لم تعد أزمة الثقة بين المواطن وبعض أشكال الخطاب الحكومي مرتبطة فقط بما يقال في المؤتمرات والفعاليات الرسمية، وإنما بما يحدث بعد انتهاء التصفيق وإغلاق الكاميرات. فالمواطن الذي يسمع عشرات الوعود والتوصيات والقرارات يريد في النهاية أن يرى أثراً ملموساً لها في حياته اليومية: خدمة أفضل، مشكلة حُلّت، سعر انخفض، فرصة عمل توفرت، أو شكوى جرى التعامل معها بجدية.
ومن هنا يمكن فهم حالة الشك التي تتعامل بها قطاعات من الجمهور مع ما يمكن وصفه بـ«المؤتمرات سابقة التجهيز»، سواء كانت مؤتمرات للشباب، أو مؤتمرات لاستعراض الإنجازات، أو فعاليات إعلامية وحوارية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل ما يطرح داخل هذه المؤتمرات غير حقيقي أو أن جميع توصياتها لا تنفذ؛ فالسجل الرسمي نفسه يتضمن مؤتمرات خرجت بتوصيات محددة، مثل مؤتمرات الشباب، وتضمنت تكليفات للحكومة بمتابعة التنفيذ ورفع تقارير بشأنها.
لكن المشكلة الأساسية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن المؤتمر أصبح هدفاً في حد ذاته، لا وسيلة للوصول إلى نتيجة. فحين تكون الأسئلة معروفة مسبقاً، والمشاركون محدودزن في دوائر بعينها، والنتائج مصاغة قبل بدء النقاش، يتحول الحوار من مساحة لاكتشاف المشكلات إلى مساحة لإعادة تقديم الرسائل الرسمية. ومع تكرار ذلك، تتسع الفجوة بين الصورة التي تقدمها الدولة عن الواقع وبين التجربة اليومية للمواطن.
وتزداد هذه الفجوة عندما تركز المؤتمرات على الإعلان عن الإنجازات دون تقديم بيانات واضحة تسمح للجمهور بفهم حجم الإنجاز وتكلفته ومردوده. المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة عدد المشروعات التي افتتحت، بل يريد أن يعرف: ماذا تغير في حياته؟ وما الذي لم يتغير؟ ولماذا؟ ومتى يمكن أن يتغير؟
وهنا تظهر أهمية مبدأ بسيط: المؤتمر ليس إنجازاً، وإنما الإنجاز هو ما يحدث بعد المؤتمر.
حتى المؤتمرات التي تحمل أهدافاً حقيقية يمكن أن تفقد تأثيرها إذا لم تكن هناك آلية معلنة لمتابعة التوصيات. وقد تضمنت بعض مؤتمرات الشباب السابقة بالفعل تكليفات للحكومة ببحث التوصيات وإعداد تقارير بشأنها، وهو نموذج يمكن تطويره بدلاً من الاكتفاء بإعلان التوصيات في ختام كل فعالية.
أما في المجال الإعلامي، فإن التحدي أكثر حساسية، لأن الإعلام هو الوسيط الذي تنتقل من خلاله الرسالة الحكومية إلى الجمهور. وقد شهد عام 2026 تحركات رسمية لإعداد مؤتمر سنوي للإعلام المصري، مع حديث حكومي عن تحويل توصيات تطوير الإعلام إلى خطة عمل تنفيذية، وعن أهمية الرد على شواغل الرأي العام بقدر أكبر من الصراحة والمكاشفة.
وهذا يفتح الباب أمام الحل الحقيقي لأزمة الثقة: الانتقال من مؤتمرات الإعلان إلى مؤتمرات المساءلة.
فبدلاً من أن ينتهي المؤتمر بمجموعة من التوصيات، يجب أن تبدأ بعده عملية متابعة علنية. لكل توصية رقم محدد، وجهة مسؤولة، وموعد تنفيذ، ومؤشر لقياس النجاح، مع نشر تقرير دوري يوضح ما تم وما لم يتم وأسباب التعثر. وإذا كان هناك قرار لم ينفذ، فمن الأفضل أن تعلن الحكومة ذلك صراحة بدلاً من ترك المواطن يستنتج أن التوصيات مجرد عبارات للاستهلاك الإعلامي.
كذلك يجب توسيع دائرة المشاركين. فالمؤتمر الذي يتحدث عن مشكلة التعليم، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يقتصر على المسؤولين والخبراء، وإنما يحتاج إلى الاستماع إلى المدرس والطالب وولي الأمر، وإلى عرض البيانات والشكاوى الفعلية من الميدان. والمؤتمر الاقتصادي يحتاج إلى سماع أصحاب المشروعات والعمال والمستهلكين، لا الاكتفاء بالخطاب الرسمي.
والأهم هو أن تكون هناك مساحة حقيقية للأسئلة الصعبة. فالثقة لا تُبنى عندما يسمع المواطن الإجابات التي يحبها، وإنما عندما يجد أن الأسئلة التي تؤرقه مطروحة على الطاولة، حتى لو كانت الإجابة: «لا نملك الحل الآن»، أو «أخطأنا»، أو «تأخر التنفيذ».
الحل إذن ليس إلغاء المؤتمرات، وإنما تغيير وظيفتها. يمكن أن تظل مؤتمرات الشباب مساحة للمشاركة، ومؤتمرات الإنجازات وسيلة لعرض نتائج السياسات العامة، والمؤتمرات الإعلامية منصة لمناقشة أوضاع المهنة والإعلام. لكن القيمة الحقيقية لكل ذلك يجب أن تقاس بما ينتج عنه خارج قاعة المؤتمر.
إن استعادة الثقة لا تحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الشفافية، والمعلومات، والمساءلة، والمتابعة، والاعتراف بالقصور. وحين يرى المواطن أن ما قيل في المؤتمر يمكنه تتبعه بعد شهر وستة أشهر وعام، وأن المسؤول يمكن مساءلته عن وعده وموعد تنفيذه، سيتغير معنى المؤتمر في وعي الناس.
في النهاية، المواطن لا يعادي الحوار، ولا يرفض أن تستمع إليه الدولة، ولا يرفض عرض الإنجازات. لكنه يريد أن يشعر أن صوته يصل إلى مكان ما، وأن الكلمات التي يسمعها تتحول إلى أفعال. وبين مؤتمر ينتهي بانتهاء البث المباشر، ومؤتمر يبدأ أثره الحقيقي في اليوم التالي، تتحدد المسافة بين الدعاية والثقة، وبين الصورة والواقع.
الثقة لا تُطلب من المواطن؛ بل تُبنى معه، خطوة بعد خطوة، وقراراً بعد قرار، ونتيجة يمكنه أن يراها بنفسه.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






