25 - 09 - 2026

مخرج جديد من مأزق نظام CRM في التأمينات الاجتماعية

مخرج جديد من مأزق نظام CRM في التأمينات الاجتماعية

بعد أن نشرتُ مقالي السابق حول اقتراح مخرج لأزمة نظام CRM في الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، والذي حظي باهتمام عدد من الصحف والمواقع، تواصل معي أحد قيادات الحاسب ونظم المعلومات والبرمجة ممن لهم خبرة طويلة بالعمل داخل الهيئة، وطرح رؤية فنية مختلفة تستحق أن توضع أمام صانع القرار، ليس باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وإنما باعتبارها رؤية متخصصة تحتاج إلى الدراسة والتحقق والاختبار.

أولًا: المشكلة ليست في البرنامج وحده

يرى صاحب هذه الرؤية أن نظام CRM صُمم على أساس تحقيق درجة عالية من التكامل الإلكتروني بين التأمينات والوزارات والمصالح والجهات الأخرى ذات الصلة، بحيث تحصل الهيئة على البيانات بصورة مباشرة ودقيقة وسريعة، وهو ما كان يمكن أن يحقق فوائد كبيرة للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات والهيئة معًا.

لكن عدم اكتمال التعاون الإلكتروني مع بعض الجهات وعدم توقيع بروتوكولات تبادل البيانات معها، وفقًا لهذه الرؤية، أفقد النظام جزءًا مهمًا من المزايا التي كان يفترض أن يقوم عليها.

ومن هنا فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح البرمجيات، وإنما يجب أن تشمل إعادة بناء منظومة تبادل البيانات والتكامل المؤسسي بأكملها.

ثانيًا: مدير المشروع يجب أن يفهم التأمينات والبرمجة معًا

من أخطر ما طرحه هذا القيادي، من وجهة نظره، عدم وجود مدير مشروع يجمع بين المعرفة الفنية العميقة بنظم المعلومات والمعرفة العملية بقواعد التأمينات الاجتماعية والمعاشات.

وهذه نقطة جوهرية؛ لأن مشروعًا بحجم نظام التأمينات لا يكفي فيه أن يكون مدير المشروع خبيرًا في البرمجة وحدها.

نحن أمام منظومة تضم الاشتراكات، ومدد التأمين، والأجور، والمعاشات، والعجز، والوفاة، والمستحقين، والتسويات، والسيارات والمقاولات والعمالة غير المنتظمة والعاملين بالخارج والمنافع المختلفة، فضلًا عن ملايين الملفات التاريخية التي تراكمت عبر عقود.

لذلك نحتاج إلى مدير مشروع من داخل الهيئة أو خارجها، لكنه يفهم التأمينات فهمًا موضوعيًا وفنيًا، ويستطيع في الوقت نفسه الحوار مع الشركة المنفذة والمبرمجين بلغة تقنية واضحة.

ثالثًا: الخبرة البشرية لا تقل أهمية عن البرنامج

يشير المصدر إلى أن من مشكلات المشروع عدم توافر العدد الكافي من الكوادر التي تجمع بين خبرة التأمينات وخبرة التكنولوجيا الحديثة، وأن تغير المبرمجين وانتقال بعضهم إلى شركات أخرى بسبب فروق الأجور قد يؤدي إلى فقدان المعرفة المتراكمة بالمشروع.

وإذا صح ذلك، فالحل ليس فقط في زيادة عدد المبرمجين، وإنما في إنشاء نواة ثابتة من الكفاءات داخل الهيئة، تحتفظ بالمعرفة الفنية والتأمينية للمشروع، حتى لا تبدأ عملية شرح نظام التأمينات من جديد كلما تغير أحد أعضاء فريق التنفيذ.

وهنا يمكن الاستعانة بشركات عالمية ذات خبرة في الأنظمة الحرجة، ومن بينها IBM، أو غيرها، ولكن بعد تقييم فني ومالي مستقل وشفاف، وليس لمجرد اسم الشركة.

