03 - 10 - 2026

لواء د. محمد الدسوقي لـ«المشهد»: مصر التي عبرت أصعب مانع مائي في العصر الحديث تستطيع أن تعبر تحدياتها

لواء د. محمد الدسوقي لـ«المشهد»: مصر التي عبرت أصعب مانع مائي في العصر الحديث تستطيع أن تعبر تحدياتها

- أكتوبر بين الأمس واليوم.. 
* اللواء محمد الدسوقي يكشف للمشهد كيف تغيّرت قواعد الحرب ويؤكد: سر الانتصار ليس في السلاح وإنما في الإنسان
- الحرب في النهاية صراع إرادات. فالتكنولوجيا تضاعف قدرة الإنسان، لكنها لا تلغيه
- روح أكتوبر لا تزال حاضرة وقادرة فالمصري عندما يواجه تحديًا كبيرًا لا يستسلم له، وإنما يحوله إلى مشروع عمل

حين نتحدث عن حرب أكتوبر، فإننا لا نستعيد مجرد ذكرى عسكرية مضيئة في تاريخ مصر، وإنما نستحضر لحظة فارقة أثبت فيها الإنسان المصري أن الإرادة حين تقترن بالعلم والتخطيط والانضباط قادرة على تغيير موازين القوى وكتابة التاريخ.

من هنا تأتي أهمية هذا الحوار مع اللواء دكتور اركان حرب محمد الدسوقي الخبير في العلوم الاستراتيجية والأمن القومي، الذي يقدم خلاله قراءة عسكرية واستراتيجية واسعة لتجربة أكتوبر، حيث انها لا تتوقف عند لحظة العبور أو تفاصيل المواجهة، وإنما تمتد إلى ما سبق النصر من إعداد وتأهيل وتدريب وبناء للقدرات، وما صاحب المعركة من تخطيط وخداع استراتيجي وإدارة دقيقة للمعلومات والقرارات.

ويطرح الدسوقي رؤية واضحة لمعنى الانتصار، مؤكدًا أن السلاح مهما بلغت قدراته لا يصنع النصر بمفرده، وأن العنصر الحاسم يظل الإنسان القادر على استخدام الإمكانات بكفاءة، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب، وتحويل التدريب والعقيدة والإرادة إلى قوة حقيقية على أرض المعركة.

وفي هذا الحوار، ينتقل اللواء الدكتور محمد الدسوقي من أكتوبر 1973 إلى أكتوبر الجديد؛ ليفتح ملفات الأمن القومي في عصر مختلف، أصبحت فيه المعركة لا تدور فقط على الحدود، وإنما تمتد إلى ساحات المعلومات والشائعات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بالتوازي مع تحديات الاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء.

كما يتوقف الحوار أمام واحد من أهم دروس أكتوبر: أن الدولة التي تريد حماية قرارها وسيادتها لا يكفيها امتلاك جيش قوي، وإنما تحتاج إلى اقتصاد قادر، ومؤسسات قوية، وتكنولوجيا متقدمة، ومجتمع واعٍ ومتماسك، وقدرة على إدارة الأزمات وحماية أمنها القومي بمفهومه الشامل.

وبين ذاكرة النصر وتحديات المستقبل، يضع اللواء الدكتور محمد الدسوقي أمامنا سؤالًا يتجاوز الاحتفال بذكرى أكتوبر: كيف نحافظ على روح أكتوبر ونحوّلها من انتصار تاريخي إلى مشروع دائم لبناء دولة قوية قادرة على مواجهة متغيرات العصر؟

في هذا الحوار، نستعيد مع اللواء الدكتور محمد الدسوقي دروس أكتوبر.. ونبحث عن ملامح المعركة الجديدة

* بعد 53 عامًا على حرب أكتوبر، ما السر الحقيقي وراء الانتصار؟ هل كان انتصار السلاح أم العقل والتخطيط والإرادة؟

- لو أردنا أن نختصر تجربة أكتوبر في كلمة واحدة، فسأقول: الإنسان.

السلاح مهم، ولكن السلاح وحده لا يصنع انتصارًا. مصر دخلت حرب أكتوبر وهي تدرك أن التفوق الإسرائيلي في بعض مجالات التسليح، خصوصًا الطيران والتكنولوجيا، لا يمكن مجاراته بصورة مطلقة، ولذلك كان الحل هو استخدام العقل في اختيار الزمان والمكان والهدف، والتخطيط الدقيق، والمفاجأة، وتكامل الأسلحة، وإرادة المقاتل. والأهم أن حرب أكتوبر لم تكن قرارًا لحظيًا؛ كانت نتيجة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة بعد 1967، وتطوير العقيدة القتالية، والتدريب، والتخطيط، والاستفادة من دروس حرب الاستنزاف.

والوثائق المنشورة تصف التخطيط الاستراتيجي للحرب بأنه شمل التوجيه السياسي العسكري، وإعداد فكر استخدام القوات، وخطط العمليات والتعاون الاستراتيجي واختبار الخطط ومراجعتها. إذن أكتوبر كان انتصارًا للسلاح الذي أحسن الإنسان استخدامه، قبل أن يكون انتصارًا للسلاح في حد ذاته.

* كيف استطاعت القوات المسلحة إعادة تأهيل المجند والضابط المصري بعد النكسة؟

- بعد 1967 كان المطلوب ليس مجرد إعادة تسليح الجيش، وإنما إعادة بناء الثقة والكفاءة والعقيدة القتالية. وهنا جاءت حرب الاستنزاف كمدرسة حقيقية للمقاتل المصري،. الجندي لم يعد يتدرب في ظروف نظرية فقط؛ أصبح يواجه العدو، ويتعلم من الاشتباك، ويختبر قدرته على الصمود والتنفيذ.

وفي الوقت نفسه، جرى تطوير التدريب والتخطيط والقيادة، وأصبح الهدف هو تحويل تجربة 1967 من جرح نفسي وعسكري إلى درس مؤسسي. وأعتقد أن أهم عملية إعادة تأهيل كانت إعادة الإجابة عن سؤال بسيط داخل عقل المقاتل: هل أستطيع مواجهة العدو؟

وأكتوبر كانت الإجابة العملية: نعم، إذا امتلكت التدريب والعقيدة والقيادة والخطة.

* الخداع الاستراتيجي كان أحد أهم مفاتيح أكتوبر.. كيف جعلت مصر إسرائيل ترى ما أرادت القيادة المصرية أن تراه؟

- الخداع الاستراتيجي في أكتوبر كان نموذجًا مهمًا في إدارة المعلومات والإشارات. فمصر لم تحاول أن تجعل إسرائيل لا ترى شيئًا - هذا شبه مستحيل - وإنما حاولت أن تجعل إسرائيل تفسر ما تراه تفسيرًا خاطئًا. حيث تم استخدام المناورات والتحركات العسكرية المتكررة، والإشارات السياسية والإعلامية، وإظهار بعض التحركات باعتبارها تدريبًا، مع إجراءات أخرى هدفت إلى الحفاظ على سرية القرار الحقيقي، والأهم أن إسرائيل لم تكن تفتقد المعلومات تمامًا؛ المشكلة كانت في تفسير المعلومات داخل منظومة استخباراتية لديها افتراضات مسبقة.

والوثائق الأمريكية المفرج عنها تؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل فوجئتا بالهجوم،

وأن تقديرات الاستخبارات الأمريكية كانت متأثرة بافتراضات مسبقة عن القدرات والدوافع العربية. كما توثق دراسات استخباراتية أمريكية استخدام مصر للمناورات كغطاء للحشد، وإجراءات إعلامية وسياسية ساعدت على تثبيت تصور أن الحرب ليست وشيكة.

وهنا درس مهم جدًا: أخطر معلومة ليست المعلومة التي لا تصل إلى الخصم، وإنما المعلومة التي تصل إليه فيفسرها بطريقة خاطئة.

* لو حددنا قرارًا واحدًا أو لحظة واحدة كان لها التأثير الأكبر في تغيير مسار الحرب، ماذا تختارون؟

- لو أجبرت على اختيار عنصر واحد، فسأختار قرار العبور في السادس من أكتوبر، ولكن ليس بمعنى العبور وحده؛ بل بمعنى اختيار التوقيت والظروف التي تحقق المفاجأة الاستراتيجية، فالقرار الحقيقي كان أن مصر لن تنتظر حتى تصبح متفوقة في كل عناصر القوة؛ لأنها لو انتظرت ذلك ربما لم تبدأ الحرب أصلًا، فكان المطلوب تحقيق هدف عسكري وسياسي واقعي هو: كسر الجمود، عبور القناة، اختراق خط بارليف، وإقامة رؤوس كباري تمكن القوات من تثبيت وجودها شرق القناة.

وهذا ما يجعل القرار استراتيجيًا: أن تحدد هدفًا تستطيع قواتك تحقيقه، بدل أن تدخل الحرب بأهداف أكبر من قدراتك.

* هل يمكن أن تنتصر دولة تمتلك أحدث الأسلحة إذا كانت تفتقد الإنسان صاحب العقيدة والإرادة؟

- الاجابة: لا. قد تحقق تفوقًا تكتيكيًا، وقد تحقق انتصارات في معارك معينة، لكن الحرب في النهاية صراع إرادات. فالتكنولوجيا تضاعف قدرة الإنسان، لكنها لا تلغي الإنسان. المقاتل المصري في أكتوبر علّمنا أن الجندي عندما يفهم لماذا يقاتل، ويثق في قيادته، ويتدرب جيدًا، ويعرف مهمته، يستطيع أن يستخدم إمكانيات محدودة بكفاءة كبيرة.

وهذه هي قيمة أكتوبر اليوم: لا نقول إن التكنولوجيا غير مهمة؛ بالعكس، التكنولوجيا أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكن يجب أن تكون التكنولوجيا في يد إنسان مؤهل، صاحب عقيدة وانضباط وقدرة على اتخاذ القرار.

* انتقلنا من حرب الجبهات إلى حروب المعلومات والشائعات والحروب السيبرانية.. هل أصبح استهداف وعي المواطن أخطر من استهداف حدود الدولة؟

- أنا لا أضعهما في مواجهة بعضهما. فالحدود تحميها القوات المسلحة، والوعي يحمي الدولة من الداخل. واليوم تستطيع حملة تضليل أن تحقق أثرًا استراتيجيًا من دون إطلاق رصاصة واحدة: تشكك المواطن في مؤسسات دولته، أو تزرع الخوف، أو تنشر الشائعات، أو تضرب الثقة بين المجتمع والدولة.

ولهذا أصبحت إدارة المعلومات جزءًا من الأمن القومي. واللافت أن توجيهات الدولة المصرية عام 2026 وضعت ضمن الأولويات توفير الحقائق للرأي العام، ومواجهة الشائعات، وتعزيز الوعي الجماعي والتفكير السليم.

لكن العلاج ليس منع المعلومات؛ العلاج هو أن تكون الدولة أسرع في تقديم المعلومة الصحيحة، وأكثر شفافية في التواصل، وأن يمتلك المواطن القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

* في عصر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، هل يمكن أن تُحسم الحرب بالمعلومة والتكنولوجيا قبل أن تبدأ؟

- التكنولوجيا ستغير شكل الحرب، لكنها لن تلغي الحرب التقليدية. فالذي يتغير هو مرحلة ما قبل الحرب. فالأقمار الصناعية والمسيّرات والذكاء الاصطناعي تستطيع جمع وتحليل كميات هائلة من المعلومات، ويمكن أن تجعل عنصر المفاجأة أصعب. لكن في المقابل ستظهر وسائل جديدة للتمويه والخداع والتضليل. لذلك ستكون الحرب القادمة صراعًا بين: من يرى أولًا، ومن يفهم أولًا، ومن يقرر أولًا، ومن ينفذ أولًا.

لكن يجب ألا نقع في وهم أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحل محل الإنسان بالكامل. القرار السياسي والعسكري النهائي يظل مرتبطًا بالمسؤولية والإرادة والتقدير البشري.

* هل الاقتصاد والمياه والطاقة والغذاء أصبحت جزءًا من الأمن القومي بنفس أهمية القوة العسكرية؟

- بالتأكيد. فالأمن القومي الحديث لم يعد يعني فقط: كم دبابة وطائرة وفرقة عسكرية أمتلك؟، بل يعنى: هل تستطيع الدولة أن تصمد إذا انقطعت سلاسل الإمداد؟ هل لديها غذاء وطاقة ومياه؟ هل اقتصادها قادر على تمويل الدفاع؟ هل لديها بنية تحتية ومعلومات واتصالات قادرة على الاستمرار في الأزمات؟

وهذا ليس مجرد تحليل نظري؛ فالتوجه الرسمي المصري عام 2026 وضع الأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي ضمن الركائز الأساسية لعمل الحكومة. كما وصفت وزارة البترول المصرية أمن الطاقة بأنه ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي.

إذن مفهوم الأمن القومي اليوم أصبح شاملًا: مؤسسات سياسية قوية + اقتصاد قوي + مياه وغذاء وطاقة + مجتمع متماسك + جيش قوي + تكنولوجيا + مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات.

* ما أخطر ما يواجه الأمن القومي المصري اليوم: التهديد العسكري المباشر أم حروب الجيل الجديد من الداخل؟

- الأخطر هو التعامل مع كل تهديد بصورة منفصلة. مصر تقع في منطقة بها أزمات متعددة وممتدة، وبالتالي لا يمكن القول إن هناك تهديدًا واحدًا فقط.

