفاءة الدولة.. فليست أخطر أزمات الدول أن تعاني نقصًا في الموارد، أو أن تواجه ضغوطًا اقتصادية، أو أن تحاصرها تحديات إقليمية ودولية معقدة؛ فهذه أزمات واجهتها دول كثيرة، واستطاعت تجاوزها حين امتلكت مؤسسات قادرة على التفكير، وقيادات تحسن الاختيار، ونظمًا إدارية تعرف كيف تحوِّل الإمكانات المحدودة إلى نتائج تتجاوز حدودها، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح الدولة غنية بالعقول التي تستطيع أن تتقدم، وفقيرة بالآليات التي تسمح لهذه العقول بالوصول إلى مواقع التأثير، وحين تتحول المناصب العامة من مسؤوليات تتطلب الكفاءة والاستحقاق إلى مواقع قد تحكمها اعتبارات لا تتصل بالضرورة بقدرة شاغليها على الإنجاز.

من هنا تكتسب قضية "سوء الاختيار" أهميتها السياسية والاستراتيجية؛ لأنها لا تتعلق بشخص أخفق في أداء مهمة، أو مسؤول أساء إدارة قطاع، وإنما تتصل بالسؤال الأعمق الذي ينبغي أن يشغل أي دولة تطمح إلى التقدم: كيف تختار من يديرون مواردها، ويحددون أولوياتها، ويصنعون قراراتها، ويتحملون مسؤولية مستقبلها؟

ولقد أثار الكاتب الكبير فاروق جويدة هذه القضية في مقاله المنشور بالأهرام بتاريخ 4 أكتوبر تحت عنوان (سوء الاختيار)، مشيرًا إلى أن ضعف قدرات بعض شاغلي المناصب ينعكس على الأداء الحكومي، وأن آثار الاختيار الخاطئ تمتد إلى الخدمات العامة وحياة المواطنين، في ظل غياب المسؤولية وتراجع الضوابط التي تضمن وضع الشخص المناسب في الموقع المناسب، وهذه ملاحظة تتجاوز حدود الإدارة اليومية إلى صميم السياسة؛ لأن جودة الحكم لا تتحدد فقط بما يصدر عنه من قرارات، بل أيضًا بنوعية العقول التي تصنع هذه القرارات، والمعايير التي اختيرت على أساسها، والقدرة المؤسسية على تصحيح أخطائها.

إن سوء الاختيار ليس مجرد خطأ في التقدير؛ بل قد يكون خللًا في هندسة السلطة ذاتها.. فحين يُختار مسؤول غير مؤهل، تكون المشكلة ظاهرة في الشخص، لكن حين يتكرر اختيار أشخاص غير مناسبين، رغم تفاوت المواقع والقطاعات وتشابه النتائج السلبية، يصبح من الضروري الانتقال من نقد الأفراد إلى فحص الآليات التي أنتجت هذا التكرار، وهنا تتغير طبيعة السؤال: لا يعود كافيًا أن نسأل لماذا أخفق هذا المسؤول، بل ينبغي أن نسأل كيف وصل إلى موقعه؟ وما المعايير التي رجحت اختياره؟ وهل خضع لتقييم موضوعي لقدراته؟ وهل كانت هناك بدائل أكثر كفاءة؟ وإذا ثبت إخفاقه، فما الذي يمنع تكرار التجربة ذاتها مع شخص آخر؟

وهذه النقلة من التفسير الشخصي إلى التفسير المؤسسي هي جوهر المنهج العلمي في دراسة الظواهر السياسية، فالظاهرة المتكررة لا يمكن تفسيرها باعتبارها سلسلة من المصادفات المنفصلة، وإنما تستدعي البحث عن الأنماط المشتركة والقواعد والحوافز التي تجعل تكرارها ممكنًا، وليس معنى ذلك افتراض وجود قاعدة واحدة تفسر كل حالات سوء الاختيار، أو إصدار حكم عام على جميع شاغلي المناصب، وإنما يعني أن تكرار الإخفاق في مواقع مختلفة يستحق تحقيقًا مؤسسيًا جادًا، لا تبريرات إدارية عابرة.