رابعًا: البنية التحتية والاتصالات جزء من الحل

أي نظام إلكتروني مهما بلغت جودة برمجياته يحتاج إلى بنية تحتية واتصالات قادرة على تحمّل الأحمال الفعلية.

ولذلك يجب إجراء اختبار مستقل للشبكات والخوادم وسرعات الاتصال وأحجام الاستخدام في أوقات الذروة، وتحديد ما إذا كان أي بطء أو انقطاع ناتجًا عن البرمجيات أم عن البنية التحتية أم عن الاثنين معًا.

ولا يجوز أن يظل المواطن أو الموظف هو من يدفع ثمن عدم معرفة مصدر المشكلة.

خامسًا: أزمة البيانات أخطر من أزمة البرنامج

من أهم النقاط التي أثارها القيادي المتخصص قضية دمج البيانات التاريخية لصندوقي التأمين الحكومي والعام والخاص وما قد يكون بينها من تداخل أو ازدواج أو اختلاف في صيغ البيانات.

وهنا أقترح إنشاء مشروع مستقل لـ تنقية البيانات Data Cleansing بالتوازي مع تشغيل CRM، يتضمن:

اكتشاف البيانات المكررة والمتعارضة.

توحيد الرقم التأميني وبيانات المؤمن عليه.

مراجعة مدد الاشتراك والأجور.

مطابقة بيانات أصحاب المعاشات والمستحقين.

اكتشاف الملفات التي تحتاج إلى مراجعة بشرية.

وضع مؤشرات لقياس جودة البيانات قبل وبعد التنقية.

فالنظام الإلكتروني القوي إذا كانت البيانات التي يعتمد عليها غير دقيقة، لن ينتج إلا نتائج إلكترونية سريعة لكنها قد تكون خاطئة.

سادسًا: لا عودة إلى الماضي... ولكن لا استمرار أعمى في الحاضر

هناك من يرى أن الحل هو العودة إلى النظام القديم.

لكن الرؤية التي وصلتني ترى أن العودة الكاملة أصبحت شديدة الصعوبة بعد انتقال أجزاء كبيرة من العمل إلى النظام الجديد.

وأنا أميل إلى صياغة الأمر بصورة أكثر عملية:

لا نعود إلى النظام القديم، ولا نستمر في النظام الجديد كما هو.

بل نتعامل مع CRM باعتباره منظومة انتقالية تحتاج إلى إعادة هندسة واختبار وإصلاح تدريجي، مع الإبقاء على الأنظمة القديمة التي لا يزال وجودها ضروريًا إلى أن يتم التأكد من أن البديل يؤدي وظائفها بكفاءة وأمان.

والقاعدة الذهبية هنا هي:

لا يتم إيقاف أي نظام قديم أو وظيفة أساسية إلا بعد إثبات قدرة البديل عليها في اختبارات فعلية ومتكررة.

سابعًا: هل يمكن أن يكون Oracle جزءًا من الحل؟

طرحت الرؤية أيضًا الاستفادة من تقنيات Oracle في إدارة قواعد البيانات والبنية الجديدة.

وهنا يجب التمييز فنيًا بين أمرين: CRM هو نظام وتطبيق لإدارة العمليات والخدمات، بينما Oracle توفر تقنيات لقواعد البيانات وإدارة البيانات والبنية المؤسسية. ولذلك فإن استخدام Oracle لا يعني ببساطة "استبدال CRM بـ Oracle".

لكن يمكن دراسة بناء بنية بيانات مؤسسية أكثر قوة ومرونة باستخدام تقنيات Oracle أو غيرها، إذا أثبتت الاختبارات أنها الأنسب من حيث الأداء والأمان وقابلية التوسع والتكلفة.

وتشير وثائق Oracle الرسمية إلى أن قواعد بياناتها مصممة للتعامل مع أحجام كبيرة من البيانات، وتوفر إمكانات للتوسع والمعالجة المتوازية، كما توفر معماريات للتوافر العالي وتوزيع البيانات.

