ليست وظيفة القصة القصيرة أن تحكي ما حدث، وإنما أن تكشف ما ظل مختبئًا وراءه، والأدب فيبدأ حين يلتفت الكاتب إلى ما قد لا يراه غيره: إلى الرجفة التي سبقت الكلمة، والصمت الذي أعقبها، والذكرى التي تظل تتحكم في الحاضر بعد أن يظن الإنسان أنه تجاوزها.
لذلك كانت القصة القصيرة، في أرقى تجلياتها، فنًّا للخفاء أكثر منها فنًّا للظهور، وفنًّا لما يجري داخل الإنسان قبل أن تكون تسجيلًا لما يجري حوله.
ومن هنا نكتشف دلالة عنوان مجموعة حسام المقدم «ما يشبه الظل»، فالظل ليس نقيض الضوء، بل أثره، وما تفعله هذه المجموعة هو أنها تنقل مركز الثقل من الوقائع إلى ظلالها، ومن الأفعال إلى دوافعها، ومن العالم الخارجي إلى طبقاته النفسية والوجدانية.
يتخذ حسام المقدم مادته الحقيقية من الإنسان العادي، وهو يعيش أيامه المألوفة: موظف يركب الحافلة كل صباح، ومغترب يقضي سنواته بين الصحراء والعمل، وطفل يكتشف العالم بعينيه المندهشتين، ورجل يعود إلى ذاكرة بعيدة، أو آخر يقف أمام رغباته ومخاوفه عاجزًا عن تفسيرها. وهذه الشخصيات، على عاديتها، تحمل في داخلها عوالم كاملة، يسعى المبدع إلى اكتشافها.
ولعل ما يمنح هذه المجموعة تميزها أنها تقدم القلق باعتباره طريقة في النظر إلى العالم. فالقلق هنا هو الحالة التي ترى من خلالها الشخصيات الواقع كله. ولهذا تبدو الأشياء البسيطة أكبر من حجمها، وتتحول التفاصيل اليومية إلى أسئلة وجودية، وتصبح الذاكرة أكثر حضورًا من اللحظة الراهنة، ويغدو الخيال امتدادًا طبيعيًا للواقع وليس انفصالًا عنه.
ومن هنا يمكن قراءة قصص المجموعة بوصفها رحلة لاكتشاف «الظل» الكامن في الإنسان؛ ذلك الظل الذي يتشكل من الرغبات المؤجلة، والذكريات البعيدة، والهواجس، والأحلام، وكل ما لا يظهر على السطح، لكنه يوجه الحياة من الأعماق. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه المجموعة؛ إذ لا تكتفي بأن تروي حكايات متنوعة، وإنما يبني الكاتب، عبر قصصها، تصورًا متماسكًا للإنسان بوصفه كائنًا لا يعيش في الواقع وحده، بل يعيش أيضًا في ظله.
ومن يقرأ قصص «ما يشبه الظل» قراءة سريعة قد يظن أنه أمام عالم مألوف: موظفون، مغتربون، أطفال، شوارع، مقاهٍ، حافلات، وبيوت عادية. لكن هذا الانطباع لا يلبث أن يتبدد؛ لأن حسام المقدم ينطلق من الواقع إلى منطقة أخرى أكثر عمقًا. فالحدث عنده ليس سوى القشرة الخارجية، أما جوهر القصة فيوجد دائمًا في ذلك الشيء الذي لا تراه العين مباشرة، لكنه يفسر كل ما يحدث.
تتجلى هذه الرؤية بوضوح في قصة «شرارة سوداء»، وهي من أكثر نصوص المجموعة إحكامًا على المستوى النفسي. فالقصة تقوم على شعور غامض بالنفور من شخص يلتقيه الراوي كل صباح في الحافلة. خمسة عشر عامًا من الرحلات اليومية، ومع ذلك لا يستطيع الراوي أن يفسر لنفسه سبب ذلك التوتر الذي يستيقظ داخله كلما لمح وجه «علاء». يقول: "أجلس على نار في انتظار أن تكتمل الكراسي... أحمل همًّا: أن أرى علاء جالسًا بينهم".
لا تشرح القصة أسباب الكراهية، وتتركها معلقة، لأن غموضها هو موضوع القصة نفسه. إن الإنسان لا يعرف نفسه بالقدر الذي يتخيله، وكثيرًا ما تتحكم فيه انفعالات لا يستطيع تفسيرها. وهكذا تتحول رحلة يومية قصيرة إلى رحلة داخل النفس البشرية.
ومن هذا المنظور يمكن فهم كثير من قصص المجموعة. فالكاتب يعرف أن الحياة لا تتغير دائمًا بالأحداث الكبرى، وإنما بالتحولات الصامتة التي تقع داخل الإنسان. لهذا تصبح النظرة العابرة، أو الصمت الطويل، أو الانتظار، أو مجرد وجود شخص في المكان، أكثر تأثيرًا من الوقائع الصاخبة.
وتتسع هذه الرؤية على مستوى آخر في قصة «أوقات للعظام»، حيث يغادر الكاتب حدود الواقعية المباشرة إلى فضاء رمزي واسع. تبدأ القصة بمشهد مأساوي مألوف في أوقات الحروب؛ مقبرة يتم قصفها فتتناثر العظام، وتتحول إلى شخصيات تبحث عن مكانها، وتتحدث، وتستعيد حقها في الدفن.
قد يبدو المشهد فانتازيًا، لكنه في الحقيقة شديد الواقعية من حيث دلالته. فالعظام هنا ليست موضوع القصة، وإنما الإنسان الذي حُرم حتى من حقه في أن يستقر في قبره. ولهذا تقول القصة: "قضية عودة العظام إلى قبورها لا تقل قيمة ولا معنى عن عودة اللاجئين إلى أرضهم". هنا تصبح العظام استعارة للمنفيين، والقبور رمزًا للوطن، والبحث عن مكان للدفن صورة للبحث عن الانتماء.
وهذا ما يمنح الفانتازيا في هذه المجموعة مشروعيتها الفنية. فهي لا تنقل القارئ إلى عالم غرائبي منفصل، بل تعيده إلى الواقع نفسه بعد أن تجرده من ألفته. فجماجم تطير في السماء أو عظام تعود إلى قبورها ليست صورًا هدفها الإدهاش، وإنما وسائل تجعلنا نرى المأساة الإنسانية من زاوية جديدة، أكثر قدرة على إيقاظ الحس الأخلاقي والجمالي معًا.
وتكمن براعة القاص في أن يكشف الاستثنائي الكامن داخل أكثر الوقائع اعتيادية. وهذه واحدة من أهم سمات مجموعة «ما يشبه الظل». فحسام المقدم لا يصنع الدهشة من غرابة الحدث، بل من طريقة النظر إليه. ولذلك كثيرًا ما تبدأ قصصه من تفاصيل قد تمر على أي إنسان دون أن يتوقف عندها، ثم تتحول، عبر السرد، إلى نافذة تطل على أسئلة النفس والوجود. غير أن الكاتب يحرر هذه التفاصيل من عاديتها، ويجعلها قابلة للكشف عن طبقات أعمق من التجربة الإنسانية.
وتمثل قصة «صوت أبيض» نموذجًا واضحًا لهذه التقنية. فالقصة لا تقوم على حدث درامي بالمعنى التقليدي؛ إنها تبدأ من رحلة لمغتربين، ومن استراحة على طريق الحج، ومن انتظار يمتد بين السفر والعمل. لكن هذه الوقائع ليست سوى السطح الذي يخفي تحته سؤالًا أكبر: كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته وسط الاغتراب والرتابة؟
يصف الكاتب المكان بوصفه فضاءً عابرًا، يمر به آلاف الناس ثم ينسونه، لكنه يجعل منه عالمًا نابضًا بالحياة، تمتلئ ممراته بوجوه قادمة وأخرى راحلة، وبأحاديث قصيرة، وبألفة تنشأ ثم تتبدد بسرعة. يقول عن الشخصيتين إنهما كانتا تؤخران الوصول إلى مدينة العمل، وتفضلان السفر البري الطويل "ليؤخرا قليلًا ما ينتظرهما في هذا البلد".
وتتجلى هذه النزعة أيضًا في قصة «غبار قوس قزح». فالحكاية تبدأ بلقاء عابر: "اتصلت وقالت إنها أسفل العمارة، ومعها الكتاب الذي أريده". ينشغل السرد بما يستدعيه اللقاء من مشاعر وذكريات، فالحدث الحقيقي لا يقع في الشارع ولا على سلم العمارة، بل في المسافة النفسية بين الشخصين، وهكذا تتحول التفاصيل اليومية إلى ما يشبه "مفاتيح الذاكرة". فالمكان يستدعي الزمن. والرائحة تستدعي حياة كاملة. والوجه العابر سلسلة متصلة من الخبرات والانفعالات التي ظلت كامنة حتى أيقظها حضوره.
وأخيرًا، تقدم مجموعة «ما يشبه الظل» تجربة قصصية ناضجة تؤكد أن حسام المقدم يستخدم القصة وسيلة لاستكشاف المناطق الخفية في النفس والواقع معًا؛ ولهذا فإن «ما يشبه الظل» ليست مجموعة عن الظلال بقدر ما هي محاولة لرؤية ما يختبئ داخلها؛ ذلك الجزء الخفي من الإنسان الذي يظل يرافقه أينما ذهب، ويمنحه في الوقت نفسه أعمق أسئلته وأكثرها إلحاحًا.
-----------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت






