25 - 09 - 2026

فلسطين في الأمم المتحدة بين جنيف ونيويورك

فلسطين في الأمم المتحدة بين جنيف ونيويورك

تتكشف الحقيقة الدبلوماسية يوما بعد يوم لتظهر اليوم عارية من مساحيق التجميل القانونية حيث يعيد التاريخ نفسه في صورة أكثر استقطابًا وقسوة ، ليطل علينا المشهد الممتد من شتاء جنيف عام 1988 إلى خريف نيويورك عام 2026  لا يمثل مجرد أزمة تأشيرات أو قيود بروتوكولية عابرة بل هو تجسيد لخلل هيكلي حاد في منظومة العمل الدولي حين تتحول الدولة المضيفة إلى طرف ينحاز بلا مواربة لعدوان يستهدف المنظومة الأخلاقية الدولية برمتها

- جنيف 1988 ونيويورك 2026 ... انكماش الإرادة الدولية.

في نوفمبر 1988 عندما أغلقت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان باب نيويورك أمام الزعيم الراحل ياسر عرفات تحرك المجتمع الدولي لحماية استقلالية إرادته فصوتت الجمعية العامة بأغلبية ساحقة على نقل جلساتها بالكامل إلى قصر الأمم في جنيف في خطوة وجهت صفعة دبلوماسية صريحة للقرار الأمريكي وأكدت أن المنظمة الدولية ملكٌ للأمم قاطبة وليست امتدادًا للسيادة الخارجية للدولة المضيفة

- أما الان في عام 2026 ومع تكرار منع الرئيس الفلسطيني والوفد الرسمي من دخول نيويورك بموجب قرارات الإدارة الأمريكية تجلت الصورة في أحدث أشكال التراجع السياسي

واكتفت الجمعية العامة بتصويت إجرائي يُتيح إلقاء الكلمة عبر الشاشات الرقمية عن طريق تقنية

(Video Conference)

هذا التراجع لم يكن تفصيلًا تقنيًا بل أعلن هيمنة الإرادة الأمريكية على اتفاقية المقر لعام 1947 وتحويل دبلوماسية الحضور والممرات إلى مجرد بث افتراضي يسحب من القضية ثقلها المباشر في أروقة المحفل الدولي وإعلان بانتهاء أهمية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية

- العداء التاريخي الأمريكي لمنظمة التحرير الفلسطينية ...  ملاحقة التحرر الوطني.

لم تكن القرارات الأخيرة ضد القيادة الفلسطينية وليدة لحظة عابرة بل هي امتداد لنهج تاريخي مستمر من الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها

الوصم الممنهج والتضييق التشريعي منذ صدور قانون مكافحة الإرهاب في الكونغرس الأمريكي عام 1987 الذي أدرج منظمة التحرير كمؤسسة غير مرحب بها واصلت واشنطن استخدام قوانينها المحلية لأجل الابتزاز السياسي والتضييق على المكاتب البعثية والدبلوماسية

- عقاب الحراك القانوني

تسعى واشنطن صراحة اليوم لفرض عقوبات على المسؤولين الفلسطينيين كـرد انتقامي على التوجه للمؤسسات العدلية الدولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية والاعتراف المباشر بالدولة الفلسطينية

تفريغ اتفاقية المقر

تحولت التزامات واشنطن الدولية بحماية وصول كل الوفود إلى الأمم المتحدة إلى أداة تفتيش وانتقائية سياسية حيث يُمنح الحق لجهات وتُحرم منه قيادات يمثلون شعبًا تحت الاحتلال

-إسرائيل كذراع وظيفي ... تبادل الأقنعة بين واشنطن وتل أبيب

في هذا السياق الدبلوماسي المعقد لا يمكن فصل الدور الإسرائيلي عن الاستراتيجية الأمريكية الأوسع في الشرق الأوسط إسرائيل ليست مجرد حليف بل هي الذراع الميداني والوظيفي للمشروع الأمريكي الإقليمي

- المعادلة الثابتة

تتكفل واشنطن بالغطاء الدبلوماسي ورفع الفيتو وتجميد القرارات الدولية وتعطيل القانون الدولي في نيويورك بينما تتكفل تل أبيب بالمرور الميداني والتوسع الاستيطاني وتقويض أركان الدولة الفلسطينية على الأرض

هذا التكامل الوظيفي يحول الإدارة الأمريكية من راعٍ للسلام إلى شريك مباشر في الهندسة السياسية والميدانية التي تسعى للإجهاز على الحقوق الفلسطينية وتصفيتها عبر استبعاد الطرف الفلسطيني فزيائياً وسياسياً

- حصانة الفوقية ... مطلوب دولياً يتبجح على المنبر الأممي

تجلت هذه المفارقة الأخلاقية بأوضح صورها تحت قبة الجمعية العامة حيث اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنبر ليوجه الاتهامات والمزايدات لكل مؤسسات المجتمع الدولي والخصوم الإقليميين والمحاكم الدولية في وقت تلاحقه فيه مذكرات جلب وتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من المحكمة الجنائية الدولية

الحصانة الممنوحة ... يتبجح نتنياهو باعتلاء المنبر الدولي بدعم وحماية كاملتين من واشنطن التي تؤمن له الممر الآمن والرعاية البروتوكولية بينما يُمنع الطرف المجني عليه من الوصول الجسدي لذات القاعة

- ازدواجية المعايير  

أظهر المشهد حجم الشرخ الأخلاقي في النظام الدولي فقادة الشعب الخاضع للاحتلال والذين يمارسون الحراك الدبلوماسي والقانوني يُحظرون بموجب قوانين التأشيرة بينما يمتلك الشريك في العمليات العسكرية منصة مفتوحة لإهانة القرارات الأممية وتبرير التوسع العدوان

- حقيقة الواقع والأفق المستقبلي

تبدو المقارنة بين جنيف 1988 ونيويورك 2026  تحسم القول بأن عقاب الجغرافيا لن يفلح في فرض الغياب الدائم حتى إن نجحت الترتيبات الأمريكية في منع الحضور الجسدي وتحويل الكلمة الفلسطينية إلى خطاب عبر الشاشات فإن العزلة الحقيقية باتت تطوق الإدارة الأمريكية وحليفها الإسرائيلي

لقد أثبتت الوقائع أن المنبر السياسي قد يُكبل بتأشيرة دخول وأن الممارسات الاستثنائية قد تحمي الجناة من المسائلة الحتمية لفترة لكنها تجرد النظام الدولي من آخر ما تبقى له من مصداقية مؤكدة أن قضية فلسطين لم تعد مجرد نزاع إقليمي بل هي المحك الفعلي والنهائي لجدوى القانون الدولي ومؤسساته

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
---------------------------
بقلم: حاتم نظمي
* فنان وكاتب فلسطيني

مقالات اخرى للكاتب

فلسطين في الأمم المتحدة بين جنيف ونيويورك