وهذا يجعل Oracle أحد البدائل التي تستحق الدراسة الفنية، وليس حكمًا مسبقًا بأنها الحل الوحيد.

ثامنًا: الحل في رأيي يبدأ بلجنة إنقاذ فنية مستقلة

أقترح تشكيل لجنة عليا لإدارة أزمة التحول الرقمي في التأمينات، تضم:

خبراء تأمينات ومعاشات من أصحاب الخبرة العملية.

خبراء قواعد بيانات وبنية تحتية.

خبراء أمن معلومات.

خبراء في إدارة المشروعات الرقمية الكبرى.

ممثلين عن الشركة المنفذة.

خبراء مستقلين لا علاقة لهم بالتعاقدات الحالية.

ممثلين عن المستخدمين الفعليين للنظام في الفروع والمناطق.

وتكون مهمتها الأولى تشخيص المشكلة بالأرقام وليس بالانطباعات.

تاسعًا: نحتاج إلى "اختبار قبول" حقيقي للنظام

لا يكفي أن تقول الشركة إن النظام يعمل، ولا يكفي أن تقول الهيئة إن نسبة كبيرة من المشكلات تم حلها.

المطلوب هو اختبار عملي يشمل عينة واسعة من العمليات، مع قياس:

السرعة – الدقة – الاستقرار – قدرة التحمل – صحة البيانات – التكامل مع الجهات الأخرى – سهولة الاستخدام – أمن المعلومات – إمكانية استعادة الخدمة عند حدوث عطل.

ويجب أن تتم هذه الاختبارات في ظروف تشغيل حقيقية، وبأحمال تماثل الاستخدام الفعلي.

عاشرًا: المواطن هو معيار النجاح

في النهاية لا ينبغي أن نقيس نجاح CRM بعدد الشاشات التي تم تشغيلها أو الخدمات التي تمت رقمنتها، وإنما بالسؤال البسيط:

هل أصبح المواطن يحصل على خدمته بصورة أسرع وأسهل وأكثر دقة وأمانًا؟

وهل أصبح الموظف قادرًا على أداء عمله دون تعطيل؟

وهل أصبحت الهيئة قادرة على حماية أموال التأمينات وضمان سلامة بيانات المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن على الطريق الصحيح.

أما إذا ظلت المشكلات قائمة، فيجب أن تكون لدينا الشجاعة المهنية لإعادة النظر في التصميم والتنفيذ والكوادر والبنية التحتية، دون البحث عن شماعة نعلق عليها المسؤولية.

وأخيرًا

هذه الرؤية التي نقلتها ليست اتهامًا لأحد، ولا دفاعًا عن نظام بعينه، وإنما هي اجتهاد فني من أحد المتخصصين في الحاسب ونظم المعلومات داخل منظومة التأمينات، أضعه بأمانة أمام من بيدهم القرار.

وأرى أن المخرج الحقيقي من مأزق CRM ليس في البحث عن انتصار للنظام القديم أو الجديد، ولا في الدفاع عن شركة أو مهاجمتها، وإنما في إنقاذ منظومة التأمينات نفسها.

فالهيئة تدير واحدة من أهم قواعد البيانات الحكومية وأكثرها حساسية، وبياناتها ترتبط بحقوق ملايين المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات والمستحقين.

ولذلك فإن القرار الصحيح يجب أن يكون:

إصلاحًا علميًا موثقًا، واختبارات مستقلة، وتنقية للبيانات، وكوادر مؤهلة، ومدير مشروع يفهم التأمينات والتكنولوجيا، وبنية تحتية قوية، وخطة انتقال تدريجية لا تعرض حقوق المواطنين للخطر.

إنقاذ النظام ليس ترفًا تقنيًا؛

إنه حماية لحقوق الناس وأموال التأمينات.
--------------------------------
بقلم: 
كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات


مقالات اخرى للكاتب

مكامير الفحم في القليوبية.. من مشكلة بيئية إلى صناعة صديقة للبيئة | مقترح إلى وزارة البيئة ومحافظة القليوبية