لا يمكن النظر إلى مسألة «المعبد» في الفكر الصهيوني بوصفها مجرد قضية معمارية أو تاريخية أو دينية؛ بل إن هذه المسألة، في بعض القراءات السياسية ـ الدينية، تُعد جزءاً من رواية أكبر تتعلق بمستقبل القدس، ومصير بني إسرائيل، وظهور المخلّص، وحرب آخر الزمان، وحتى تشكّل النظام العالمي المستقبلي. ومن هذا المنظور، فإن بحث فكرة «المعبد» من دون الالتفات إلى ارتباطها بالروايات الأخروية، والصهيونية الدينية، ومفهوم «هرمجدون»، سيقدم صورة ناقصة عن القضية.
تتمثل النقطة الأساسية الأولى في أن النظرة الإسلامية ترى أن أياً من الأنبياء لم يبنِ معبداً. فجميع الأنبياء الإلهيين بنوا المساجد. وبالتالي، فمن منظور هذا التصور العقدي، لا يمكن أساساً تقديم مسألة «بناء المعبد» أو «إعادة بناء أنقاض المعبد» بوصفها مشروعاً يعود إلى الأنبياء العظام، كما أن هذا الادعاء لا ينسجم من أساسه مع الرواية الإسلامية بشأن سنّة عبادة الأنبياء.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان المعبد الذي يجري الحديث اليوم عن إعادة بنائه يُفترض أن يُقام في موقع المسجد الأقصى، فهل القضية مجرد إعادة بناء صرح تاريخي، أم أنها جزء من مشروع أيديولوجي وجيوسياسي أكبر؟
في هذا الإطار، فإن تحرك الصهاينة لتنفيذ مشروع بناء المعبد أو إعادة بناء معبد سليمان في القدس ليس مجرد مشروع ديني؛ بل هو جزء من رواية أخروية تتبناها بعض التيارات اليهودية المتطرفة، وكذلك بعض القراءات للمسيحية الصهيونية. وقد تناولت دراسات أكاديمية أيضاً وجود صلة بين بعض تيارات الصهيونية الدينية والمعتقدات الأخروية، بما في ذلك دور إسرائيل وأورشليم في تحقيق المستقبل الموعود.
وبحسب الرواية المطروحة في هذا التصور، يُقدَّم المخططون الرئيسيون لهذا المشروع على أنهم أعضاء في جمعيات سرية وشبكات تُنسب عموماً إلى المحافل الماسونية، والإلوميناتي، والتيارات الشيطانية، ويُنظر إليهم على أنهم المحركون الرئيسيون للغرب اليوم. ووفقاً لهذه الرواية، فقد صمموا مشروعاً يقضي بوقوع حدث كبير في آخر الزمان: إذ ينبغي أن يجتمع جميع بني إسرائيل في القدس، وبعد اجتماعهم، تقع واقعة كبرى يكون أحد مراحلها بناء «المعبد».
وبحسب الرواية نفسها، يُدّعى أن المعبد السابق كان قائماً في الماضي في الموقع نفسه الذي يوجد فيه المسجد الأقصى، ولذلك، ومن أجل تحقيق هذا المشروع، يجب تدمير المسجد الأقصى وبناء معبد مكانه؛ وهو معبد يُفترض في نهاية المطاف أن يكون عرشاً للسيد المسيح (ع)، وأن تُقام فيه ذبيحة خاصة.
وفي امتداد هذه الرواية الأخروية، يُقدَّم بناء المعبد باعتباره مقدمة لاندلاع حرب كبرى؛ حرب تتواجه فيها قوتان، قوة الخير وقوة الشر. وفي هذا التقسيم، تُعرَّف قوى الخير بأنهم أنصار بني إسرائيل، والغرب، والرومان، وبنو إسرائيل، في مقابل وضع المسلمين والعرب في موقع قوى الشر.
وهكذا تتشكل حرب حتمية ومتوقعة سلفاً ذات طابع ديني، تنتهي، وفقاً لهذه الرواية، بإبادة المسلمين والعرب على أيدي أنصار بني إسرائيل. وبعد ذلك تأتي المرحلة النهائية للمشروع، أي إقامة حكومة عالمية تتمحور حول أورشليم وتتخذ منها عاصمة، وذلك في المعبد الذي يطلقون عليه اسم «معبد سليمان»؛ في حين أن النبي سليمان (ع)، وفق هذا التصور، لم يكن لديه أساساً مثل هذا المعبد بالمعنى الذي تدعيه هذه التيارات.
وفي الواقع، ووفقاً لهذا التحليل، تقف وراء هذا المشروع مخاوف أو هواجس أساسية، ويتمثل هدفه النهائي في إيجاد الظروف اللازمة لإقامة حكومة عالمية في هذه المنطقة؛ حكومة ذات طبيعة شيطانية وتسلطية.
وتُفسَّر تحولات القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين في امتداد هذا المشروع نفسه. ووفقاً لهذا التصور، جرت عدة محاولات مهمة لتحقيق هذا الهدف بصورة تدريجية. ومن بين هذه المحاولات، تُذكر الحربان العالميتان الأولى والثانية، وما ترتب عليهما من نتائج مؤسسية.
