في لغة العرب ليس الشكُّ المبنى مجردَ ترفٍ لغوي بل هو أوّلُ علامات انكشاف المعاني ، وحين يتساءل المرء اليوم 'هل ما زالت الأممُ متحدةً أم أن الأممَ زالت؟ ' فهو لا يمارس جناساً بديعياً بل يحفر إبهامه في جرح العالم الأكثر إيلاماً ، فكما جاء في مأثورات أبي حامد الغزالي (من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال).
إنها اللحظة التي تتهاوى فيها الفكرة الكبرى التي قامت عليها المنظومة الدولية منذ منتصف القرن الماضي فكرة القانون الذي يعلو فوق السلاح والمساواة الأخلاقية بين الشعوب لقد تلاشت تلك الفكرة ولم يتبقَّ منها سوى هيكل زجاجي في نيويورك تتردد في أروقته أصداءُ قوةٍ غاشمة لا تكتفي بخرق القانون الدولي بل تُعيد صياغته على مقاس مصالحها
منصةٌ للمتهم وحظرٌ على الضحية
(خريف الشرعية الدولية و تفكك خرائط سايكس بيكو)
لم يكن مشهد الوقوف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة يوماً مجرداً من دلالاته لكنه في الآونة الأخيرة تحوّل إلى مسرحٍ سريالي يكشف طبيعة النظام الدولي بلا مواربة
في الوقت الذي تئنّ فيه غزة تحت وطأة دمارٍ شامخٍ وتهجيرٍ لا يتوقف يُفتَح المجال الجوي وأروقة المقر الدولي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعتلي المنصة متوشحاً بحصانةٍ أمريكية سابغة على الرغم من صدور مذكرة توقيف بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتصل بجرائم حرب وفي النواحي الأخرى من الخريطة تُشهر المذكرات القضائية ذاتها لفرض عزلةٍ قاطعة على قادة آخرين كفلاديمير بوتين، تحت يافطة الالتزام بميثاق روما
هذه الاستثنائية ليست هفوةً إجرائية بل هي الفلسفة الحاكمة للمنظومة العدالة مقولةٌ يُلجَأ إليها لترهيب الخصوم وتُعطَّل تماماً حين تمسّ الحلفاء
ولا يقف الأمر عند حدود ازدواجية القضاء بل يتعداه إلى استغلال الجغرافيا ، فالولايات المتحدة، بصفتها دولة المقر لم تتورع عن تحويل التزاماتها الدولية الناشئة عن اتفاقية 1947 إلى سلاح سياسي مباشر حيث حُرِم الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات الدخول للمشاركة المباشرة في أعمال الجمعية العامة لعامين متتاليين وهكذا، بلمسة قلمٍ في واشنطن تُشلّ إرادة أكثر من 150 دولة صوتت لصالح الحق الفلسطيني ويُختزل المحفل الأممي إلى مساحةٍ تُدار بشرط السيادة الأمريكية المطلقة
سقوط سايكس بيكو و غياب المشروع
لتفكيك هذه اللحظة لا بد من العودة بالذاكرة قرناً إلى الوراء ففي عام 1916 حين خطّ مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو بالقلم الأحمر والأسود خرائط المشرق العربي لم يكتفيا بتوزيع تركة الرجل المريض بل هندسا جغرافيا وظيفية تُبقي المنطقة حالةً مستمرة من التجزئة والارتهان
اليوم تحترق هذه الخطوط التي حُرِست لعقود. الصواريخ العابرة للحدود والطائرات المسيرة وحروب الوكالة بين التحالف الأمريكي - الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى ألغت فعلياً حدود سايكس بيكو ، لكن هذا الزوال لم يأتِ لصالح دولة المواطنة والمؤسسات الوطنية بل لصالح فراغٍ جيوسياسي مرعب تُعيد رسمه المدافع وآلات الحرب
وفي وسط هذه المعمعة يتبدى الفراغ العربي والإسلامي بأوضح صوره المنظمات الإقليمية الكبرى كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تحولت إلى هيئاتٍ لتدبيج بيانات الشجب والاستنكار، عاجزةً عن تحويل الثقل الديمغرافي والجغرافي والاقتصادي لـ 57 دولة إلى ورقة ضغطٍ واحدة ، لقد تُركت المنطقة لقمةً سائغة بين مشروع هيمنةٍ إسرائيلي - أمريكي لا يرعى إلاً ولا ذمة، ومواجهةٍ إقليمية تُدار أوراقها خارج الإرادة العربية
في انتظار الفجر الذاتي
لقد أثبتت التطورات الجارية أن الشكوى لمؤسسات العدالة الدولية ليست سوى الحرثِ في البحر لم تعد الأمم متحدة ولا كانت كذلك يوماً إلا بقدر ما سمحت به موازين القوة فالقانون الدولي لم يكن سوى ظاهرةٍ صوتية تحمي القوي وتترك الضعيف لمصيره
إن الدرس القاسي الذي تسكبه الأحداث في وعينا المعاصر هو أن الحقوق لا تُستجدى على منابر نيويورك ولا تُصان بالترجي في أروقة مجلس الأمن. إن تجاوز حالة الانكشاف التاريخي لن يكون إلا بإعادة امتلاك الذات وبناء عناصر القوة الذاتية التي تجعل للموقف العربي والإسلامي وزناً يُحسب له حساب فالعالم اليوم كما كان دوماً لا يستمع للضحايا ... بل يحترم الأقوياء
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
-------------------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان و كاتب فلسطيني






