ليست الكتابة فعلًا لغويًا محضًا، كما أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات، والتنوير ليس مجرد شعار ثقافي يُستعاد كلما اشتدّ الالتباس في الواقع. خلف هذه المفاهيم الثلاثة تقف قضية أعمق تتصل بموقع الإنسان من العالم، وبقدرته على أن يفهم ما يجري حوله، وأن يحوّل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة على السؤال والمراجعة والنقد. ولعلّ الكتابة، في أحد أعمق معانيها، ليست سوى محاولة مستمرة لاستعادة هذه القدرة التي يهددها النسيان، ليس بوصفه فقدانًا للذاكرة فقط، وإنما بوصفه حالة ثقافية وحضارية يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن ربط الحاضر بما سبقه، وعن رؤية جذور الأسئلة التي يواجهها، وعن استخلاص المعنى من التجارب التي عبرت أمامه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن يقلّ عدد الكتب، وإنما أن تفقد الكتابة قدرتها على إنتاج الأسئلة. فالكتاب الذي لا يفتح نافذة على سؤال جديد قد يظل حاملًا للمعلومات، لكنه لا يساهم بالضرورة في بناء معرفة حيّة. وكذلك الثقافة التي تنشغل بتكرار ما هو معروف، من دون مساءلة أو مراجعة، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة جامدة، تحفظ الكلمات، لكنها تفقد القدرة على مساءلة الواقع.
تكتسب الكتابة قيمتها بوصفها فعلًا معرفيًا ونقديًا. فالكاتب لا يملك الماضي كي يعيد إنتاجه، ولا المستقبل كي يقدمه في صورة يقين جاهز؛ إنه يقف في المسافة الحرجة بينهما، ويحاول أن يقرأ الحاضر من خلال ما يحمله من آثار الماضي وإمكانات المستقبل. وفي هذه المسافة بالذات تتقاطع الكتابة مع المعرفة والتنوير.
حين تتحول الكتابة من تسجيل العالم إلى مساءلته
هناك فرق عميق بين أن نكتب عن العالم وأن نحاول فهم العالم من خلال الكتابة. في الحالة الأولى قد تتحول الكتابة إلى تسجيل للأحداث والوقائع والانطباعات؛ أما في الحالة الثانية فإنها تصبح فعلًا نقديًا يضع الواقع أمام مرآة الأسئلة. وهذا التحول هو الذي يمنح الكتابة مشروعيتها الفكرية، لأن قيمة النص لا تكمن في كثرة ما يصفه، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يكشفه من علاقات خفية، وأن يعيد ترتيب عناصر المشهد بحيث يصبح ما كان مألوفًا قابلًا للتفكير من جديد.
الكتابة التي تستحق أن تبقى ليست بالضرورة الأكثر ضجيجًا، ولا الأكثر انتشارًا، وإنما تلك التي تضيف شيئًا إلى وعينا بالعالم. قد يكون هذا الشيء فكرة صغيرة، أو سؤالًا مؤجلًا، أو قراءة مختلفة لتجربة قديمة، أو اعتراضًا على يقين أصبح، من فرط تكراره، يبدو حقيقة نهائية. وفي كل هذه الحالات تتحول الكتابة من مجرد وسيلة للتعبير إلى ممارسة معرفية لها أثرها في تشكيل الوعي.
ولعلّ إحدى مشكلات الثقافة المعاصرة أنها تعيش في وفرة غير مسبوقة من الكلام، بينما تعاني في الوقت نفسه من نقص متزايد في التفكير. لقد أصبح إنتاج النصوص أسرع من القدرة على قراءتها، وتدفقت المعلومات إلى المجال العام بصورة جعلت الإنسان محاطًا بملايين المعطيات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح أكثر معرفة. فالمعلومة لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة، والمعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى وعي، والوعي نفسه لا يصبح نقديًا إلا حين يمتلك القدرة على المقارنة والتحليل والمراجعة.
