عادت قضية الصحة النفسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الواجهة مرة أخرى بعد خسارته جائزة نوبل للسلام. هذه المرة لم يكتفِ بالغضب، بل وصف النرويج بأنها ارتكبت وصمة لا تُمحى، وأصرّ على أنه كان يستحق الفوز بثماني جوائز وليس واحدة. وعلى مدار العام الماضي، تحولت هذه القضية إلى ساحة معركة غير مسبوقة بين الأطباء النفسيين وعلماء النفس وعلماء الاجتماع في الولايات المتحدة. فريق من عشرات الأطباء النفسيين وقّعوا بيانًا جماعيًا يقولون فيه إنه غير لائق عقليًا لتولي الرئاسة، وفريق آخر من الباحثين يحذر من أن التشخيص عن بُعد يُمارس باسم العلم لخدمة أغراض سياسية. السؤال الحقيقي هنا ليس ما إذا كان ترامب نرجسيًا أم لا، بل أين تنتهي مهمة العلم وتبدأ أخلاقيات المهنة، ومتى يصبح الصمت خيانة.
الأطباء النفسيون: علامات مقلقة ومخاوف مشروعة
في مايو 2026، نشر ثلاثون طبيبًا نفسيًا أمريكيًا بيانًا مشتركًا في المجلة الطبية البريطانية أعلنوا فيه أن ترامب غير لائق عقليًا لتولي منصب الرئيس، وطالبوا بتطبيق التعديل الخامس والعشرين للدستور للمطالبة بإقصائه. عددوا في البيان سلسلة من العلامات التي وصفوها بأنها قابلة للملاحظة الموضوعية: تدهور معرفي واضح، ونعاس في إجراءات عامة حاسمة، وضعف شديد في الحكم والتحكم في الانفعالات، وفقدان كبير لضبط النفس، ومعتقدات عَظَمية ووهمية وصلت إلى ادعاء العصمة المطلقة.
هنري ديفيد أبراهام، أستاذ الطب النفسي الفخري في جامعة تافتس وأحد الموقعين، قال إن ما دفعهم للتحرك هو أن شخصًا يملك وحده سلطة إطلاق الأسلحة النووية يراكم أعراضًا نفسية ويهدد في زمن الحرب بإبادة خصم. استشهد بمنشور ترامب على وسائل التواصل في السابع من أبريل بشأن إيران، حيث كتب أن الحضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا. رأى أبراهام في ذلك عظمة بلا حواجز، وجنون ارتياب، واندفاعية، وانتقامية، وميلًا إلى توهّم التعرض للأذى، والأخطر من كل ذلك غضب منفلت لدى رجل يتحكم بأسلحة نووية بلا رقابة.
عالم النفس جون جارتنر ذهب أبعد من ذلك وطرح مفهوم النرجسية الخبيثة. المصطلح صاغه للمرة الأولى المحلل النفسي الألماني إريك فروم لتفسير شخصيات مثل هتلر. يقسمه جارتنر إلى أربعة مكونات: النرجسية بمعنى العظمة والأوهام والتعطش للتمجيد، وجنون الارتياب بمعنى الشعور بالاضطهاد وشيطنة الخصوم، والاعتلال النفسي بمعنى الكذب والخداع وانعدام الضمير، وأخيرًا السادية. يقول جارتنر إن هذا أشد اضطراب في الشخصية يمكن أن يصاب به الإنسان.
الطبيبة النفسية "باندي لي" كانت أكثر عاطفية في وصفها حيث قالت إن ما نراه هو شخص في أزمة نفسية عميقة، وأنه يحتاج إلى إعجاب الجمهور ومدحه مثل الأكسجين لأن موارده الداخلية فقيرة جدًا. أما عالم النفس الجنائي الأسترالي "تيم واتسون-مونرو" فقال مستندًا إلى خبرته السريرية في علاج مثل هذا المرض أنه لو أن أحد مرضاه فعل شيئًا مما يفعله "ترامب"، لقال إنه بحاجة إلى زيادة جرعة الدواء الموصوف له.
لكن هذه الأحكام تصطدم بعقبة أخلاقية قديمة تعرف بقاعدة غولدووتر. في عام 1964، حيث احتج المرشح الرئاسي باري جولدووتر بعد أن نشرت مجلة فاكت مقالًا بعنوان 1189 طبيبًا نفسيًا يقولون إن "جولدووتر" غير لائق نفسيًا للرئاسة و لمن لا يعرف جولدووتر هو مرشح الحزب الجمهوري الخاسر في انتخابات الرئاسة الامريكية عام 1964. بعد ذلك وضعت الجمعية الأمريكية للطب النفسي قاعدة تمنع الأطباء النفسيين من تشخيص شخصيات عامة لم يفحصوها بأنفسهم. القاعدة تُلزم الأطباء النفسيين فقط، ولا تُلزم علماء النفس بالدرجة نفسها، وهذا الفرق أثار جدلًا حادًا في عهد ترامب. عالم النفس سكوت ليليينفيلد وآخرون كتبوا في دورية Perspectives on Psychological Science أن قاعدة غولدووتر تقوم على افتراضات علمية مشكوك فيها وأنها أصبحت متجاوزة، ويرون أن على العلماء النفسيين في حالات معينة وضمن حدود الخبرة المناسبة واجب الإبلاغ وتقديم رأي مهني مع التحفظات المناسبة.