ففي الحرب العالمية الأولى، ومع إنشاء عصبة الأمم، نُقل جزء من صلاحيات الشعوب والأمم إلى هيكل دولي. وقد تأسست عصبة الأمم عام 1919، بعد الحرب العالمية الأولى، وكان هدفها الرسمي تطوير التعاون الدولي والحفاظ على السلام والأمن.
وفي الحرب العالمية الثانية أيضاً، ومع تأسيس المنظمات العالمية والمؤسسات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، ظهرت مرحلة أخرى من تشكل النظام الدولي. وقد تأسست الأمم المتحدة عام 1945، في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأُعلن أن هدفها الرسمي هو منع الحروب المستقبلية، والحفاظ على السلام، وتعزيز التعاون الدولي.
لكن في القراءة التي تتناولها هذه المذكرة، لا تُفسَّر هذه التحولات باعتبارها مجرد تأسيس لمؤسسات دولية من أجل حفظ السلام؛ بل يُنظر إليها باعتبارها مراحل تدريجية لتقييد صلاحيات الشعوب ونقل جزء من سلطة اتخاذ القرار إلى هياكل دولية.
وبحسب هذا التحليل نفسه، ونظراً إلى حاجة القائمين على هذا المشروع إلى «الحدث الأخير» و«الحرب الكبرى الأخيرة»، فإنهم يسعون إلى إضفاء طابع ديني وغطاء ديني على الحرب النهائية، حتى يتخلصوا في نهايتها من المسلمين، ويعلنوا، بعد انتهاء هذه المغامرة العالمية، مشروع حكومتهم العالمية؛ وهي حكومة ذات طبيعة شيطانية أساساً في هذه الرواية.
وفي هذا الإطار، تطرح قضية الدراسات النووية الإيرانية أيضاً باعتبارها إحدى الحلقات المهمة في هذه الرواية. ووفقاً لهذا التصور، فإن سبب عدم تقبل التيارات الغربية والصهيونية للدراسات النووية الإيرانية لا يقتصر على المسألة التقنية أو الأمنية أو عدم الانتشار النووي؛ بل إن الحرب النهائية «هرمجدون»، في المشروع الأخروي المزعوم، تُقدَّم باعتبارها حرباً ترتبط حتماً بالأسلحة النووية.
وفي السياق نفسه، تُطرح ذكرى تعود إلى السنوات الأولى التي أعقبت الثورة الإسلامية: فبعد نحو عامين من انتصار الثورة الإسلامية، حظي فيلم «نوستراداموس» باهتمام وسائل الإعلام والشبكات الفضائية. ووفقاً لهذه الرواية، يُدّعى أنه بالتزامن مع طرح قضية الدراسات النووية الإيرانية، استُخدم هذا الفيلم دعائياً بهدف رسم صورة محددة عن مستقبل إيران والحرب النووية.
وبحسب هذه الذكرى، كان يُقال إن قضية إيران ستُحال إلى الأمم المتحدة، وإن الفيلم عُرض على مدى سبع ليالٍ، كل ليلة عبر إحدى القنوات الفضائية الأوروبية، من أجل نقل رسالة إلى الرأي العام مفادها أنه إذا امتلك الإيرانيون دراسات نووية وتمكنوا من الوصول إلى القنبلة الذرية، فإن حرب هرمجدون النووية ستندلع.
ومن النقاط الأخرى اللافتة في هذه الرواية، إنتاج العديد من الأعمال الوثائقية والمرئية التي جرى فيها وضع إيران والمسلمين ومفهوم «الدجال» إلى جانب بعضهم البعض. وفي هذا التصوير، تُقدَّم إيران بوصفها الدجال، والمسلمون بوصفهم أنصار الدجال، وإيران بوصفها البادئة بحرب هرمجدون النووية.
ومن هذا المنظور، فإن القضية الأساسية ليست مجرد فيلم أو برنامج إعلامي؛ بل إن القضية تتمثل في صناعة «رواية»: رواية تُصوَّر فيها إيران باعتبارها تهديداً أخروياً، والمسلمون باعتبارهم قوة الشر، وإسرائيل وحلفاؤها باعتبارهم قوة الخير، والحرب النووية باعتبارها المرحلة النهائية للصراع بين الخير والشر.
وعليه، يبقى السؤال الاستراتيجي قائماً: هل قضية «المعبد» مجرد مطالبة دينية وتاريخية، أم أنها جزء من مشروع جيوسياسي ارتبط، في بعض القراءات الأخروية، بالحرب النهائية، وهرمجدون، وقضية إيران، وتدمير المسجد الأقصى، وتشكّل النظام العالمي المستقبلي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تُستخلص من خلال دراسة ومراجعة النصوص الدينية، وتاريخ الصهيونية، والصهيونية المسيحية، والتيارات الدينية في إسرائيل، وتاريخ القدس، وأدبيات آخر الزمان، والإنتاجات الإعلامية، وتحولات النظام الدولي في آن واحد؛ وهو ما لا يتسع له هذا المقال للأسف من إطناب.
--------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران






