أكد الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان أن قياس مؤشرات الأداء الصحي لا يقتصر على رصد الملفات التي شهدت تحسنًا، وإنما يشمل أيضًا تحديد المؤشرات التي لم تحقق التقدم المأمول، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من عمل الاستراتيجية الوطنية للصحة، موضحًا أن بعض الملفات تحتاج إلى تدخلات أكثر قوة خلال السنوات المقبلة.
وأشار وزير الصحة والسكان خلال لقائه الصحفيين والإعلاميين اليوم إلى أن هناك عددًا من المؤشرات الصحية التي لا تزال تمثل تحديًا، من بينها بعض مؤشرات الأمراض المعدية وصحة الطفولة، إلى جانب الأنيميا وتنظيم الأسرة ووفيات الأطفال، مؤكدًا أن التعامل مع هذه الملفات يحتاج إلى تدخلات متكاملة، لأن المؤشرات الصحية يرتبط بعضها ببعض.
وأوضح أن معدل وفيات حديثي الولادة لا يزال يمثل تحديًا، حيث يبلغ نحو 18 حالة لكل ألف مولود، كما أن معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة تحتاج إلى مزيد من التحسن، لافتًا إلى أن هذه المؤشرات تتأثر بعدد من العوامل الصحية والاجتماعية، من بينها أنماط الولادة والرعاية المقدمة للأم والطفل
وأشار إلى أن ارتفاع معدلات الولادة القيصرية في مصر يمثل أحد الملفات التي تحتاج إلى تدخل قوي، خاصة في ظل وصول معدلات الولادة القيصرية إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالمعدلات العالمية. وأوضح أن مصر تشهد نحو مليوني ولادة سنويًا تقريبًا، وهو ما يجعل التعامل مع معدلات الولادة القيصرية قضية صحية ومجتمعية واسعة التأثير، مؤكدًا أن الأمر لا يرتبط فقط بالمؤسسات الطبية، وإنما يحتاج إلى تغيير في ثقافة المجتمع نفسه.
وشدد على ضرورة أن يبدأ التعامل مع الملف من الأسرة والفتاة المقبلة على الزواج، مرورًا بالتوعية أثناء الحمل، مع تعزيز الرقابة على الممارسات الطبية والتزام القطاع الخاص بالضوابط والمعايير الطبية المعتمدة، بما يضمن ألا يتم اللجوء إلى الولادة القيصرية إلا وفق الاحتياج الطبي. وأكد أن الوزارة تعمل بقوة على هذا الملف، باعتباره قضية تحتاج إلى تضافر جهود الدولة والأطباء والأسرة والمجتمع، وليس مجرد قرار إداري يمكن التعامل معه بمعزل عن الثقافة الصحية للمواطنين.
وفيما يتعلق بمؤشرات التقزم لدى الأطفال، أوضح أن بعض المؤشرات شهدت تحسنًا في الفئات العمرية الأكبر، إلا أن التحدي يظل قائمًا لدى الأطفال الأصغر سنًا، خاصة أن بعض البيانات المتاحة ترتبط بالفئات التي يمكن قياسها ومتابعتها بصورة منتظمة بعد دخول المدرسة.
وأشار إلى أن التقزم لا يرتبط بالمظهر الخارجي فقط، وإنما يعكس مشكلة في النمو قد يكون لها تأثير على القدرات الإدراكية والتحصيل الدراسي والنمو العام للطفل، موضحًا أن سوء التغذية في السنوات الأولى من عمر الطفل يمكن أن يترك آثارًا تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته. وأكد أن التعامل مع التقزم يتطلب التدخل مبكرًا، قبل وصول الطفل إلى سن المدرسة، من خلال متابعة النمو والتغذية والكشف المبكر، بما يتيح اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى تدخل في الوقت المناسب.
وشدد على أن الاهتمام بصحة الشباب يجب أن يبدأ في سن مبكرة، مؤكدًا أن عدم اكتشاف المشكلات الصحية والتغذوية مبكرًا قد ينعكس على قدرات الفرد وصحته ومستوى تحصيله وإنتاجيته في المستقبل. وأوضح أن تحسين الخصائص السكانية لا يرتبط فقط بعدد السكان، وإنما بمدى تمتع الأجيال الجديدة بصحة جيدة وقدرتها على التعلم والعمل والإنتاج، وهو ما يجعل الاستثمار في صحة الأطفال والشباب جزءًا أساسيًا من الاستثمار في مستقبل الدولة
واستعرض الدكتور تجربة مصر في مواجهة التهاب الكبد الفيروسي «سي»، باعتبارها نموذجًا على إمكانية تغيير المؤشرات الصحية بصورة جذرية من خلال العمل المستمر وتراكم الجهود. وأوضح أن مصر كانت تعاني في فترات سابقة من معدلات مرتفعة من الإصابة بالفيروس، وكانت المشكلة تمثل عبئًا صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا على الدولة والأسر، خاصة مع تطور المرض لدى بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة في الكبد.
وأشار إلى أن الوصول إلى إعلان خلو مصر من الفيروس لم يكن نتيجة مبادرة قصيرة المدى، وإنما جاء نتيجة تراكم جهود استمرت لأكثر من 15 عامًا، شاركت فيها مؤسسات الدولة والقطاع الصحي والجهات المعنية بالكشف والمسح والعلاج.
وأكد أن تجربة القضاء على «فيروس سي» تمثل نموذجًا على أهمية استمرار العمل الصحي وعدم التعامل مع المؤشرات بمعزل عن الزمن، موضحًا أن بناء منظومة صحية قادرة على تغيير المؤشرات الكبرى يحتاج إلى بيانات دقيقة، واستمرار في المتابعة، وتدخلات تستند إلى الأدلة، وقدرة على تقييم النتائج وتصحيح المسار.
وشدد على أن الهدف من الاستراتيجية الوطنية للصحة هو معرفة أين تقف الدولة بدقة، وما الذي تحقق، وما الذي لم يتحقق بعد، ثم توجيه الموارد والجهود إلى الملفات التي لا تزال تحتاج إلى تدخل، بما يضمن استمرار التحسن في المؤشرات الصحية وتحويل الإنجازات المتراكمة إلى نتائج مستدامة على مستوى صحة المواطن