هنا تظهر وظيفة الكاتب والمثقف في معناها الحقيقي. ليست وظيفته أن يضيف صوتًا جديدًا إلى الضجيج، بل أن يساعد على التمييز بين الصوت والضجيج، بين الخبر والمعرفة، بين المعلومة والحقيقة، وبين ما يستحق أن يُقال وما ينبغي أن يخضع أولًا للتفكير. وهذه الوظيفة تزداد أهمية كلما أصبحت اللحظة الراهنة أكثر سرعة، وأكثر قدرة على استهلاك الأحداث قبل أن تمنح الإنسان فرصة لفهمها.
إن زمن السرعة يهدد المعنى بقدر ما يهدد الذاكرة. فالحدث الذي يحتل واجهة المشهد اليوم قد يُزاح غدًا بحدث آخر، حتى تبدو الوقائع وكأنها لا تملك زمنًا كافيًا كي تستقر في الوعي. وفي مثل هذا المناخ تصبح الكتابة محاولة لإبطاء الزمن قليلًا، لا لإيقافه، وإنما لمنح الإنسان فرصة للتأمل في ما يعبر أمامه.
وهنا تحديدًا تتصل الكتابة بالمعرفة. فالكتابة لا تحفظ الحدث فحسب، وإنما تستطيع أن تمنحه سياقه، وأن تربطه بما سبقه وما قد يترتب عليه. إنها تحاول أن تمنع الحاضر من أن يتحول إلى لحظة معزولة، وأن تمنع الماضي من أن يتحول إلى أرشيف بلا حياة.
إنً الكاتب الذي يشتغل على راهنية اللحظة لا ينبغي أن يكون أسير اللحظة. مهمته أن يقرأ ما وراءها، و أن يرى في الحدث أكثر من سطحه المباشر، و يسأل عن البنية التي أنتجته، وعن الأفكار التي تحكمت فيه، وعن الدروس التي يمكن أن تخرج منه. فالراهنية، بهذا المعنى، ليست عبودية للحاضر، وإنما قدرة على قراءة الحاضر في ضوء الزمن.
المعرفة حين تستعيد ذاكرتها ويصبح السؤال بداية التنوير
إذا كانت الكتابة تحفظ أثر التجربة، فإن المعرفة تمنح هذا الأثر معنى. غير أن المعرفة نفسها يمكن أن تدخل دائرة النسيان حين تنفصل عن السؤال النقدي. فليست المشكلة دائمًا في غياب المعرفة، وإنما في غياب استخدامها بوصفها أداة للفهم والمراجعة. وقد يكون الإنسان محاطًا بالكتب والمعلومات والمراجع، لكنه يظل أسيرًا لأفكار جاهزة إذا لم يمتلك القدرة على مساءلتها.
لهذا لا يبدأ التنوير من الإجابة، وإنما من السؤال. السؤال هو اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن التعامل مع الأشياء بوصفها مسلّمات نهائية. إنه المسافة التي يصنعها الإنسان بينه وبين ما اعتاده، لكي يستطيع أن يراه من جديد. ومن دون هذه المسافة لا يمكن أن يكون هناك نقد، ومن دون النقد لا يمكن أن تتجدد المعرفة.
التنوير، في هذا المعنى، ليس زمنًا تاريخيًا انتهى، ولا مشروعًا اكتمل بمجرد ظهور أفكار فلسفية أو حركات إصلاحية في مرحلة معينة. إنه حاجة مستمرة ما دام الإنسان معرضًا لتحول المعرفة إلى دوغما، والثقافة إلى سلطة مغلقة، والذاكرة إلى رواية انتقائية. وكل مجتمع يحتاج إلى أن يعيد مساءلة مسلّماته، لا لأن كل ما ورثه خاطئ، وإنما لأن الموروث نفسه لا يصبح حيًا إلا حين يدخل في علاقة نقدية مع الحاضر.
من هنا يصبح التعامل مع التراث قضية فكربة معرفية لا قضية تقديس أو رفض شامل. فالتراث ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة. داخله العقل والنقد والاجتهاد، كما داخله الجمود، وفيه أسئلة تجاوزت زمنها وأسئلة انتهت صلاحيتها، وفيه ما يمكن أن يضيء الحاضر وما يحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية. والتنوير لا يكون بقطع الصلة بالماضي، كما لا يكون بتحويل الماضي إلى مرجعية مغلقة؛ وإنما بإقامة علاقة واعية معه، علاقة تسمح بالاستفادة والمراجعة في الوقت نفسه.
هنا تلتقي المعرفة بالذاكرة. فالمجتمع الذي ينسى تجاربه يفقد جزءًا من قدرته على فهم حاضره. والنسيان ليس دائمًا نتيجة لمرور الزمن؛ قد يكون أحيانًا نتيجة لطريقة انتقائية في بناء الذاكرة، أو نتيجة لهيمنة خطاب واحد، أو لتراجع السؤال النقدي. وعندما تصبح الذاكرة انتقائية، تصبح المعرفة بدورها ناقصة، لأن ما لا يدخل في الذاكرة العامة قد يفقد حقه في أن يكون موضوعًا للتفكير.
إن مقاومة النسيان لا تعني تحويل الماضي إلى متحف، وإنما إبقاء التجربة مفتوحة على القراءة. فالماضي لا يعود إلينا كما كان؛ نحن الذين نعود إليه بأسئلة جديدة. وكل جيل يعيد قراءة ما سبقه لأنه يواجه مشكلات مختلفة، ولأن المعرفة لا تتقدم بإغلاق الأسئلة، وإنما بإعادة صياغتها.
لهذا يمكن للكتابة أن تكون إحدى أدوات التنوير حين ترفض أن تكون مجرد تكرار لما قيل. فالكاتب الذي يعيد إنتاج الأفكار من دون مساءلتها قد يساهم، من حيث لا يريد، في تثبيت الجمود. أما الكاتب الذي يضع الفكرة في مواجهة الواقع، والواقع في مواجهة السؤال، فإنه يفتح إمكانًا جديدًا للتفكير.
ولا يعني ذلك أن مهمة الكاتب هي تقديم حلول نهائية. ربما تكون القيمة الأعمق للكتابة في قدرتها على جعل السؤال أكثر وضوحًا. فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب سريع، وإنما تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في الوعي حتى تمنع الاستسلام للإجابات السهلة. والكاتب الحقيقي لا يخاف من السؤال المفتوح، لأن انفتاح السؤال يعني أن العقل ما زال قادرًا على الحركة.
في زمن النسيان: الكتابة دفاعًا عن حق العقل في أن يتذكر ويسأل
نعيش اليوم في زمن تتنافس فيه السرعة مع الذاكرة، والصورة مع الفكرة، والتدفق المعلوماتي مع المعرفة المتأنية. لا يعود التحدي أن نعثر على المعلومة، وإنما أن نعرف ماذا نفعل بها. ولا يعود السؤال كيف نصل إلى النص، وإنما كيف نقرأه في سياقه، وكيف نميز بين المعرفة والرأي، وبين الحقيقة والانطباع، وبين التفكير والدعاية.
في مثل هذا الزمن تصبح الكتابة مسؤولية معرفية قبل أن تكون نشاطًا ثقافيًا. إنها مطالبة بأن تقاوم اختزال الإنسان إلى مستهلك للمعلومات، وأن تدافع عن حق العقل في التمهل والتأمل والمقارنة. فالإنسان الذي لا يملك وقتًا للتفكير يصبح أكثر قابلية لأن تفرض عليه الأفكار الجاهزة نفسها، حتى عندما تبدو تلك الأفكار نابعة من اختياره الشخصي.
والكتابة التي تقاوم النسيان لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، وإنما تستعيده لأن الحاضر يحتاج إلى ذاكرته. إنها تذكّرنا بأن كثيرًا من الأسئلة التي نظنها جديدة لها جذور قديمة، وأن كثيرًا من الأزمات التي تظهر فجأة هي نتيجة تراكمات لم ننتبه إليها، وأن المجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها إذا ظلت عاجزة عن قراءة تجاربها قراءة نقدية.