علماء الاجتماع: المشكلة ليست في الشخص بل في الظروف
في المقابل، يميل علماء الاجتماع إلى وضع ظاهرة ترامب داخل إطار أوسع بدلًا من اختزالها في علم نفس فردي مرضي. عالم الاجتماع في جامعة ييل فيليب غورسكي يرى أن انتخاب ترامب قد يكون أكبر تهديد للديمقراطية الأمريكية منذ هجوم بيرل هاربر، لكن هذا الحكم لا يشير إلى سمات ترامب النفسية بقدر ما يشير إلى الخطر النظامي الذي تمثله الحركة السياسية التي يقودها. دليل روتليدج لل perspectives السوسيولوجية على الرئاسة الأمريكية تناول بشكل منهجي الاضطراب الاجتماعي في عهد ترامب، من زيادة جرائم الكراهية إلى تراجع الخطاب المدني، ووضع السلطوية والشعبوية القومية والقومية العرقية ضمن الموضوعات التحليلية المركزية.
دراسة منشورة في دورية Current Anthropology قدمت رؤية مهمة من زاوية أخرى. رأت أن هوس ترامب بالتجمعات ليس شذوذًا، بل هو سمة نموذجية للسلطوية الجماهيرية المعاصرة التي تحاول أن تجسّد الشعب عبر التجمع العام. وأضافت أن الحفاظ على التعبئة الجماهيرية والتجمعات والمظاهرات بين الانتخابات ليس أمرًا غير عادي بالنسبة لحركات السلطوية الجماهيرية اليمينية. بمعنى آخر، نمط سلوك ترامب هو نتاج بنيوي للشعبوية السلطوية وليس مجرد انحراف نفسي فردي.
الأبحاث الأكاديمية تكشف أيضًا عن تفاعل بين نفسية المؤيدين وسلوك الزعيم.
في دراسة بعنوان القادة والأتباع: إغراء العقلية الفاشية تشير إلى أن أربعين في المئة من المواطنين في المجتمعات الديمقراطية يمتلكون شخصية سلطوية، وأنهم يفضلون التجانس والامتثال ويميلون إلى الطاعة، وأن ترامب يستخدم تقنيات خطابية فاشية لتضخيم مخاوف أتباعه وغضبهم واستيائهم.
ورقة أخرى تحلل صعود ترامب من زاوية علم النفس المرضي تقدم حجة أكثر تحديًا. تقول إن المشكلة الرئيسية ليست في شخصية الزعيم بقدر ما هي في الظروف الاقتصادية والثقافية والديموغرافية والنفسية التي هيأت له الوصول إلى الإجماع. هذه الرؤية توحي بأن إرجاع ظاهرة ترامب إلى مرض فردي قد يحجب أزمة نظامية أكثر أهمية.
التناقض بين ما يقوله وما يفعله
من أكثر الأبعاد إثارة للتفكير في هذا الجدل هو الفجوة الهائلة بين أقوال ترامب وأفعاله. يكرر باستمرار أنه أنهى ثماني حروب وأنقذ العالم من الفناء، لكن التحقق من الوقائع يُظهر أنه خلال ولايته الثانية وفي أقل من أربعة عشر شهرًا أطلق تسع عمليات عسكرية خارجية ضد أهداف في سبع دول، من الحرب على إيران إلى ضربات على فنزويلا وغارات على الصومال واليمن ونيجيريا.
هوسه بجائزة نوبل للسلام يحتل موقعًا خاصًا في هذه القضية. بعد أن ذهبت جائزة 2026 إلى شخص آخر، قال في تجمع انتخابي إن الولايات المتحدة، وأنا أمثلها كرئيس لكم، كان يجب أن تحصل على جائزة نوبل للسلام لكنها لم تحصل، وإن هذه وصمة لا تُمحى على النرويج. ادعى أيضًا أن الجائزة شُوّهت إلى الأبد على يد مجموعة صغيرة من الأيديولوجيين الراديكاليين.
المحللون يرون في هذا التلازم بين التعطش إلى جائزة السلام والحماس للحرب نمطًا نفسيًا يرى في الاعتراف الخارجي أداة لتأكيد الذات. المحلل اليونجي فلادو شولتس قال إن الهدف الأساسي للحياة في البنية النرجسية هو إشباع احتياجات الذات، وإن الخبرة والعلاقات والواقع نفسه تُنظَّم حول دعم الأنا. وكلما اختبر ترامب حدود سلطته، ازداد إدراكه لذاته تشوهًا. يحذر شولتس من أن النرجسي لا يملك قيودًا داخلية، وبمجرد أن يدرك أنه يستطيع فعل أي شيء تقريبًا سيستمر في تجاوز الخطوط. يقول إن ترامب جعل فعليًا السوقية والكذب مشروعين، ووضع احتقاره لمشاعر الآخرين فوق المبادئ الأخلاقية التي يتمسك بها الناس عادة، وإن هذا لم يعد مجرد نرجسية بل يقترب من الاعتلال النفسي.