وفي الحالة المصرية، تزداد أهمية هذه المسألة لأن الدولة لا تواجه تحديات بسيطة أو محدودة؛ إنها تدير اقتصادًا كبيرًا وضغوطًا مالية واجتماعية، وتحتاج إلى توسيع قاعدتها الإنتاجية، وتحسين خدماتها العامة، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتنمية قدرات ملايين الشباب، فضلًا عن التعامل مع بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وفي مثل هذه الظروف، لا تصبح الكفاءة الإدارية ميزة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل تتحول إلى أحد شروط الأمن القومي بمعناه الشامل.

فالدولة التي تسعى إلى تعزيز قوتها لا يكفيها أن تمتلك الطرق والموانئ والمدن الجديدة والأصول الاقتصادية؛ إذ تحتاج كذلك إلى العقول القادرة على إدارة هذه الأصول، وتعظيم عوائدها، وربطها بخطط الإنتاج والتشغيل والتصدير. ولا يكفي أن تتبنى استراتيجية وطنية طموحة إذا لم تتوافر في مواقع تنفيذها قيادات تستطيع ترجمة الأهداف إلى سياسات قابلة للقياس، ثم مراجعة النتائج وتصحيح المسار.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل: قد تنفق الدولة موارد ضخمة على بناء المؤسسات وتطوير البنية الأساسية، ثم تفقد جزءًا من العائد المتوقع بسبب ضعف الإدارة، أو قصور التنسيق، أو غياب الرؤية، أو عدم ملاءمة بعض القيادات لطبيعة المسؤوليات المسندة إليها. وفي هذه الحالة، لا يكون الخلل في حجم الاستثمار وحده، بل في القدرة على تحويل الاستثمار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.

إن الطريق من امتلاك الموارد إلى إنتاج القوة يمر عبر الإنسان والمؤسسة والقرار، وإذا كانت الدولة تقيس تقدمها بما تشيده من منشآت، فمن الضروري أيضًا أن تقيسه بقدرتها على اختيار الكفاءات التي تجعل هذه المنشآت أكثر إنتاجًا، ومؤسساتها أكثر فاعلية، وخدماتها أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع، فالمشكلة ليست في أن يخطئ المسؤول؛ فكل إدارة بشرية معرضة للخطأ، وإنما في أن يتحول الخطأ إلى نمط متكرر، وأن يصبح استمرار المسؤول في موقعه أقل ارتباطًا بنتائج أدائه من ارتباطه باعتبارات أخرى.

ففي النظم الإدارية الفعالة، لا يُفترض أن تكون القيادات معصومة من الخطأ، بل أن تكون قابلة للتقييم والمراجعة والمحاسبة، فالمسؤولية العامة ليست شهادة دائمة بالكفاءة، وإنما تكليف يتجدد استحقاقه بقدر ما يحققه صاحبه من نتائج، ومن ثم، فإن بقاء المسؤول في موقعه ينبغي ألا يُعامل باعتباره حقًا مكتسبًا، كما أن تغييره لا ينبغي أن يكون إجراءً اعتباطيًا أو استجابة لضغط عابر؛ بل يجب أن يستند إلى معايير معلنة، ومؤشرات أداء واضحة، وتقييم منصف يأخذ في الاعتبار طبيعة المهمة والموارد المتاحة والظروف المحيطة بها.

وهنا تبرز أهمية الفصل بين الولاء والكفاءة، دون افتراض تعارض حتمي بينهما، فالولاء الحقيقي للدولة ومصالحها لا يُقاس بمجرد الانسجام مع أصحاب القرار، وإنما يظهر في القدرة على أداء الواجب، وصيانة المال العام، وتقديم المشورة المهنية الصادقة، وتحمل مسؤولية النتائج، أما حين يُفهم الولاء باعتباره تجنبًا للاختلاف، أو ميلًا إلى إرضاء الرؤساء، أو تفضيلًا للقرارات التي لا تثير المشكلات على القرارات التي تعالجها، فإن الإدارة قد تنزلق إلى بيئة تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ الإنجاز.

وفي مثل هذه البيئة، تنشأ إحدى أخطر المفارقات التنظيمية: قد يكون المسؤول الأعلى في حاجة ماسة إلى مستشارين يعارضون تقديراته حين يخطئ، لكنه يجد نفسه محاطًا بمن يوافقونه تجنبًا للمخاطرة؛ وقد تحتاج المؤسسة إلى مدير يواجه أوجه القصور بشجاعة، لكنها تفضل من يحافظ على هدوء المشهد، حتى لو كان ذلك الهدوء يخفي مشكلات تتراكم في العمق. 

وهكذا يصبح غياب الاعتراض المهني مصدرًا لضعف القرار، ويتحول الصمت من سلوك فردي إلى تكلفة تتحملها المؤسسة كلها، فالقرار الرشيد لا يولد بالضرورة من اتفاق الجميع، بل من قدرة المؤسسة على اختبار الافتراضات، ومناقشة البدائل، وإظهار المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات، وكلما ضاقت مساحة النقد المهني المسؤول، ازدادت احتمالات أن تصل إلى القيادة صورة منقوصة عن الواقع، وأن تتخذ قراراتها بناءً على معلومات لا تكشف كامل المشكلة.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال أزمة الاختيار في تفضيل الولاء على الكفاءة وحده؛ فثمة عوامل أخرى قد تتداخل، من بينها ضعف نظم التقييم، وغموض معايير الترقية، وعدم الاستثمار الكافي في إعداد القيادات، وتشتت المسؤوليات، وغياب مؤشرات الأداء، وضعف القدرة على التعلم من التجارب السابقة، ولهذا فإن إصلاح الاختيار لا يتحقق بتغيير الأشخاص فحسب، بل بإعادة بناء القواعد التي تحدد من يصل إلى المنصب، وكيف يؤدي مهمته، وعلى أي أساس يستمر فيه أو يغادره.

ولعل أخطر نتائج سوء الاختيار تظهر عندما تتسع المسافة بين سلطة المسؤول ومسؤوليته، فكلما اتسعت صلاحياته دون أن تقابلها مساءلة فعالة، ازدادت احتمالات أن يتحول المنصب إلى مركز للقرار غير المنضبط، وكلما تراجعت قدرته على الإنجاز دون أن يترتب على ذلك تقييم جاد، تآكلت الثقة في عدالة النظام الإداري، وعندما تتكرر هذه التجربة في قطاعات تمس حياة الناس، من التعليم والصحة والخدمات المحلية إلى الاستثمار والإنتاج، فإن الأثر لا يبقى حبيس ملفات المؤسسات، بل ينتقل إلى الحياة اليومية للمواطن.  

فالمواطن لا يتعامل مع الدولة بوصفها هيكلًا تنظيميًا مجردًا، ولا يختبر كفاءتها من خلال بياناتها الرسمية وحدها؛ إنه يختبرها في المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، والمستشفى الذي يلجأ إليه، والمصلحة الحكومية التي يقضي فيها حاجته، والفرصة الاقتصادية التي يبحث عنها، ومدى شعوره بأن القانون والمعايير العامة تطبق بعدالة، وحين تتكرر تجارب الإهمال أو التعقيد أو ضعف الخدمة، قد تتراجع ثقته في قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، حتى لو كانت هناك مؤسسات أخرى تحقق نجاحات ملموسة.

وهذه نقطة جوهرية في فهم العلاقة بين الإدارة والشرعية السياسية، فالشرعية لا تتصل فقط بالنصوص الدستورية أو بالهياكل القانونية، وإنما تتأثر أيضًا بقدرة الدولة على أداء وظائفها بكفاءة وعدالة، وبإحساس المجتمع بأن المواقع العامة تُدار لخدمة الصالح العام، ولا يعني ذلك أن كل إخفاق إداري يؤدي بالضرورة إلى أزمة سياسية، بل إن تراكم الإخفاقات، حين يقترن بغياب التصحيح والمساءلة، قد يوسع الفجوة بين وعود الدولة وتجربة المواطن الفعلية.

من هنا، فإن سوء الاختيار قد يتحول من مشكلة إدارية إلى مشكلة في الثقة العامة، ومن تكلفة مالية إلى تكلفة اجتماعية وسياسية. فالخدمة الرديئة قد تستنزف وقت المواطن وماله، والقرار الاقتصادي غير المدروس قد يهدر موارد كان يمكن توجيهها إلى التشغيل والإنتاج، والقيادة غير الملائمة قد تعطل مؤسسة تمتلك بالفعل الكفاءات والموارد اللازمة للنجاح، أما حين تتكرر هذه الخسائر دون مراجعة، فإن الدولة لا تخسر فقط عائدًا كان يمكن تحقيقه، بل تخسر كذلك فرصًا بديلة كان من الممكن استثمارها في تحسين حياة الناس.

ولذلك، فإن المعيار الحقيقي لكفاءة الحكم ليس عدد القرارات التي تصدرها المؤسسات، ولا عدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا حجم الخطط التي تعلنها، بل قدرتها على تحويل القرار إلى نتيجة، والخطة إلى إنجاز قابل للقياس، والموارد العامة إلى قيمة مضافة يشعر بها المجتمع، فالفرق كبير بين إدارة تتحرك كثيرًا وإدارة تنجز بفاعلية؛ وبين مسؤول يملأ مساحة المشهد بحضوره، ومسؤول يترك أثرًا ملموسًا في أداء المؤسسة التي يتولاها. 

إن مصر لا تعاني نقصًا في الطاقات البشرية القادرة على التعلم والتخصص والإبداع، لكن التحدي الاستراتيجي يكمن في بناء منظومة تستطيع اكتشاف هذه الطاقات، وتأهيلها، ووضعها في المواقع التي تناسب قدراتها، ومنحها الصلاحيات اللازمة، ثم محاسبتها على النتائج، فالكفاءة التي لا تجد طريقها إلى موقع التأثير تتحول إلى طاقة معطلة، بينما قد يصبح المنصب الذي يُسند إلى شخص غير مناسب مصدرًا لتعطيل طاقات الآخرين.

وهذا هو الوجه الأكثر عمقًا لأزمة الاختيار: إنها لا تتعلق فقط بمن نمنحه المنصب، وإنما أيضًا بمن نحرمهم من فرصة توليه، وبما تخسره الدولة حين لا تستطيع التمييز بين من يمتلكون القدرة على الإنجاز ومن يمتلكون فقط القدرة على الوصول. ولكي يتحول الحديث عن الإصلاح إلى مشروع مؤسسي حقيقي، فإن الأمر يتطلب منظومة متكاملة للاختيار والتأهيل والتقييم، تبدأ هذه المنظومة بتحديد الكفاءات المطلوبة لكل موقع قبل اختيار شاغله، بحيث تُبنى معايير التعيين على طبيعة المسؤولية لا على السيرة الشخصية وحدها. ثم تنتقل إلى منافسة مهنية جادة تسمح بمقارنة المرشحين على أساس الخبرة والقدرات القيادية والنزاهة وسجل الإنجاز، ويلي ذلك إعداد القيادات قبل إسناد المواقع الحساسة إليها، ووضع أهداف محددة لكل مسؤول، وربط تقييمه بنتائج قابلة للقياس، مع مراعاة اختلاف الظروف والموارد بين المؤسسات.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تتوافر آليات مستقلة وفعالة للمراجعة والمساءلة، وأن يُمنح المسؤول مساحة للاجتهاد المحسوب واتخاذ القرار، دون أن يتحول ذلك إلى حصانة من المحاسبة. فالإدارة التي تعاقب كل خطأ، مهما كانت طبيعته، قد تدفع المسؤولين إلى الجمود وتجنب المبادرة؛ والإدارة التي لا تحاسب على الإخفاق قد تشجع الإهمال وتكرار الأخطاء، أما الإدارة الرشيدة فهي التي تميز بين الخطأ المهني الذي يستوجب التعلم والتصحيح، والإهمال الذي يستوجب المساءلة، والفساد الذي يستوجب المحاسبة القانونية، والإنجاز الذي يستحق التقدير والترقي.

وكذلك ينبغي ألا ينتهي تقييم المسؤول بانتهاء مدة تكليفه، بل يجب أن تتراكم خبرات المؤسسات من نتائج أدائه، حتى لا تبدأ كل إدارة جديدة من نقطة الصفر، وحتى لا تتكرر التجارب الفاشلة دون أن تتحول إلى معرفة مؤسسية، فالدولة التي لا تتعلم من أخطائها تدفع ثمن الخطأ أكثر من مرة، والدولة التي لا تربط الاختيار بنتائج الأداء تجعل المناصب منفصلة عن الغاية التي أنشئت من أجلها.

والأهم أن تُبنى ثقافة عامة داخل المؤسسات تعتبر الاعتراف بالخطأ علامة على النضج الإداري، لا تهديدًا للمكانة؛ وتعتبر النقد المهني أداة لتحسين القرار، لا خروجًا على الطاعة؛ وتعتبر الكفاءة حقًا للمجتمع فيمن يديرون شؤونه، لا امتيازًا شخصيًا لمن يشغلون المناصب، فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتغير القواعد والحوافز التي تحكم السلوك، لا حين تتغير الوجوه وحدها.

وفي النهاية، لا يمكن لدولة أن تطمح إلى بناء قوة اقتصادية أو اجتماعية أو استراتيجية مستدامة إذا لم تجعل جودة الاختيار جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي، فالموارد يمكن أن تُستنزف، والاستثمارات يمكن أن تتراجع عوائدها، والفرص يمكن أن تضيع، لكن الخسارة الأعمق تقع حين تعجز المؤسسات عن توظيف أفضل ما يمتلكه المجتمع من عقول وقدرات.

إن المناصب العامة ليست مكافآت توزع، ولا امتيازات تمنح، ولا مواقع تُقاس قيمتها بما توفره لشاغليها من نفوذ؛ إنها أمانة وظيفية تتحدد قيمتها بقدر ما تضيفه إلى المجتمع، وكل مسؤول غير مناسب في موقع مؤثر قد يكون أكثر من مجرد اختيار خاطئ؛ فقد يصبح حلقة في سلسلة من القرارات التي تهدر الوقت والمال والفرص، وتؤخر قدرة الدولة على بلوغ أهدافها. 

وليس المطلوب أن تبحث مصر عن مسؤولين لا يخطئون، فذلك مطلب غير واقعي، وإنما أن تبني نظامًا يقلل فرص الاختيار الخاطئ، ويكشفه مبكرًا، ويصححه بموضوعية، ويمنع تحوله إلى نمط دائم، نظامًا لا يخلط بين القرب من السلطة والقدرة على الإدارة، ولا بين حسن الخطاب وجودة الأداء، ولا بين شغل المنصب واستحقاقه.

فالدولة القوية ليست تلك التي لا تخطئ في الاختيار، بل تلك التي تمتلك من المؤسسية والشفافية والشجاعة ما يجعلها قادرة على اكتشاف خطئها وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة عامة، وإن أخطر ما قد يصيب دولة ليس أن تضع الرجل الخطأ في المكان الخطأ مرة، بل أن تفقد القدرة على معرفة أنه الرجل الخطأ، وأن يصبح تصحيح الاختيار أصعب من تحمل عواقبه.

وعند هذه النقطة، لا يعود سوء الاختيار مجرد خلل في الإدارة، بل يصبح اختبارًا لقدرة الدولة على مراجعة نفسها، وتجديد مؤسساتها، وتحويل السلطة من امتياز إلى مسؤولية، والكفاءة من شعار إلى معيار، والمساءلة من إجراء استثنائي إلى قاعدة تحمي المصلحة العامة.

فالأوطان لا تتقدم بمجرد امتلاك القوة، وإنما بحسن إدارة القوة، ولا تُبنى بالمناصب وحدها، وإنما بالعقول التي تستحقها؛ لأن الفارق بين دولة تملك الإمكانات ودولة تحقق النهضة هو، في جانب جوهري منه، الفارق بين أن تختار من يشغلون مواقعها، وأن تحسن اختيار من يستطيعون حمل مسؤولية مستقبلها.
------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

سوء صناعة القرار: أزمة الاختيار في دوائر الحكم المصرية