لكن مقاومة النسيان لا تعني أيضًا تحويل الكاتب إلى حارس للذاكرة وحدها. فالكاتب مطالب بأن يكتب للمستقبل بقدر ما يكتب للماضي والحاضر. وما يكتبه اليوم قد يصبح بعد سنوات وثيقة على طريقة عصره في التفكير، وعلى الأسئلة التي شغلته، وعلى المخاوف التي واجهها، وعلى الأحلام التي حاول أن يمنحها لغة.
و هنا تبرز العلاقة بين الكتابة والتنوير بصورة أكثر وضوحًا. فالكتابة التنويرية لا تقدم نفسها بوصفها امتلاكًا للحقيقة، وإنما بوصفها دفاعًا عن شروط البحث عنها. إنها تؤمن بأن العقل لا يحتاج إلى وصاية كي يفكر، وأن المعرفة لا تزدهر في المناخ الذي يخاف من السؤال، وأن الثقافة تفقد معناها حين تتحول إلى تكرار مطمئن لما هو قائم.
لذلك فإن مهمة الكاتب ليست أن يطارد اللحظة فحسب، بل أن يمنحها عمقها. وليس أن يلهث وراء كل جديد، بل أن يسأل عن قيمة الجديد ومعناه ومآلاته. وليس أن يكون حاضرًا في كل مكان، وإنما أن يكون حاضرًا حيث يصبح حضوره إضافة إلى المعنى.
إن الكتابة، في أحد وجوهها الأكثر نبلًا، فعل مقاومة هادئ ضد النسيان. إنها تقول إن التجربة تستحق أن تُفهم، وإن السؤال يستحق أن يبقى مفتوحًا، وإن المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى محفوظات، وإن التنوير ليس ترفًا ثقافيًا يمكن تأجيله إلى زمن آخر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من قدرته على فهم نفسه، و الإنسان الذي يفقد حقه في السؤال يفقد جزءًا من قدرته على صناعة مستقبله.
من هنا لا تعود الكتابة مجرد أثر يتركه الكاتب وراءه، وإنما تصبح جزءًا من الصراع الطويل من أجل إبقاء العقل يقظًا. كل نص جاد يحاول أن يمنع فكرة من الموت قبل أن تُفهم، وتجربة من الاختفاء قبل أن تُقرأ، وسؤالًا من الانطفاء قبل أن يأخذ مداه.
لعلّ هذا هو المعنى الأعمق للكتابة في زمن النسيان: أن نكتب لا لكي نملأ صفحات جديدة، وإنما لكي نمنح الأشياء التي تستحق البقاء فرصة أخرى للحضور. أن نكتب لأن المعرفة تحتاج إلى ذاكرة، ولأن الذاكرة تحتاج إلى نقد، ولأن النقد يحتاج إلى حرية السؤال، ولأن التنوير لا يبدأ من امتلاك اليقين، بل من الاعتراف بأن العقل لا يزال قادرًا على أن يسأل.
ما هو مؤكًد و بديهي ٫ أنً الكتابة ليست وعدًا بأن تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نراه بها. وهذه ليست وظيفة صغيرة. فمن يتغير نظره إلى العالم يتغير بالضرورة ما يطلبه منه، وما يرفضه، وما يتذكره، وما يعتقد أنه ممكن. وفي المسافة بين السؤال والمعرفة، وبين الذاكرة والنسيان، تظل الكتابة إحدى أكثر الوسائل إنسانية لحماية المعنى من الضياع.
إنها، ببساطة، محاولة لأن نقول للزمن: لن نعبرك من دون أن نسأل ماذا صنعت بنا، وماذا صنعنا بك.
------------------------------
بقلم: البشير عبيد
* كاتب صحفي و باحث تونسي