فالتهديد العسكري المباشر يجب أن تظل له الأولوية في الاستعداد؛ لأن الدولة التي لا تستطيع حماية حدودها وحقوقها لا تستطيع حماية باقي مصالحها. لكن في الوقت نفسه، الحرب الحديثة قد تبدأ قبل الطلقة الأولى: ضغط اقتصادي، حرب معلومات، هجمات سيبرانية، استهداف سلاسل الإمداد، تضليل إعلامي، ومحاولات استنزاف الدولة. لذلك الاستراتيجية الصحيحة ليست الاختيار بين الجيش أو المجتمع؛ وإنما بناء دولة تستطيع حماية الاثنين.

* لو عدنا من أكتوبر 1973 إلى مصر 2026، ماذا نقول إن مصر نجحت في الحفاظ عليه؟ وماذا يجب أن تعززه؟

- أقول إن أهم ما حافظت عليه مصر هو فكرة الدولة وقدرتها على البقاء والاستمرار في منطقة شديدة الاضطراب. فمن أكتوبر تعلمنا أن الدولة لا تستعيد قوتها بالشعارات وإنما بإعادة بناء مؤسساتها وقدراتها.

وعام 2026، التحدي الأهم هو أن نحافظ على تماسك الدولة، وقوة القوات المسلحة، واستقلال القرار الوطني، وفي الوقت نفسه نعزز الاقتصاد والإنتاج والتعليم والتكنولوجيا والأمن المائي والغذائي والطاقة.

وهذا يتفق مع التوجه الرسمي الحالي الذي يربط الأمن القومي بالاقتصاد والإنتاج والطاقة والغذاء والتنمية البشرية.

* بعد 53 عامًا، هل ما زالت مصر تواجه "معركة أكتوبر" ولكن بأدوات مختلفة؟

- نعم، ولكن علينا أن نفهم المقصود. معركة أكتوبر التاريخية انتهت بتحرير الأرض، أما روح أكتوبر فهي مستمرة. ففي 1973 كانت المعركة الأساسية هي استعادة الأرض وكسر الجمود العسكري.

واليوم المعركة أوسع: كيف تحافظ مصر على استقلال قرارها، وأمنها المائي والغذائي والطاقوى، وقوة اقتصادها، وقدرتها التكنولوجية، وتماسك مجتمعها، في عالم شديد التنافس؟. وأعتقد أن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتصور أن أمن الدولة مسئولية القوات المسلحة وحدها. فالقوات المسلحة تحمي الدولة، لكن الدولة كلها يجب أن تكون قوية حتى تستطيع الصمود.

وفي يوليو 2026، جرى افتتاح قيادة استراتيجية للدولة مع تأكيد رسمي على دمج أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات وجمع وتحليل المعلومات والاستجابة السريعة، وهو يعكس اتساع مفهوم إدارة الأمن القومي نفسه.

* لو كانت حرب أكتوبر قد أعادت لمصر الأرض والكرامة، فما الذي يجب أن تحققه مصر اليوم حتى نقول إن روح أكتوبر ما زالت حاضرة؟

- روح أكتوبر بالنسبة لي ليست احتفالًا سنويًا. روح أكتوبر تعني أن المصري عندما يواجه تحديًا كبيرًا لا يستسلم له، وإنما يحوله إلى مشروع عمل.

إذا أردنا أن نرى روح أكتوبر عام  2026، فعلينا أن نراها في: (اقتصاد أكثر قوة وقدرة على الصمود - صناعة وتكنولوجيا محلية تقللان الاعتماد على الخارج - أمن مائي وغذائي وطاقي - تعليم يصنع الإنسان القادر على المنافسة - تفوق في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي - مجتمع متماسك أمام الشائعات والاستقطاب - وقوات مسلحة قوية تردع أي تهديد - ..).

لأن مصر التي عبرت أصعب مانع مائي في العصر الحديث تستطيع أن تعبر تحدياتها الجديدة، بشرط أن تمتلك نفس ما امتلكته في أكتوبر: رؤية واضحة، وتخطيطًا، وانضباطًا، وإرادة، وإنسانًا يعرف لماذا يعمل ولماذا يدافع عن وطنه.

في أكتوبر استعدنا الأرض بالسلاح والعقل والإرادة؛ أما أكتوبر الجديد، فمعركته هي أن نبني دولة قوية لا يستطيع أحد أن يفرض عليها إرادته.
-----------------------------------
حوار: بسمة رمضان