أستاذ علم النفس في جامعة نورث وسترن "دان بي. ماك آدامز" كان أكثر إيجازًا في تقييمه. قال إن ترامب نرجسي يريد الفوز بأي ثمن لكنه لا يعرف لماذا يريد الفوز.
ماذا يقول الناس؟
قد يكون الجدل بين الخبراء محتدمًا، لكن سؤال أي الرأيين أكثر شعبية تجيب عنه بيانات الرأي العام. استطلاعات متعددة في 2026 تُظهر ميلًا واضحًا لدى الرأي العام الأمريكي. استطلاع رويترز/إبسوس في أبريل الماضي أظهر أن واحدًا وسبعين في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن ترامب غير مستقر عاطفيًا، مقابل ستة وعشرين في المئة فقط يرونه متزنًا عاطفيًا. حتى بين مؤيدي الحزب الجمهوري، رأى ثلاثة وخمسون في المئة فقط أنه مستقر عاطفيًا بينما رأى ستة وأربعون في المئة العكس. بيانات مركز بيو أظهرت أن نسبة تأييد ترامب تراجعت إلى أربعة وثلاثين في المئة وهي الأدنى في ولايته الثانية، كما انخفضت نسبة من يرونه يتمتع بحدّة ذهنية من ثمانية وأربعين في المئة في أغسطس 2025 إلى أربعة وأربعين في المئة. وفي ما يتعلق بالإدراك، يعتقد واحد وخمسون في المئة من الأمريكيين أن حدة ترامب الذهنية تراجعت خلال العام الماضي.
هذه البيانات تشير إلى أن المنظور السريري بشأن حالة ترامب النفسية حظي بقبول شعبي أوسع. معظم الأمريكيين لا يختلفون مع ترامب على مستوى السياسات فحسب، بل يقيّمونه سلبيًا على مستوى السمات الشخصية مثل الاستقرار العاطفي والحدّة الذهنية والحكم. وحتى داخل الحزب الجمهوري، التقييمات الإيجابية لسماته الشخصية تتراجع.
لكن اتفاق الرأي العام مع الأحكام السريرية يختلف عن قبول الأوساط الأكاديمية للتشخيص السريري. المنظور البنيوي الذي يطرحه علماء الاجتماع يحظى بتأثير كبير داخل الأكاديميا لكن انتشاره في النقاش العام أقل. قد يعكس ذلك حقيقة أعمق، وهي أن الناس في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب يفضلون استخدام إطار فردي لفهم الظواهر السياسية بدلًا من إطار بنيوي. السؤال هل هو مجنون أسهل في التداول من السؤال ما الظروف الاجتماعية التي أنتجت هذا النمط من القيادة.
ما بعد التشخيص
جوهر الجدل حول شخصية ترامب يتجاوز السؤال السريري حول ما إذا كان يعاني اضطراب الشخصية النرجسية. إنه يمس معضلة أعمق تتعلق بكيفية موازنة مجتمع ديمقراطي بين الصدق العلمي والأخلاقيات المهنية والسلامة العامة عندما يواجه زعيمًا يثير سلوكه قلقًا واسعًا. بيان الأطباء النفسيين الثلاثين يمثل موقفًا يقول إن الصمت قد يكون أكثر لا أخلاقية من خرق قاعدة مهنية عندما يملك شخص سلطة إطلاق الأسلحة النووية ويظهر غضبًا منفلتًا. علماء الاجتماع يذكّروننا في المقابل بأن تحويل المشكلات السياسية إلى مشكلات طبية قد يأتي بنتائج عكسية، إذ قد يُضعف الاهتمام بالمشكلات البنيوية وقد يخلق سابقة خطيرة في توصيف المعارضة بالمرض.
بيانات الرأي العام تقدم الإجابة الأكثر مباشرة في هذا الجدل. معظم الأمريكيين يعتقدون أن ترامب غير مستقر عاطفيًا وأن قدراته المعرفية تتراجع، لكن هذا لا يعني أن الأغلبية تؤيد استخدام التشخيص النفسي للتأثير على العملية السياسية. حكم الجمهور يقوم على الملاحظة اليومية والتجربة المعيشية وليس على التشخيص المهني. ربما السؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كان ترامب يعاني مشكلات نفسية، بل لماذا لا يزال زعيم يُظهر مرارًا علامات إنذار تتعلق بالصحة النفسية قادرًا على الحصول على دعم عشرات الملايين من الناخبين. الإجابة على هذا السؤال لا توجد على الأرجح في دليل التشخيص النفسي بل في المجال الذي يجب أن يواصل علم الاجتماع استكشافه، حيث يبحث مجتمع متزايد الاستقطاب عن طريقه بين العقل والعاطفة وبين الوقائع والسرديات.
--------------------------------
بقلم: إلهام عبدالعال






